أخبار عاجلة
الرئيسية » ثقافة » مفاهيمنا للنقد بعيدة عن جوهر الثقافة

مفاهيمنا للنقد بعيدة عن جوهر الثقافة

نبيل عودة

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_حضرت قبل فترة وجيزة ندوة ثقافية، شارك بها عدد من المثقفين، بينهم شعراء عدة، ومنهم شاعر بدأ يكتب الشعر بعد تقاعده من سلك التعليم، اكتشف موهبته الشعرية بعد التقاعد. قال بعد إن قدم نفسه، أنه أصدر سبعة دواوين شعرية والثامن سيصدر بعد صيف. قرأ أمامنا قصيدة غزلية من ديوانه الأول يعتبرها من أجمل قصائد الغزل حسب تأكيد خمسة أدباء، لم اسمع إلا باسم واحد منهم، اعتبره لاعبا بلا جمهور.
شخصيا لا يؤثر على فلسفتي الأدبية إلا انطباعي الشخصي من النص وليس الترويج الإعلامي السائد اليوم في ثقافتنا تحت عناوين مراجعات نقدية، وبصراحة لم اقرأ إلا عناوينها خاصة لأسماء لم اقرأ ولا اعرف أسمائها، ولا اعرف أين تنشر وكيف أصبحت من كبار الكتاب والشعراء بفضل كتاب تحت صيغة نقد، كما يكتب البعض بلا وجل. واحدهم كتب بلا تردد أن القراء يحتفظون بقصائد شاعر ما التي تنشر بالصحف لحين صدورها بديوان شعري جديد له. أي تهريج لا حدود له، حتى لو كان شاعرا مبدعا لا يشق له غبار!!
من ذكرهم شاعرنا كمصفقين لشعره، لم اعرف منهم ألا اسما واحدا في ثقافتنا، وهو ليس ناقدا رغم انه كتب بعض النصوص تحت اسم النقد. قد يكونوا من ذكرهم، متعمقين بالشعر وبحوره وأوزانه وتاريخ الإبداع الشعري. أنا شخصيا احترم كل الآراء حتى التي لا اتفق معها. الحضور في الندوة، أثنوا على ما ألقاه “شاعرنا” في البداية، فطرب لهم. طلب مني أن أقول رأيي، وفضلت أن أبقى صامتا، لأني لم أطرب لشعره وغزلياته، حثني زملاء من المشاركين أن أقول رأيي، لان صمت نبيل عودة غير مفهوم. طبعا هذا حقي كمتذوق أيضا. رغم أن استيائي كان بلا حدود، إلا أني وجدت نفسي اكسر صمتي بعد تردد، وأقول انطباعي السريع لما سمعته، وهو ليس حكما قاطعا على شعره بل رأي شخصي تماما مبني على الاستماع لأول مرة لشعره.
احتراما للندوة والحضور وللشاعر فضلت الصمت، لأني لن أقول رأيا مناقضا لمفاهيمي وذوقي الأدبي والفكري من اجل تسويق نفسي. لكني كسرت صمتي بإلحاح من زملائي، وربما أكون مبالغا في تقييمي السلبي، لأني اعتمدت على السماع وليس على النص المطبوع!
طبعا قرأ أيضا قصائد وطنية لم أجد فيها إلا صراخا وشعارات فات موعد تسويقها. وهي من تيار ما يعرف بالشعر المنبري/ المهرجاني الذي لعب دورا سياسيا هاما في حياتنا السياسية والثقافية في أواسط القرن الماضي. لكن لكل شيء زمنه ومرحلته التاريخية، ونكهته التي تتعلق بظروف سياسية لم تعد قائمة، أو عبرناها بنضال سياسي وثقافي وإعلامي لم يكن سهلا وكان مكلفا لحريتنا حين صمت أدباء جيل الكهولة، المكتشفون لمواهبهم بعد أن طيرت العشوش فراخها!!
قلت في بداية ملاحظاتي أني سأقول رأيي وليعذرني على صراحتي، لي ملاحظة أساسية لا تتعلق بإتقانك للصياغة الشعرية وللغتك الممتازة. وأضفت: قصيدتك الغزلية خطابية تفتقد للصور الشعرية ولرومانتيكية الشعر الغزلي. أنت كمن يلقي خطابا ثوريا. ونفس الأمر قصائدك السياسية أو الوطنية كما تحب أن تسميها. الخطابية قوية. أصارحك القول إنك لو ألقيتها قبل عقدين من السنين لصفقنا لك وحفظنا مقاطعها غيبا. عبرنا مرحلة ليست سهلة سياسيا وثقافيا. لا افهم ضرورة العودة بعد نصف قرن لما تجاوزناه ثقافيا وسياسيا.
قال انه يكتب الشعر الموزون الكلاسيكي. قلت موزون أو غير موزون، كلاسيكي أو عمودي موزون او منثور. ما استمعت له لا يثير أي انطباع جمالي أو رومانتي. أنت تعرف بشكل ممتاز بحور الشعر وتتحكم بلغة عربية ممتازة. لكن ذلك لا يقول شيئا، أنا ناقد ذوقي ولست ناقد حسابات ومقاييس وأوزان. أنت تصرح أنك عاشق، وان معشوقتك جميلة، سحرتك، تسحر الحجر وتجعل القمر يغيب عندما تظهر، وأنت تسجد لها خاشعا وأدخلت تأوهات تذكرني بأيام مراهقتي. لا تتوقع مني أن أقول للأعور انه أفضل المبصرين. أنا اطرح رأيي بصراحة واعرف أني ارفض أن اثني على نص لا أرى فيه ما يشعرني بجماليته. قرأ قصيدة أخرى سألته هل أنت متأكد أن قصائدك تترك انطباعات جمالية لدي القراء؟ هذا أولا وثانيا أخي العزيز المنهج الشعري المشهور لشعراء المقاومة، وما أطلق عليه اسم الشعر المنبري أو المهرجاني، انتهى زمنه ولا يمكن أن يتكرر لأن حضرتك اكتشفت قدراتك المنبرية بعد التقاعد، وبعد نصف قرن من مرحلة شعر المقاومة.
دار نقاش طبعا وتحدثنا باحترام وساهم عدد من الحضور بالحوار ومنهم شعراء معروفين تواجدوا بالندوة، لكني تفاجأت انه ينشر ردا على مقال نشرته بعدد من المواقع تحت عنوان “أنقذونا من هذا الشعر” كان عن موضوع الشعر وتحول نصف مثقفينا إلى شعراء، ولم يهمني بما كتبته أن اذكر اسمه الشخصي، واصلا لم يكن مقالي شخصيا حوله. لكنه كان المحرك الذي أثار دافعي للكتابة الثقافية والفكرية والنقدية العامة. كان رده عشوائيا كشف اسمه وان ما كتبته هو عنه شخصيا، لا افهم سببا لكشف اسمه فانا لم اكتب مراجعة نقدية لديوان له لأسجل تفاصيل الديوان والشاعر. بل حوارا قد أغير رأيي لو قرأت ديونا له. وقد يكون الاستماع اقل تأثيرا من قراءة العمل. ما يهمني مضمون الانطباع من استماعي له بندوة، والفكرة التي طرحتها حول الشعر الغزلي والمنبري/ المهرجاني وليس عنه أو عن شعره شخصيا ومباشرة. وموقفي المنشور لم يكن مباشرا ضده، بل هو ملاحظات عن واقع ثقافي وشعري لعله ينبه الأدباء لحقائق مختلفة لا بد من الانتباه لها. فلماذا أخذني عدوا وليس زميلا صريحا في آرائه ومفاهيمه؟ وأضيف أن هذه الظاهرة ليست شخصية له، بل تسود ثقافتنا كلها، وكان ناقدا احترمه قد اتهمني بالكتابة عن ديوان شعر كتب مقدمته، باني صاحب النقد السلبي عن الديوان وأنا لم اقرأ الديوان رغم معرفتي بصاحبه، وبعد الفحص تبين لي انه اسم ناقد الديوان اسم مزور (عرفت اسم الناقد بالصدفة بلقاء جمعنا بصالون أدبي في الناصرة لمته لأني تعرضت لهجمات بسبب نقده). ولم أشأ أن أطور النقاش الذي استفزني بلا وجه حق، والبعيد عن النقد وقتها، احتراما للناقد ولصاحب الديوان.
واقعنا الشعري للأسف مأزوم ويصح فيه القول: كثر الشعراء وقل الشعر!!
لم اكشف حين نشرت بوستا في الفيسبوك عن الندوة، قبل أكثر من سنة، عن اسم الشاعر. رغم انه شخصيا كشف اسمه بظن مريض أن هذا سيربكني لأنه شاعر هام أو عظيم كما يتوهم ويشهد معه البعض. أو هو نوع من طلب الفزعة من المسحورين بصياغاته. ولم افهم لماذا تصرف بهذا الغضب، أنا تحدثت كأديب وليس كعدو، كصاحب رأي وليس كمطلق أحكام نهائية. قد أكون على خطأ. أنا قلت رأيي أمامه بدون مواربة وبصراحة لأني أحترمه، وغيبت اسمه قصدا وليس خوفا. لست جبانا ولكني احترمت نشاطه وحبه للشعر، واكتشافه بعد الكهولة لطاقاته الشعرية. رغم انه حسب رؤيتي لا يرقي لمستوى إبداعي. لعل التجربة تصقله.
أن الإنسان الذي لم يستوعب دروس الفلسفة البشرية منذ عصر الإغريق وحتى أيامنا، يعيش بظلام دامس. الفلسفة، من بين جميع التعاليم هي التي ترقى بعقل الإنسان ومعارفه، هي التي تجعل العقل البشري حرا من قيود الأوهام الشخصية، وتحرر تفكيره من القيود الفكرية الرائجة وما أكثرها في مجتمعاتنا الشرقية على وجه الخصوص.والدرس الذي تعلمته على جلدي: الويل لك إذا طورت رؤيتك للحياة والمجتمع والسياسة والثقافة بناء على تطور معرفتك. لذلك قللت جدا في السنوات الأخيرة من التوسع بالتعامل مع الإصدارات الثقافية.عندما اكتب رأيا نقديا لعمل ثقافي لا انطلق من فكرة أني صاحب الرأي القاطع. الرأي ليس حكما، بل رأي شخصي مبني على ذوق ومعرفة شخصية. لا بد أن أقول أن كل إنسان يعيش بظن انه سيد على الجميع هو نفسه عبد لتفكيره وتجارب الحياة مليئة بمن ظنوا أنهم الأكثر تفوقا. ليكتب الشعر وليكتب ما شاء. لدينا مشكلة أسماء اكتشفوا أنهم نقاد وكتاب وشعراء بعد تقاعدهم من سلك التعليم. وأنا لا اعنيه شخصيا، أنما أسجل حالة مستهجنة تسود ثقافتنا. وقد ارتكب بعض كتاب النقد (ولا أجد نقدا بمعظم صياغاتهم) مهازل كثيرة أثرت سلبيا على واقعنا الأدبي عامة والشعري على وجه الخصوص. قلت لناقد منهم أننا نواجه أزمة شعرية، فاستهجن وقال انه تلقى في الشهر الأخير أكثر من عشر دواوين شعرية، قلت له هذه هي الأزمة التي قصدتها، وتساءلت لماذا لا أتلقي مثله دواوين الشعراء؟
لا اكتب هذا النص إلا للتنبيه أن الرأي الشخصي هو حق لكل أديب وكل قارئ. والمنطق الثقافي أن يرى صاحب الإبداع بالموقف الذي يعبر عنه أي مثقف، رأيا شخصيا قابلا للحوار وليس تهجمات شخصية، وأتمنى لصاحبنا المزيد من النشاط الشعري والثقافي.
كلمة أخيرة: عندما أتحاور مع شخص لا أهدف إلى الانتصار عليه بل إلى التقدم نحو الحقيقة، نحو تطوير الفكر والثقافة والإبداع بمثل هذه الحالة. يؤسفني أن قاعدة الحوار عندنا هي التمسك بآراء ومواقف الويل لمن يحاول التعرض لها.
أن الذي يخاف من الرأي الآخر لا رأي له!!

الحوار المتمدن

شاهد أيضاً

ويك اب أميركا ياداعمة البلطجية

إبراهيم عطا – كاتب فلسطيني شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_“ويك اب أميركا”… فلتستيقظ الولايات المتحدة …

%d مدونون معجبون بهذه: