الرئيسية » كتاب المدار » المصالحة المستحيلة .. بين السلطة وحماس

المصالحة المستحيلة .. بين السلطة وحماس

رياض حسن محرم

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_لايوجد وطنى لا يرحب بإعادة اللحمة الى الكيان الفلسطينى، فليس فقط أن الوحدة الفلسطينية هدف نبيل يجمع الشعب الفلسطينى ولكنها ضرورة عملية لشعب تحت الإحتلال يسعى الى اكتساب حريته، فقد شاهدنا كيف أن حركات التحرر الوطنى بعمومها كانت موحدة الراية فى مقاومتها للإحتلال من فيتنام الى الجزائر مرورا بجنوب افريقيا وغيرها من حركات ثورية عبر العالم، رغم وجود منظمات صغيرة مناوئة، لكنها لا تشكل عائقا رئيسيا أمام التيار الرئيسى، على أن الواقع الفلسطينى له خصوصيته الجغرافية والسياسية، فقطاع غزة منفصل جغرافيا عن الضفة الغربية ونظامى الحكم فيهما لهما مرجعيات سياسية مختلفة، فالسلطة الوطنية الفلسطينية تحمل مرجعية مدنية ذات طابع شبه علمانى، وعلى الجانب الآخر ففى قطاع غزة تسيطر حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بمرجعية دينية سلفية تتبع فى ميثاقها التنظيم الدولى للإخوان المسلمين “بالرغم من جميع محاولاتهم التنصل من هذا الإنتماء” إنها نفس المسافة التى بين “حركة طالبان” والحكومة فى أفغانستان، ومنذ أن فازت حماس بالإنتخابات فى عام 2006 والحركة تحاول فرض رؤيتها الدينية كفرع فلسطينى لحركة الإخوان المسلمين فى مصر منذ أن أسسها الشيخ “أحمد ياسين” فى سبعينيات القرن الماضى، ولكن جاءت اللحظة الفارقة عندما قامت حماس بإنقلابها فى عام 2007 وتكريس الإنقسام وسيطرتها الكاملة على قطاع غزة، فقدعملت الحركة على احكام سيطرتها على غزة وأسلمة المجتمع الغزّاوى من خلال خطة مدروسة “رغم نفيها ذلك دائما”، من هذه المظاهر فرض الحجاب على الفتيات بجميع مراحل التعليم والفصل بين الجنسين فى المدارس وتأنيث مدارس البنات، كما شكلت وزارة الأوقاف والشئون الدينية التابعة لحماس لجان ” نعم للفضيلة” وهى تشبه “هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر” بالسعودية تجوب الشوارع للمناصحة والمنع، وتوجيه أوامر لأصحاب محال بيع الملابس بإزالة المانيكانات العارية والملابس الداخلية من الفتارين، وتتؤكد بأنها تعمل على وقف كافة المظاهر اللاأخلاقية في المجتمع خصوصا الاختلاط في الصالات العامة والأفراح والسهرات الليلية والرحلات الطلابية التي تجمع البنات والشباب والرقابة على مقاهي الانترنت وفرض الحجاب على المحاميات فى المحاكم ومنع الإستحمام بالمايوه” لباس البحر” ومنع ركوب النساء خلف أزواجهن على الدراجات النارية، وقد حدث أكثر من إعتدء على النوادى والفنادق والمنتجعات والمقاهى بحجة عدم التزامهم بالسلوك الإسلامى.على الجهة الأخرى فان المناطق التى تخضع لحكم السلطة الفلسطينية فى الضفة الغربية تخضع لنظام مدنى لا يفرّق بين أصحاب الديانات المختلفة ولا يحمل تمييزا ضد النساء ولا يتدخل فى نوع لباسهن أو يمنع الإختلاط بين الجنسين، ومنذ حكمت حماس قطاع غزة تحالفت وحمت مجموعات أكثر تطرفا وراديكالية أولها كان جماعة “جيش الإسلام” التى اشتركت معها فى خطف الجندى الإسرائيلى “جلعاد شاليط” ولكن هذا لم يمنع اصطدامها مع مجموعات أخرى حاولت إحداها فرض رؤيتها وإعلان غزة إمارة إسلامية من طرف واحد وهى “جند أنصار الله” فى رفح واستخدمت حماس العنف ضدها وقتلت 20 عنصرا منها.
تعلمنا تجارب المنطقة أن الأنظمة التى ترتدى مسوح دينية تعتبر تخليها عن السلطة طواعية أو عبر صناديق الإنتخاب خيانة لمبادئها ، وأن عملية الإنتخابات تكون لمرة واحدة يصلوا فيها الى السلطة ويعتبرون ذلك بيعة لهم وقميص سربله الله عليهم لايحق خلعه من قبل المواطنينن، وأن دورهم الأساسى هو تطبيق شريعة الله على الأرض وتعبيد خلقه لخالقهم.ان محاولة الإسراع باجراء المصالحة فى هذا الوقت بالذات، حيث تسعى بعض الدول العربية المحسوبة على أمريكا الهرولة باتجاه التطبيع مع الكيان الصهيونى، وانفراط العقد العربى حول تمسكه بحل الدولتين والمبادرة العربية كحد أدنى للقبول بالسلام، هو فى حد ذاته موقف محمود ونبيل، كما أن التمسك بشعار أن تكون الأرض مقابل السلام وليس السلام مقابل السلام كما يدعو لذلك “نتنياهو” هو الخيار الأفضل.لقد فشلت من قبل جميع محاولات المصالحة التى جرت، فقد شاهدنا نفس الوجوه تحديدا وهى توقع “إتفاق مكة” وتتعلق باستار الكعبة، وسبق أن وقعوا اتفاقت عديدة من قبل فى الدوحة والقاهرة وغيرها، غير أننا يجب أن ندرك أن الطرفين وخصوصا “حماس” لا تثق بالنظام المصرى الذى تراه يعمل على إستئصال شأفة الإخوان المسلمين ويتهم بالتخابر مع حماس، كما أن مخاوف عباس من القاهرة، لا تقل عن مخاوف حماس. لما يراه الرئيس الفلسطيني في الوساطة المصرية ليس مصالحة وحسب، بل ومشروعاً أكبر بكثير، يستهدف تمهيد الساحة الفلسطينية لتطبيق مشروع ترامب للتسوية، والتخلص منه شخصياً، في اللحظة المناسبة، لصالح دحلان وحلفائه “الذى عاد للطهور”. كما يعتقد عباس أن خطة ترامب للتسوية، أو ما بات يعرف بصفقة القرن، ليس مشروعاً أمريكياً ـ إسرائيلياً فقط، بل ومصرياً ـ سعودياً كذلك، في هكذا سياق من تباين النوايا والأهداف، يصعب توقع إنجاز المصالحة.ثمة موجة جارفة من القناعة داخل الشعب الفلسطينى بأن الانقسام شكّل كارثة على القضية الفلسطينية والنضال الفلسطيني والشعب الفلسطيني، والبعض اعتبر أن المصالحة بحد ذاتها وبغض النظر عن محتواها هي دواء لكل داء فلسطيني، وهي المخرج من كل أزمة وتأزيم، ولكن “من وجهة نظر حماس” فإنه منذ بداية قصة المصالحة فإن حجه الرئيس عباس الأثيرة هي تحميل مسؤولية ما حدث بأرض فلسطين من سياسة التمسك بمبدأ التحرير من النهر الى البحر ومنهج الكفاح المسلح واطلاق الصواريخ، ثم على إدارة الظهر للشرعية الدولية ، والعزلة عن الرأي العام العالمي والإكتفاء بطهران وأنقرة والدوحة، هو الدور المحبب لحماس ومن يؤيدها.وترى حماس أن من يريد أن ينهي الانقسام على أساس استتباع قطاع غزة المحرر -الذي هو في حالة مواجهة عسكرية- لسلطة رام الله أو لمحمود عباس بما يحمل من إستراتيجية وسياسة معادية لفكرة المقاومة المسلحة، فيكون مثل من يستدعي الاحتلال والاستيطان ليعود إلى غزة، فيُعاد تجريد غزة من السلاح وتهديم أنفاقها، وتغدو عندئذ كأي مدينة في الضفة الغربية مجردة من السلاح وإرادة القتال.
هناك عوامل خارجية أخرى أولها هو حرص طهران “الحليف الأول لحماس” على ابقاء حالة الانقسام سارية وذلك لاضعاف القيادة الفلسطينية وابقائها عاجزة، وفى حاجة مستمرة اليها، كما تحاول طهران استعراض قوتها امام الرئيس “ترامب” وطاقمه لاظهار قدرتها على تفجير الازمات وابقاء الفتائل مشتعلة فى المنطقة وأن بيدها وحدها اطفاء هذه الحرائق، ومن هنا أيضا فإن واشنطن تضغط على القاهرة لوقف جهود المصالحة كخطورة فى اتجاه تحقيق صفقة القرن على الأرض، فهى تعلم جيدا أن الوصول الى تسويات حول قضايا الحل النهائي مع الفلسطينيين يتطلب استمرار انقسامهم.

الحوار المتمدن

شاهد أيضاً

اللجنة التأسيسية المعارضة للنظام الملكي بأمريكا

سعيد الوجانيشبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_مؤخرا حصلت شبه ندوة بين معارضين شخصيين وليسوا تنظيميين للملكية …

%d مدونون معجبون بهذه: