هنا وطني (صفرة الللا)


زاوية أسبوعية تطل عليكم منها الاعلامية الليبية غادة أسعد الطبيب

المثل الدارج يقول .. لاقينى ولاتعشينى ويقول ايضا شد خبزتك واطلق عبستك ويقول ايضا الجود بالموجود و كل شي فيه الهانة غير صب المى ع العجانة ولو اردنا تفصيل الامثال الليبية الدارجة في شؤون الطبخ والطبيخ لما انتهينا لأن الطبخ والمطبخ وفن الطعام عموما احتل مكانة بارزة في الموروث الشعبي الثقافي الليبي شأنه كشأن كل بلدان المنطقة التى تسمى تجاوزا بلاد العرب .
منذ أن كان الرومان والوندال والفينيقيين ضيوفا أو غزاة على هذه الأرض ،مرورا بالاتراك العثمانيين وانتهاءا بالايطاليين ،كل هؤلاء تركوا بصمات اصابعهم على المائدة الليبية العامرة بما لذ وطاب فالمطبخ الليبي كاسفنجة ضخمة يمتص كل مايسكب في قلبه بل يصهره ويضيف عليه لمسته الخاصة ..

الكفتة الطرابلسية بالبصلة


ولو شاء القدر أن تزور هذا البلد العريق في تاريخه ، الغارق في ترف موائده لوقعت في حب مطبخه فكل ما يوضع على المائدة هنا ( متليب) بطريقة أو باخرى فالسيدات هنا يتمتعن بلمسة استثنائية تضيف شيئا من السحر لكل ما يقمن بطهوه فالمبطن وهو سيد الموائد ومرادف للترف ورفيق للمسقي ببصلته الغنية المفوحة بالسمن الحقانى والزهر ، ليس طبقا ليبيا اصليا وإن كانت اللمسة الليبية قد اغنته واضافت إليه
تقول الحكاية التى ترويها الجدات بتجاعيدهن العميقة أن اصله تركى وأن العائلات التركية التى استوطنت ساحل طرابلس ومدينتها القديمة قد جلبته معها من بلاد الاناضول حيث للترف معنى آخر ، ستروى لك الجدات قصة احدى الخوانم التى عشقت سحر زقاق المكنى وغرقت في تفاصيله وتماهت مع نسوته فعلمتهن تلك الأكلة المختلفة( المبطن) وأنهن ظللن يراقبنها في صمت وهى تقشر البطاطا وتقسمها الى شرائح مدورة سميكة وتحشوها بخليط اللحم المفروم المتبل بالبهارات القادمة من اقصى الشرق من فلفل اسود وملح وتضيف إليها بضع رشات من المعدنوس الطازج ثم تقلب تلك الهدية الغنية في البيض والدقيق وتقليها حتى يمسى اللون ذهبيا غامقا ،مطلقا روائح تجلبك منذ بداية الزقاق .

الظولمة

وستروى لك الجدات أيضا أن اللا حلومة ورفيقاتها استطعمن تلك التوليفة واضفن إليها من سحرهن الخاص وظللن يضفن ويضفن حتى وصلن لوصفة فريدة بصمت بالبصمة الليبية الطرابلسية خاصة حينما وضعن تلك الطروف في طاجين وسكبن عليها مرقة حمراء مترفة بالسمن واودعنه قلب الفرن الحجري القديم .
تمر السنوات ويظل المبطن مرادفا للولائم والعزائم والافراح يوم أن كانت مائدة الفرح تعد في مطبخ بيت العروس وتغمره بعبق ندى .
أما الكفتة القادمة من اقصى الاناضول أو من غياهب بلاد فارس كما يقول البعض فقد نالت نصيبها من اللمسة الليبية برغم اصولها الفارسية فكلمة كفته تعنى المسحوق أو اللحم المسحوق المضاف إليه التوابل أو الارز أو الخبز المحمص المسحوق أو كما يطلق عليه هنا خبزة مرحية ، تلك الكرات المليئة بالعصارة المشوية على الفحم أو المقلية في الزيت الذهبي الغزير قد نالت نصيبها هى الأخرى من التلييب واضافت عليها ربات المطبخ الساحرات لمستهن متمثلة في بصلة موضوعة فوقها تزينها كتاج من النكهة والطعم مفوحة بالسمن والقرفة والتوابل في تركيبة سلبت لب آكليها مثلما فعل داود باشا عندما تذوق الكفتة للمرة الأولى كما تسرد الروايات فمنحها اسمه ومنحته خلودا ربما ما كان يحلم به خاصة عندما طارت الحكايا من مطبخ قصره محملة بنميمة جميلة فحواها وجود خاتم ذهبي في قلب الكفتة التى يحضرها طباخ القصر العثمانى .

الضولمة


كل من مر من هنا ترك شيئا من روحه في قلب الكوجينة الليبية مما جعلها مهرجانا من النكهات والطعوم فالرشتة بخيوطها الرقيقة برتقالية اللون بفعل المرق ، قادمة من ايران أما الكانيولى بحشواته المختلفه فهو ارث ايطالى اصبح له عشاق ومريدون هنا ، أما الحرايمى والفاصولياء بالكرشة فهما اكلتان تركهما يهود ليبيا مثلما تركوا كل شئ هنا وإن اردت أن ترى بأم عينيك التأثير الايطالى فيجب أن تتناول البيتزا أو البيتسا كما تنطق هنا بزيتونها وصلصتها المحلاة بزعتر الجبل أو ترهونة منثور فوقها الجبن كثلج ابيض فخم ولذيذ أو تشارك بعض الشباب ( مكرونة امبكبكة ) خلال زردة في قلب جودايم أو القربولى أو قرب شاطئ البحر ،كى تدرك أن المعكرونة الاسباقيتى الايطالية قد نالت حظها هى الأخرى واصبحت ليبية وبفخر .
ولكن …..
عليك أن تعلم أن الضولمة التى ستأكلها هنا ستكون تجربة مختلفة في مذاقها وبهاراتها وحتى طريقة لفها عن أى مكان في العالم .
تلك الوريقة ذات اللون الأخضر الغامق القادمة من نبتة السلك أو من الكرنب الملفوف ستمنحك دفئا لن تنساه حليمات التذوق لديك ، سيذوب الأرز واللحم المقطع صغيرا بدقة متناهية ويتمازج في فمك مخلفا طعما لاذعا قليلا ولكن غنيا من اثر صلصة الطماطم المعجون والبهارات لكنك لن تنكر أن اصولها التركية القادمة من قصر دولما باغجه
Dolma bahce sarayi

مراحل تحضير الظولمة


التى يقال أنها سميت تيمنا بها أو محاكاة له ، قد جعلتها الأكلة التى هى عليها اليوم ،مزيجا من كل بلد وكل مطبخ فقد بجلها العراقيون والشوام وفرشوا لها قطع العظم المكسوة باللحم واضاف لها البعض ورق العنب المتوفر بكثرة فغدت فرعا لأصل ثابت وعاملها الليبيون ببساطتهم المعهودة ففرشوا لها قطع البطاطا المدورة لتكون وسادة أثيرة تسكب عليها عصارتها ونكهاتها ووضعوا إلى جانبها الفلفل الحلو الثخين وملؤوه حتى التخمة بذات الحشو العبق واحبها المصريون فلم يتركوها وحيدة في قلب القدر فوضعوا الباذنجان والطماطم وحشوهما بذات الحشو ليكون القدر كرنفالا للون والطعم .

المبطن بعد قليه ونضجه

وإن صدقت تلك الحكاية عن الجارية بقلاوة ، جارية السلطان العثمانى التى صنعت له هذا الصنف الحلو فكرمها واطلق عليه اسمها فيجب أن تعتذر لها لأنك حالما تتذوق البقلاوة الطرابلسية باللوز والسمن والعسل ستنسى حكاية تلك الجارية وتركض خلف الللا عواشة إلى بيتها في زنقة المكنى وستجلس مذهولا تراقبها وهى تمد العجين على السفرة الخشبية بالحلة الخشبية العتيقة حتى يصبح ستارا شفافا ترى ضوء النهار من خلاله وسيخلب لبك صوت اللوز وهو يفور ويغلى على نار هادئة حتى يخلع عنه ثوبه البنى الرقيق ويتزلط

وستتلهف حتى تراقب نشره على قماش ابيض ناصع في شمس نهار طرابلسي ساطع تمتص ماؤه وتجعله مقرمشا لذيذا تمهيدا لتحويله الى دقيق ينثر فوق طبقات العجين الرقيق العائم في السمن المقدوح والمرشق باللوز بعد قص العجين ولن تعدم الحيلة لترافق على ورفاقه الى الكوشة الواقعة في اقصى الزقاق وأنت تحمل صفرة البقلاوة فوق رأسك كعروس تزف إلى بيت احلامها وستتعلم التحلى بالصبر في انتظار نضجها وسيسيل لعابك وأنت تراقب طقوس سكب العسل الحقانى فوقها كى تغرق في طوفان منه ولن تنسى أن تشكر الكواش على مهارته ولتلك حكاية أخرى ..

بقلاوة


ستغادر الزقاق وأنت تحمل طبق البقلاوة بين يديك مغطى بقماش ابيض مطرز بحب و مليئا بالنكهة وسلاف الحكمة المطبخية المتوارثة والذي منح سفرة الللا سحرها ..

مصطلحات

لاقينى ولا تعشينى أى استقبلنى ولا تطعمنى وهو للدلالة على اهمية الحفاوة والبشاشة عند استقبال الضيف

شد خبزتك واطلق عبستك أى امسك الخبز أو خبزك وابتسم أو استقبلنى مبتسما
الجود بالموجود أى الكرم بما هو متوفر
كل شئ فيه الهانه غير صب المى على العجانة أى كل شئ هين إلا سكب الماء على السيدة التى تقوم بالعجن لأن سكب الماء بكثرة قد يؤدى لفساد العجين

متليب أى اصبح ليبيا
مفوحة أى تفوح منها رائحة بتسكين الميم وفتح الفاء
زقاق المكنى بضم الميم وتسكين الكاف
المعدنوس أى البقدونس
الطروف أى القطع
البصلة بضم الباء هى قطع من البصل مقطعة الى اجنحة (جوليان ) تطبخ مع الحمص ومن ثم يتم تشريبها بالمرق الاحمر ووضعها على الكسكسي أو الارز أو المعكرونة أو الرشتة وهى طريقة طبخ ليبية صرفة .
الكرشة أى امعاء الخروف حيث تنظف جيدا بالسكين والملح والخل والليمون حتى تصبح بيضاء ناصعه ويتم استخدامها في الطبخ
امبكبكة بتسكين الميم وفتح الباء وتسكين الكاف هى طبق تقليدي ليبي يتكون من اى نوع من المعكرونة مطبوخة في مرق احمر وتكون باللحم أو الدجاج او السمك لافرق
زردة أى نزهة أو سيران كما يقول الشوام
جودايم والقربولى مناطق ليبية يتنزه فيها الناس وهى جميلة للغاية
يتزلط يطلق هذا الاسم على عملية سلق اللوز في الماء تمهيدا لاستخدامه في البقلاوة
يترشق يطلق على عملية وضع اللوز على قطع البقلاوة بعد قصها بشكل معين
الكوشة أى الفرن أو المخبز والكواش هو صاحب الفرن
العسل الحقانى أى العسل الطبيعي

غادة أسعد الطبيب

Previous post مرسيدس تستدعي سياراتها من بلجيكا
Next post نوارس ليبية ..
%d مدونون معجبون بهذه: