كيف تكون وطنياً بلا حدود

فاتن نور

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_..الإنسان حيوان سياسي بطبعه..هذه مقولة تاريخية لأرسطو، مقولة صادقة يثبتها الواقع، فنحن منغمسون بالسياسة كل الوقت تقريباً، حتى لو كنا بعيدين عنها، سنظل بيادق على رقعة الحياة. الحياة التي تحركها اللعبة السياسية.
هذا لا يعني أن الاستثناء غير ممكن، فثمة دفّات سياسية تدار من قبل أناس بعيدين فعلاً عن السياسة، لأنهم بعيدون عن الحياة، وكل ما يمتّ لها بصلة. أناس مرتبطون بعقود سايكوباثية مع موتى وقبور.
أكاد لا أفهم ما قيمة الوطنية وما أهميتها الممكنة كعاطفة، ما لم تتحول إلى وسيلة ديناميكية تتحدى السلطة إذا فسدت، تجابه أخطاءها بحزم، وتدفاع عن البلد ضدها. من أجل تحقيق أفضل عيش ممكن، وصناعة جيل أفضل. فهذه أمور تعكس عمق الشعور بالانتماء، وتعززه بواقعية عملية ملموسة. والشعور بالانتماء، لربما من أعمق احتياجات النفس البشرية. الذي لا يشبعه الخطاب الانشائي مهما كثر زخرفه، وصدح صوته، وتحشرجت نبرته، وامتزجت بالدمع من شدّة الاكتراث الوطني.
نحن محاصرون بالأكاذيب مذّ نعومة أظفارنا. محاصرون بالتبعّية والأدلجة، ومفاهيم ملتبسة أو فائضة. حصار مرير ينتزع بعض صفاتنا الإنسانية.
التربية الوطنية في المدارس مثلاً، طرفة من طرائف التلقين الممنهج، فهي حصة معدّة بمهارة لترويض النشء، اعدادهم ليكونوا طوع بنان المؤسسة السلطوية، لزجهم في الجبهات المفتوحة بين مؤسسات العالم السلطوية، أو في جبهات المحيط الأقليمي أو الداخلي. أو تسخيرهم لخدمات آخرى لحمايتها.
المحيط الداخلي، الذي هو المحيط الجغرافي المحدد لنفوذ المؤسسة السلطوية أو الجهاز. وقد اخترعوا له اسم “دولة” اسماً مهيباً لإذكاء الجهاز بالعظمة والوقار والرهبة. مع إنه جهاز سلطوي، ورغم تفاوت سلطويته بين محيط وآخر، لكنه بالتالي يقتات على استنزاف الثروات البشرية والطبيعية بما يخدم بقائه، وديمومته في أفضل حال وأطول مدة ممكنة.
انتفاضات الشعوب وثوراتهم، قد تنتهي بلا طائل، أو تتقهقر إلى تجمعات شعبية للتنفيس، والترويح عن البؤس والضياع والخيبة؛ ليس بسبب كفاءة الجهاز السلطوي في القمع والاغتيال، التحييد أو شراء الذمم وحسب. بل لرداءة الحس الوطني أو الشعور. فهو كأي حس أو شعور، يبلى بانعدام التناغم المصيري بين أطرافه، ويخبو إذا لم يشحذ ويصقل بالتكافل الوظيفي البنّاء بين الدولة والمواطن. وقبله، التكافل بين جميع المكوّنات البشرية في محيطها الجغرافي.
الحس الوطني لا يأتي من فراغ. ودماغ الحيوان السياسي، لا يفرز هرمونات الأحاسيس الوطنية، ونحن لا نولد بمشاعر الوطنية والانتماء، هذا هراء أو وهم. مثل وهم الدين فطرة. المشاعر الوطنية غرس ونماء، تلزمه الرعاية والسقاية، وقبل هذا وذاك، تلزمه تربة صالحة وبيئة نظيفة.
لكننا لا ندرك حجم الفخ الذي وقعنا فيه، أو وقعت فيه البشرية، أو قلما ندرك. لأننا نترعرع عادة مكبلين بسلاسل الترويض والتلقين، وأغلال الولاءات المؤدلجة، أو سلاسل العبودية كما وصفها جان جاك روسو، سلاسل تجرنا بخفة، إلى حيث يريد أصحاب النفوذ والسلطة. ولأننا مكبّلون، كثرما نجنح إلى الخيال، فنلهج بمفاهيم وأخلاقيات وقيم، لا أساس لها على أرض الواقع، ولا في النفس البشرية.
الوطن ليس مفهوماً جامداً، ولا جغرافيا فارغة وحدود، الوطن مفهوم متغير بما يطرأ على مكوّناته البشرية والسياسية والدينية والثقافية من تغيير، وعلى جغرافيته وبيئته، ويبدو أمراً مربكاً ومحيّراً في آن، الفصل بين الوطن ومكوّناته، فلا وطن ممكن بلا مكوّنات. أن نفرض صورة مثالية جميلة لمفهوم الوطن حتى في أبشع أحوال الأوطان وأكثرها دبقاً ودمامة؛ ضرب من العبث والضلالة. المهم هو، شكل الوطن كواقع نعيشه، وليس شكله كمفهوم نظري.
علماً أن شكله في قواميس اللغة بسيط ومشبع للغاية, ويخلو من التعقيدات المضافة، فالوطن هو المنزل والمستقر. هذا كل شيء، تطور المستقر إلى حي ثم مدينة ثم جميع المدن ضمن رقعة جغرافية محدّدة. خطوة آخرى على نفس المنوال، يكون المستقر هو جميع الرقع الجغرافية على كوكب الأرض. بمعنى أن كوكب الأرض هو الوطن الأم للبشرية، أو ليست هذه هي الحقيقة فعلاً التي لم تسطر في القواميس بعد، ونعمل على طمسها بأكذوبة الأوطان وتعقيداتها التي انطلت علينا.
والمغالاة في الوطنية وحب الوطن قد ينحدر إلى ما يشبه العصبية القبليّة، أو حتى يتحول في أسوأ حالات المغالاة، إلى شوفينية مقيتة.
وبعد، لو أن التربية الإنسانية، هي التي تسود في المدارس، بدل التربية الوطنية، لعمّ الحب والتعاون في العالم. وخرجت أجيال أوسع فهماً من أجيال التربية المحلية وأقل بؤساً.
شئنا أم أبينا، نحن أبناء كوكب واحد، صغير جداً على هامش درب التبانة، قواسمنا المشتركة هي الإنسانية، التاريخ المشترك للجنس البشري، والمصير المشترك، والتحديات الكونية المشتركية التي تواجه الكوكب، وهي تحديات خطيرة لا مجال للخوض فيها الآن. قواسم وتحديات عابرة للجغرافيات والحدود. ومفاهيم التخندق بكل صنوفه وأشكاله، والتي تشكل بدورها إحدى التحديات المصيرية، لأنها مفاهيم تقليدية منتهية الصلاحية، وكثرما كانت الطريق المعبّدة للسلطة والاستبداد وما زالت.
أقف مع الأسباني، بابلو كاسالس، عازف التشيلو والكمان، في تسائله الذي يشي برقيّ إنساني نطمح أن يسود:
حب الوطن شيء رائع، ولكن لماذا يتوقف الحب عند الحدود؟الحوار المتمدن

Previous post أمن الشرق الأوسط ـ هل من دور أوروبي فاعل ؟
Next post منهجية كتابة مقال فلسفي
%d مدونون معجبون بهذه: