طقوس (( حكاية الغربال ))

هنا وطنى
زاوية أسبوعية تطل عليكم منها الاعلامية الليبية غادة أسعد الطبيب

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تفتح الللا عينيها ،تلبس رداها وتربط تستمالها وتتوجه لسطح المنزل أو للجنان كى تطمئن على الكسكسي الذي قضت وجاراتها ،يوما كاملا في تكسكيسه .
يبدو كحبيبات رمل ذهبية منثورة بوداعة على الشراشف البيضاء ،يتحول ببطء من طور الرطوبة إلى طور القساوة كى يغدو وجبة شهية تسد الرمق وتتصدر الصفرة .
ترى هل دار بذهن الللا وهى تدخل في قلب ذاك الطقس أن رجلا ما يدعى ابن دريد قد تحدث عن كسكسيها ؟
ستجيب انت عنها بيقين يشبه يقين الأنبياء أنها لم تسمع في حياته عنه ولم تقرأ كتابه جمهرة اللغة فلا يعنيها هذا في شئ فما يعنيها حقا هو أنها تتقن ذاك التقليد وتمارس ذاك الفعل الجميل فلن تأبه لك حتى وإن حدتثها عن شارل ذاك الرحالة الفرنسي الذي كتب عن الكسكسي ذات يوم .


تلك الطقوس المقدسة تؤدى ببراعة منقطعة النظير وكأنها قوانين محفوظة في لوح مختوم ،تبدأ بشراء السميد وتجهيز الغرابيل والطناجر الكبيرة التى سيتم فيها تبويخ الكسكسي مرورا باعداد الشراشف البيضاء لنشر الحبيبات الرملية عليها تمهيدا لتجفيفها تحت اشعة الشمس وبالطبع لا تنسى دعوة الجارات للمساعدة ، ذاك الطقس الذي تلاشى أو كاد .
يحث الصبي الصغير الخطى مخترقا الأزقة والحوارى ناقلا الخبر العاجل بلهفة ،طالبا مساعدة الجارات ،يدق الباب فتفتح الجارة ويسرع بنقل الخبر إليها ( تسلم عليك امى وقتلك غضوا بنكسكس تجى تعاونينى )؟
تبتسم الجارة وتهز رأسها بالايجاب وقبل ان يغيب الزقاق الصبي تنادى …. عندكم غرابيل والا نجيب غربالي؟
الغربال لصيق بذاك الطقس تماما كصوت قرقعة الأساور الذهبية عند ارتطامها بقصعة الليمونى ، سيمفونية متناسقة النغمات ستطرب لها اذنك وسيتماهى معها سمعك وستتوق روحك لتتنشق تلك الروائح ، روائح البخار المنبعثة من الكسكاس عند تبويخ الحبيبات الذهبية المرملة لتخطو صوب الكمال قريبا .
لن يخطأ انفك تلك الرائحة ولن تنسى اذناك ذاك الصوت فهما ماتبقى من زمن مضى وربما لفرط بهائه لن يعود !


غريبة ومتفردة أليس كذلك ؟
عاود اغماض عينيك وراقب تلك الحركة الدائرية التى تؤديها النسوة بايديهن واجسادهن ، ألا يبدين وكأنهن يلوحن لقريب مسافر يتأهب للرحيل أو كأنهن يداعبن رؤوس اطفالهن بحنان
إنها يدهن اليمنى تلك التى تقوم بكل العمل ،تدعك السميد وتبرمه ليتحول إلى حبيبات صغيرة متناهية الدقة ، ناعمة كرمل مبلل وطئته قدم صبية تتوق للبحر .
الآن هل لازلت تذكر تلك الأسماء التى تطلق على الغرابيل ؟
أ تبتسم وأنت تستحضر الأسماء التى تبدو الآن عصية على ذاكرتك ؟
ربما لا تذكر أن لكل واحد منهم اسما وعملا مميزا يؤديه في طقس اعداد الكسكسي فالسقاط هو الغربال الواسع العيون الذي يبدأ به والقيام هو الغربال ضيق العيون الذي ينهى المهمة ويسلم تلك الحبيبات للكسكاس الضخم الكبير الذي يستقر فوق الموقد ويفور بمائه وحبيبات قرنفله .
القرنفل حاد الرائحة الذي يمنح لعملية التبويخ رونقها وبصمتها المميزة .

تعلو من الصورة القديمة اصوات الللا وجاراتها ممزوجة بصوت اساورهن الذهبية وصوت الغربال وهو يتحرك في دوائر مؤديا رقصة مولوية فريدة فوق قصعة الليمونى الضخمة ،مصدرا صوتا لايتوقف ،يتكرر بانتظام مغرى ،اقسم أنك غفوت على صوته في زمن ما متوسدا ركبة والدتك متنشقا رائحة الهواء المحملة ببخار القرنفل .
طك ..طك ..طك … ايقاع تألفه اذنك وتسكن إليه روحك وطقوس لطالما انتظرتها بلهفة كى تلهو رفقة صبية الزقاق من جيرانك وتكون جزءا ولو صغيرا من حكاية ظننتها ستدوم للأبد.
أما الجزء الأجمل من الحكاية والأكثر تعقيدا من الطقس فهو عملية تفريغ الكسكاس الكبير من الكسكسي المبوخ ،تلك اللحظة التى يغمر فيها البخار جميع الحاضرين بنداوة رطبة وحارة تصل للرئتين ، يبدو الكسكسي كقلعة دائرية ضخمة متماسكة ،شهى ولذيذ ،قشدى ومليئ بالترف .
أ تلك ابتسامة التى المحها تتسلل إلى ملامحك وأنت تتذكر كم من المرات سرقت قبضة من الكسكسي الساخن الحار والقمتها فمك والبخار يتصاعد منه أو تسابقت مع ابن جارتكم كى تحضر القفالة الرطبة المبللة لسد الفراغ بين الطنجرة والكسكاس !
وكم من المرات تسللت إلى السطح أو للجنان كى تسرق حبيبات منه وهو منشور على الشراشف البيضاء ،مستلق تحت الشمس التى ستتمم طقس تحوله وكم مرة نلت صفعة على يدك من والدتك مشفوعة بابتسامة .
تلك الحكاية وذاك الطقس البهى الذي كنت تود لو دام إلى ما لانهاية وظللت أنت طفلا تلهو متنقلا بين بيوت الجيران أو مستلقيا على الشرشف الأبيض تراقب الكسكسي .

مصطلحات

تستمالها أى الايشارب الصغير الذي تستعمله النسوة مع الرداء وهو جزء من الزى التقليدى الليبي
تكسكيس هى العملية التى تطلق على تحويل السميد إلى حبوب الكسكسي .
قصعة الصينية المصنوعة من الألومنيوم
تبويخ بكسر التاء وتسكين الباء أى عملية اخراج بخار الماء وتمريره عبر الكسكسي في آنية ثنائية ضخمة .
غضوا أى غدا
بنكسكس تجى تعاونينى أى ساقوم بعمل الكسكس فهل تأتين لمساعدتى ؟
نجيب أى احضر
التبخبيخ أى رش الماء على الكسكسي
تبرم بضم التاء وتسكين الباء وهو لفظ يطلق على عملية تحويل السميد إلى حبيبات كسكسي بعد رشه بالماء
السقاط بضم السين وفتح القاف وتسكين الطاء
القيام بكسر القاف وفتح الياء وتسكين الميم وهما نوعان من انواع الغرابيل
القفالة قطعة قماش رطبة طويلة تستخدم لسد الفراغ مابين الجزء السفلي وهو الطنجرة التى يوجد بها الماء والعلوى وهو الكسكاس الذي يوضع فيه الكسكسي .
غادة أسعد الطبيب


Previous post نموذج للتلاحم العربي الأمازيغي عبر التاريخ
Next post طائرة بلا طيار في ميناء أنتويرب
%d مدونون معجبون بهذه: