في الماركسية المعاصرة

فؤاد النمري

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_ما كنت تجشمت عناء كتابة ثلاث حلقات عن “أهم المسائل في الماركسية المعاصرة” لو أن فلول الأحزاب الشيوعية التي ما زالت قائمة لم تنسَ ماركس ولينين وتعقد مؤتمراتها العامة قلا يرد ذكر لماركس أو لينين في بياناتها التي لا تحفل بغير الديموقراطية والعدالة الإجتماعية نقلا عن إدوارد بيرنشتاين (Eduard Bernstein) وهو التلميذ الذي سبق معلمه كاوتسكي في الردة عن الماركسية ، وهو لدهشة معلمه كاوتسكي استنكر نفسه أمام فردريك إنجلز .
بعض هذه الأحزاب كانت أمينة مع الذات وحذفت صفة الشيوعية من اسمها وباتت تُسمّى باسم الديموقراطية الاجتماعية اعترافاً يرائدها إدوارد بيرنشتاين وتدبج بياناتها تطالب بالديموقراطية والعدالة الاجتماعية . مثل هذه الأحزاب لا تتردد في الإعلان عن تخليها عن الماركسية بقراءتها اللينينية . نحن لا نكتب في الماركسية المعاصرة من أجل أن يراجع هؤلاء تخليهم عن الماركسية فهم ما كانوا ليتخلوا إلا من أجل منافع بورجوازية ينتفعون بها، بل نكتب – ولنقتبس لينين يقول في كتابه “الضريبة العينية” في العام 1921 ..
we must expose the error of those who fail to see the petty-bourgeois economic conditions and the petty-bourgeois element as the principal enemy of socialism in our country.
يقول لينين .. يجب فضح قصور أولئك الذين لم يدركوا الدور الاقتصادي الذي تقوم به البورجوازية الوضيعة وهي العدو الرئيسي للاشتراكية في بلادنا – ما أقوم به هو الاستجابة لما استوجبه لينين وهو فضح القصور في إدراك أخطار البورجوازية الوضيعة كونها العدو الرئيسي للاشتراكية .

القراءة الماركسية للتاريخ كما هو فيما بعد الحرب العالمية الثانية تقول أن الحرب الهمجية بقيادة النازية ربيبة المخابرات الأتجلو فرنسية ومعاهدة فرساي انتهت إلى القضاء المبرم على طبقتي الإنتاج الرئيسيتين في عالم النصف الأول من القرن العشرين، الرأسماليين في المعسكر الرأسمالي والعمال في المعسكر الاشتراكي ودفع الفلول من هاتين الطبقتين إلى خارج التاريخ فلا يعود لهما أي دور في صناعة التاريخ . قامت البورجوازية الوضيعة بقيادة الجيش ووراءه عصابة خروشتشوف في قيادة الحزب الشيوعي بالانقلاب على الاشتراكية وطرد المكتب السياسي من الحزب بفعل انقلاب عسكري في يونيو 57 وإلغاء دولة دكتاتورية البروليتاريا في العام 61 فكان إذاك القضاء المبرم على طبقة البروليتاريا السوفياتية . وفي العام 1975 أعلنت الدول الرأسمالية الخمس الكبرى تكافلها بضمان أسعار صرف عملاتها غن طريق المضاربة في أسواق المال بعد انكشاف عملاتها من الغطاء البضاعي وهو ما يعني بالضرورة أنها لم تعد رأسمالية وانهيار طبقة الرأسماليين تبعاً لذلك، حيث الرأسمالية تعني قصراً إنتاج البضاعة .

في منتصف القرن الثامن عشر ظهر التناقض “قوى إنتاج/علاقات إنتاج” أو “عمال/رأسماليون” هو التناقض الرئيسي في النظام الاجتماعي الرأسمالي وهو معامل التطور حتى النهاية وتقويض النظام الرأسمالي نفسه للانتقال إلى نظام اجتماعي مختلف . وبناءً عليه برز كارل ماركس ورفيقه فردريك إنجلز يهيبان بعمال العالم في بيانهما الشيوعي (Manifesto) 1848 “يا عمال العالم اتحدوا فلن تفقدوا إلا أغلالكم” بالانتقال إلى الحياة الشيوعية .

كان النظام الرأسمالي في أوج قوته في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في أوروبا الغربية مما مكنه من مقاومة حركة العمال والقضاء على كومونة باريس في العام 1871 . في الحرب العالمية الأولى التي استنزفت كامل قوى الدول الرأسمالية الإمبريالية تمكن البلاشفة الروس في أكتوبر 1917 من القيام بالثورة الاشتراكية التي كان قد استشرفها البيان الشيوعي، تلك الثورة التي أكد نجاحها قائدها التاريخي فلاديمير لينين، وأنها ستقوض النظام الرأسمالي العالمي وتنتقل بالعالم إلى الحياة الشيوعية . نجحت الثورة فعلاً في تقويض النظام الرأسمالي العالمي إلا أن عقبات كبرى طارئة اعترضت طريقها في عبور فترة الاشتراكية نحو الشيوعية . قوى الإمبريالية متواطئة مع ربيبتها قوى النازية والفاشية استطاعت من خلال الحرب الهمجية على الإتحاد السوفياتي من تحطيم قوى الاشتراكية فيه قبل أن يسحقها بعد أربع سنوات لم تمضِ أيامها بغير موت ودمار هائلين . كان الرايخ الهتلري الثالث سيستولي على العالم ويحل محل روما في استعباد العالم لألف عام كما كانت خمطته لولا أن الاتحاد السوفياتي استنفذ كامل قواه ىالإشتراكية الهائلة من أجل القضاء على النازية ؛ لو لم يكن الاتحاد السوفياتي اشتراكياً لاستولت ألمانيا النازية على العالم بقاراته الخمس .

الحرب الهتلرية أزاحت العمال والرأسماليين إلى خارج المسرح العالمي لتحل محلهما جماعات البورجوازية الوضيعة (Petty Bourgeoisie) غير المنتجة على الإطلاق وليس لها دور مرسوم في التاريخ، ويغيب معها التناقض الرئيسي معامل التطور في النظام الاجتماعي . نظام البورجوازية الوضيعة محكوم بالتآكل وليس من تعويض لمثل هذا التآكل المتعاظم سوى الاستدانة فيستدين العالم كل عام من العقود الأربعة الأخيرة حوالي أربع ترليونات من الدولارات . ففي الولايات المتحدة اليوم كل مواطن أميركي مدين بـ 64000 دولاراً حتى قبل أن تلده أمّه وعليه أن يسددها في المستقبل . على مثل هذا المسار تتحتم نهابة “نظام” البورجوازية الوضيعة في وقت وشيك .

فلول الأحزاب الشيوعية المفلسة تتجاهل إن لم تنكر خروج عجلة التاريخ عن مسارها التاريخي المعلوم حتى وإن اقتضاها الأمر إعتبار ثورة أكتوبر الاشتراكية ليست إلا مغامرة للينين جاءت في غير مكانها وغير زمانها مثلما اعتبرها بليخانوف . ينكرون مثل هذه التراجعات في النظام الدولي الماثل لكنهم مع ذلك ينادون اليوم بالديموقراطية البورجوازية وبالعدالة الاجتماعية وهي الشعارات الإصلاحية التي تنادي بها البورجوازية الوضيعة .
يطالبون بالديموقراطية البورجوازية بالرغم من غياب تام للبورجوازية في العالم العربي !! السواد الأعظم من شعوب البلدان العربية هو من البورجوازية الوضيعة المعادية جذراً لأول شروط الديموقراطية وهو الإنتاج، تستولي على كامل السلطة رغم أن نصيبها في الإنتاج يبقى دون الصفر .
أمّلت نفراً من فلول الأحزاب الشيوعية المفلسة أو أحداً من المرتدين عن الماركسية تحت راية اليساروية أن يناقش مسألة من المسائل الهامة الثلاث التي تطرحها الماركسية المعاصرة عبر مقالاتي الثلاث في الأسابيع الخوالي الأخيرة، لكنني لم أحظَ إلا بنفرين يشتمانني ويصفانني بعميل الإمبريالية الأمريكية !! – لا غرو فسبق أن وصف تروتسكي لينين كعميل للإمبريالية الجرمانية !! – وأولئك الذين اكتفوا بتقييم المقالات الثلاث بعشرات الأصفار .
طرحت أهم ثلاث مسائل تواجه العمل الشيوعي، بل تواجه المؤرخين الحقيقيين الذين يقرؤون التاريخ كما هو . المسائل الثلاث المطروحة هي حقائق كبرى مفصلية في تاريخ القرن العشرين وما بعد لكنها مع ذلك لم تلقَ الإهتمام المناسب حتى من قبل الذين ما زالوا يدّعون الشيوعية . طبعاً لا يمكن أن يُعزى ذلك لغير الفقر المدقع في الوعي الماركسي . الأحزاب الشيوعية في العالم العربي كرست كل قواها في معركة التحرر الوطني دون أدنى اهتمام بالوعي النظري للماركسية – وبالمناسبة أستذكر هنا الرفاق في معتقل الجفر الصحراوي يسخرون مني لاهتمامي بالنظرية الماركسية ويستملحون بمناداتي بالمنظّر !!
وأخيرا يجدر تذكير الشيوعيين المفلسين واليسارويين بأن التاريخ لا يحتاج لشهود عليه بل التاريخ هو نفسه الشاهد الملك على مختلف الآخرين .الحوار المتمدن

Previous post هل يتصدر “العدالة والتنمية” المغربي نتائج الانتخابات التشريعية القادمة؟
Next post العودةُ إلى غزةَ كما فلسطين حقٌ مقدسٌ فمرحباً بالعائدين
%d مدونون معجبون بهذه: