لماذا لا ينتج العرب أمثال لولا دي سيلفا؟

أحمد محسن

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_ما فعله لولا دي سيلفا خلال الأيام الماضية في البرازيل يعيد التذكير بدروس أساسية في عالم السياسة، دروس طالما تغافلنا عنها. من البداية، عليّ الاعتراف أني أحد محبي “لولا” منذ أكثر من 20 عاماً. تحديداً منذ أن رأيت دموعه يوم تم انتخابه رئيساً للبرازيل في بدايات الألفية الجديدة وهو يعد الشعب البرازيلي أنه سيعمل على توفر  الطعام والعلاج والملبس لهم. تابعت صعوده إلى السلطة، ثم خروجه منها بعد فترتين رئاسيتين لأنه لم يرِد الترشح للمرة الثالثة رغم أن استطلاعات الرأي كانت تعطيه تأييد أكثر من 80% من الشعب البرازيلي. ثم تابعت وقائع اتهامه في قضايا فساد اتهمته بالحصول على شقة في عمارة سكنية شعبية كرشوة! وهي الاتهامات التي منعته من الترشح في الانتخابات الرئاسية السابقة، وزجت به إلى السجن.

الآن أتابع عودته إلى الساحة السياسية بقوة وكأنه يستعد للترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة في البرازيل عام 2022 وهو في السبعينات من عمره. هذه التجرية تعيد تذكيرنا بدرس أساسي نفتقده في الوطن العربي متعلق بكيف يصنع الساسة. 

العالم العربي في حاجة إلى سياسيين كما هي حاجته إلى باحثين في العلوم السياسية، بل ربما أكثر. لكن السياسيون لا تتم صناعتهم في قاعات الدروس الأكاديمية، ولا من خلال المناقشات السياسية الساخنة. اشتراكك في حوارات على تطبيق كلوب هاوس، أو حصولك على ماجستير في العلوم السياسية لا يعني أنك ستكون سياسياً، فضلاً عن أن تكون سياسياً ناجحاً. طريق السياسي يبدأ من الشوارع والأزقة، وفي المصانع والشركات، أو بين الحقول والمزارع. كما أنه يمر من خلال تحالفات وشراكات مع الشركاء السياسيين قبل المؤيدين والداعمين. وفي هذا الطريق فإن الفوز في المعارك السياسية، والاستحقاقات الانتخابية، وتطبيق سياسات نافعة وعادلة  تكون الوسيلة التى من خلالها تتربع على قلوب المواطنين كي يوصلوك إلى كرسي الحكم. قد يكون القابعون حالياً على كراسي الحكم في بعض بلدان العالم العربي  قادمين على ظهر الدبابات. هذا هو الطريق الذي جاء بهم. أما الطريق الذي يمكن أن يزيحهم لصالح نظام أفضل فهو الطريق الذي ذكرناه.. طريق السياسة والذي يتفرع منه طريقان فرعيان: دعم السلاح أو دعم الناس، فهل هناك طريق ثالث؟ 

ننسى كثيراً في العالم العربي طريق السياسة هذا، ونبحث بدلاً من ذلك عن السياسة من خلال النقاشات الفكرية في الصالونات المغلقة، أو من خلال حوارات الأصدقاء على المقاهي أو على شبكات التواصل الاجتماعي، أو بمحاولة التملق والوصول إلى مسؤول كبير يمكن التأثير عليه وعلى قراراته. وهذه كلها أمور سياسية، لكنها لا تصنع سياسياً يحرك المواطنين ويقودهم. 

قصة لولا دي سيلفا

الدليل على هذا يمكن أن تجده في قصة لولا دا سيلفا والتي مفتاحها  القدرة على الحصول على دعم المواطنين وتحريكهم من أجل إجراء إصلاحات عادلة وسياسات رشيدة تغير من موازين القوى القديمة لصالح موازين وتحالفات جديدة أكثر عدالة وأكثر حرية. لولا جاء من خلفية يسارية في ظل واقع كانت نخبته الرئيسية يمينية. بدأ حياته كمدني يناضل ضد الحكم العسكري.

وكعامل فقير لم يحصل على فرصة التعليم الجامعي، ويكافح من أجل حياة ومعيشة أفضل.

لكن منذ البداية، كان الارتباط بالمواطنين والسعي لتحريكهم من أجل تعديل الأوضاع والسياسات القائمة الطريق الذي سلكه من أجل تحقيق أهدافه. الانضمام لحزب العمال والعمل من خلاله سيكون وسيلة لممارسة السياسة وليس الحديث عنها. أما الدخول في الانتخابات وخسارتها فستكون التجربة الطريق التي سيتعلم منها حتى يصل بعد ذلك للفوز بها والوصول إلى كرسي الحكم. 

لولا دا سيلفا ليس المثال الوحيد في هذا الطريق. بدايات أردوغان في تركيا تشبه كثيراً بدايات لولا في البرازيل. الخلفية المختلفة عن التيار السياسي الرئيسي، والعمل من خلال الأحزاب، والقدرة على تحريك الجماهير، وطرح سياسات بديلة أكثر عدالة وأكثر رشداً.

لماذا لا ينتج العرب أمثال لولا وأردوغان؟ 

إذا أردنا أن نذكر سبباً واحداً فقط مع عدم التقليل من باقي الأسباب، فهو أنه إما أنه ليس لدينا نظام سياسي به انتخابات حقيقية، أو أنه ليس لدينا أحزاب حقيقية. قد تتمتع بعض الدول بروتين تنظيم الانتخابات، لكننا نعرف أن “جوهرها” هو العمل على  تجنيد نخب سياسية جديدة لدعم نظام سلطوي حاكم وليس من أجل تغييره.  أما إذا كانت هناك انتخابات بها صفات النزاهة فإنها  تتم من خلال تنافس بين أحزاب ضعيفة وغير متماسكة (كما هو الحال في تونس). والخلاصة أنه في العالم العربي، وعلى مدى عقود متتالية،  غاب المسار السياسي الرئيسي الذي من خلاله يتم إنتاج السياسيين. 

ما ذكرته سابقاً لا يعني أن السياسة هي الانتخابات فحسب. أظن أنه أصبح لدينا الآن من الخبرات والمعارف بعد الربيع العربي لنعرف جيداً أن الانتخابات هي جزء صغير من عالم السياسة. وأن الانتخابات هي آلية رئيسية ضمن آليات أخرى متعددة، داخل مساحات أوسع وأشمل. لكن إذا غابت تلك الآلية، فإن مسارات كثيرة ومهمة تغلق في العالم السياسة.. لكن ليست هذه فقط كل المشكلة.

المشكلة الأكبر أن تلك الآلية التي ندير من خلالها الشأن العام بشكل “ديمقراطي” لم تغب فقط في المجال السياسي، بل تراجعت أيضاً داخل المؤسسات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني التي من المفترض ألا يكون لديها معوقات في تبني الآليات الديمقراطية.

الديمقراطية لا تقتصر فقط على الدولة بل يجب أن تشمل مؤسسات المجتمع أيضاً. وبدلاً من أن تتم إدارة المنظمات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني من خلال آليات تتيح المزيد من المشاركة، والمحاسبة، والتنوع داخل المؤسسة، فإن السائد أن تتم إدارة هذه المؤسسات من خلال المحسوبية، والفردانية، أو “التربيطات” الضيقة. وبدل من أن تكون تلك المؤسسات حواضن بديلة لإنتاج أفراد تمرسوا على التعامل مع الناس واتخاذ القرارات والمفاضلة بينها والقيام بتنفيذ مشاريع متنوعة، فإنها تنتج أفراداً يجيدون الوصول من خلال التزلف إلى المدير، وتهتم بالممول أكثر من اهتمامها بمن تقدم له الخدمة، وتبحث عن مصالحها الشخصية قبل أن تبحث عن المصالح العامة. 

هذه هي المشكلة إذاً: غاب المسار الرئيسي لإنتاج السياسيين فاختفوا تقريباً من العالم العربي. فكيف نعيد السياسيين إلى بلداننا إذاً؟

نفعل ذلك بأن نستعيد ذلك الطريق سواء في عالم السياسة أو في نطاق المجتمع. فإذا أغلقت الطرق في عالم السياسة يجب أن نعمل على فتحها. أما إذا كنت لا تريد أن تقترب من السياسة لأن الاقتراب منها لا يأتي من ورائه إلا الشر في عالمنا العربي، فلن ألوم عليك.

لكن المزيد من المشاركة، التنوع، المزيد من الضمانات لإيجاد آليات تستجيب لمطالب المواطنين، وتعمل على تحريكهم في اتجاه إجراءات وسياسات أكثر عدلاً من خلال مؤسسات المجتمع المدني أو المنظمات الأهلية يمكن أن يكون مساراً بديلاً للانغماس في عالم السياسة، إلى أن نعيد العمل في المسار الأصلي. طريق السياسة يبدأ من الناس وبالناس. 

عربي بوست

Previous post صناعة القرار الأوروبي و الأمريكي و آليات التأثير ـ “اللوبيات”
Next post التجسس ..الثورة التكنولوجيا
%d مدونون معجبون بهذه: