سيدى رمضان

زاوية هنا وطنى
زاوية اسبوعية تطل عليكم منها الإعلامية غادة أسعد الطبيب
سيدى رمضان

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_عندما تغمرك رائحة مميزة ليس لها نظير وعندما تمتلأ روحك بصوت الشيخ الدوكالى العالم فهناك تفسير واحد لا سواه

إنه سيدى رمضان أو شهر رمضان ، زينة الشهور ومحبوب الليبيين ،الشهر الذي يحمل حقيبة طقوسه وعاداته معه ويفتحها في كل عام وإن اختلف التوقيت ، يبسط مفاجآته ويبهرنا دائما بتلك الروحانيات التى تجعل فؤادك يذوب وروحك ترقص فرحا وحواسك تصلى خشوعا .
إن سبق و كنت في ليبيا خلال شهر رمضان أو قبله فستفهم حتما ما الذي اتحدث عنه ،أما إن لم تكن فعليك أن تزورها وتعايش تلك الطقوس التى تبدأ قبل رمضان بشهر على الأقل حيث اعتادت الجدات القول ( شهر رمضان يفوح ) أو فاحت صنة رمضان .
تبدأ الطقوس بشراء النعناع وغسله وتجفيفه أو تيبيسه على بخشة أو مفرش نظيف ، ستغزو الرائحة البيت ،ستغتالك وتستولى عليك وستدرك أن رمضان على الابواب وستتأكد عندما ترى والدتك تجفف الخبز ايضا ، تقصه بالسكين لشرائح رفيعه وتفرشه كملاءة بيضاء مزينة بالبنى على سفرة ليمونى تخرجها للشمس لتتيبس تحت شمس الظهيرة الحارة في تقليد تتوارثه الأمهات من الجدات كسر غير محكى يحمل في طياته النكهة المميزة لأكلات رمضان مثل المبطن والكفتة وطاجين الجبن ،ستتحول قطع الخبز إلى خبز مرحى أو خبزة مرحية كما تسمى هنا وسيتحول النعناع اليابس إلى مسحوق أخضر غامق يرش على الشربة العربية الرفيق الوفى لشهر رمضان بلحمها وحمصها ورائحتها المميزة التى ستخطف حواسك وحتما ستسأل لماذا الرائحة بهذا الجمال وهذا التميز ؟

أما رحلة التسوق لشراء مستلزمات الشهر فهى طقس تحرص الليبيات على القيام به مهما كانت ظروفهن ومهما اختلفت لأن الغاية هى الرحلة في حد ذاتها ، تلك السعادة التى تغمر الروح وموسيقى المالوف المنبعثة من مكبرات الصوت في الاسواق وكأنها تخبرك بطريقتها أن خير الشهور قادم .
البضائع المكدسة والتوابل زاهية الألوان حيث بنى القرفة وابيض جوز الهند واسود حبة البركة او الكمون واخضر الزيتون واصفر الزبد والسمن ،حيث رائحة الشامية كما يطلق هنا على الحلوى الشامية تداعب حليمات التذوق وحيث حبيبات الأرز بلونها المائل للسكري تغازل مسحوق البسيسة وجواهر التمر التى لا تحلو سفرة الافطار إلا بوجودها .

.
لن تخلو سلة تسوق من زجاجة عصير الرمان او عصير اللوز أو بضع جرامات من الفستق والجوز والكثير من الزبيب للمحلبية أو المهلبية التى كانت تصنع من مسحوق الأرز قبل ان تغزو الاكياس الصغيرة الجاهزة مطابخ الليبيات .
ذاك زمن قد يؤلمك الحديث عنه حينما كانت جدتك تقضى ساعات في تنقية الأرز ليحمله جدك في كيس كبير إلى المطحنة الواقعة في منطقة الهانى لصق الجامع العتيق حيث امتزاج الروائح يداوى كسيري الارواح وحيث يتحول الأرز الى دقيق مخصص لصنع المحلبية خصيصا لليالي رمضان بعد أن تكون القناة التلفزيونية الوحيدة قد منحتك كل برامجها التى تبدأ بصوت مميز قد حفظته عن ظهر قلب وهو يقول ( انطلق الآن مدفع الافطار حسب التوقيت المحلى لمدينة طرابلس وضواحيها ….)
سيبدأ سيل ذكرياتك بالتدفق الآن ولن يتوقف فحتما ستعود لذاكرتك رسوم الزواوي التى تحاول تقويم ما اعوج من سلوكيات وستسمع اذناك تلك الموسيقى المميزة بينما ريشة الزواوي تتحدث !


أ لازلت تتذكر منوعات رمضان التى على بساطتها كانت تذهلك وتبهرك .. كلمة ونص ، حنان وحنة ، الخال اسماعيل ،قالوها ، اللمة والشاهى واللوز .
اكاد اسمعك تدندن ( اللمة والشاهى واللوز اللوز اللوز كسرلي حارة وزوز )
ماذا إن غصنا عميقا ونبشنا ردم (( قال صاحب العقل )) حيث أحمد النويري بجرده وحديثه الحلو الذي لايمل أو ربما اذكرك بالراحل على فهمى خشيم وهو يتوسط مكتبته ويمتعك في كل ليلة طيلة ثلاثين ليلة بروائع اللهجة الليبية واسرار كلماتها.
ستقودك ذاكرتك بكل تأكيد إلى (( موش امس موش اليوم نحن رفاقه عمر ،اللى بينا معلوم كل احترام وقدر )) ستلمح جدتك تحرك حبات مسبحتها وتغنى رفاقة عمر وتستمع لصوت الراوى المميز وهو يتلو النص الذي ظل (( عمر رمضان )) يبدعه كل عام لمدة ثلاثين عام دون أن يصيبنا الملل .
أما إن كنت مصابا بداء القراءة فستعود بك الذاكرة لبرنامج الدكتور امليطان الذي يتحدث فيه كل ليلة عن كتاب بصوته الرصين المميز.
هل دمعت عيناك ؟
إن هذا غيض من فيض الذاكرة الجمعية لملايين الليبيين ، هؤلاء وغيرهم كانوا جزءا من شهر الصيام وبعضهم لازال وإن كان الزمان غير الزمان والناس غير الناس !
هل افتح صفحة اخرى واعنونها باسم (( الستالايت )) ذاك الصحن الدائري الذي كنا نطلق عليه في بداية التسعينات القصعة ، ذاك الذي دخل حياة الليبين وامسى جزءا من ذاكرتهم الرمضانية عندما تحول التلفزيون إلى صندوق للفرجة وللعجائب القادمة من ارض الكنانة.
إن كنت في الأربعين من عمرك اليوم أو ربما اكبر فستتذكر الف ليلة وليلة بصوت الراحلة زوزو نبيل وستذكر ايضا انبهارك بتلك الاستعراضات التى كان يؤديها الراقصون في الف ليلة وليلة عندما كان الفتى الاشقر حسين فهمى بطلا لها ونجلاء فتحى بطلة امامه ، هل تذكر ذاك المشهد المبهر له بمقاييس ذاك الزمان عندما حلق فوق البساط الطائر وهو يبحث عن عروسة البحور !
أنت تذكر بالتأكيد نيللى وشريهان (( شهر يسلم ، شهر يعلم شهر لما وصلنا لأجمل شهر )) أو (( اللعبة أو الخاطبة ))
اما فطوطة بصوته وبدلته الخضراء وربطة عنقه الضخمة فذاك بهجة الظهيرة والمساء.
برغم اختلاف اللهجة ورغم بعد المسافة إلا أن الانتاج التلفزيونى المصري كان ولازال جزءا من رمضان الليبين كيف لا وقد حرص التلفزيون الليبي على اذاعة مسلسل (( ساعة ولد الهدى )) بالتزامن مع توقيت عرضه على التلفزيون المصري أو الفضائية المصرية بل كان الثيمة المميزة لظهيرة رمضان بعد برنامج دنيا الأطفال للرائعة نورية هويدى .


ستبتسم ملء شدقيك وانت تتذكر (( دنيا الاطفال دنيا حلوة حبيناها… )) حينما كانت الطفولة بريئة حقا وكانت البرامج هادفة وبعيدة عن هراء اليوم .
هل تذكر كم مرة تهربت من مشوار الدكان لتشاهد دنيا الأطفال أو لتشاهد اهدنا الصراط المستقيم أو العم بسيونى كما كنا نطلق عليه ، مسلسل ندين له بالفضل ما حيينا فبفضله استزدنا معرفة بلغتنا العربية وديننا وبفضله كانت لنا ذاكرة نقية طاهرة
(( اتم الله الفضل علينا بنور العلم وحسن الخلق ثم هدانا بهدى نبينا بتقوى الله ودين الحق )) الآن دمعت عيناك ؟

يتبع الأسبوع القادم

مصطلحات

صنة أى رائحة
فاحت أى انتشر عبقها
تيبيس أى تجفيف
بخشة بضم الباء وتسكين الخاء وهى المفرش الذي يوضع على الارض او الطاولة للأكل عليه
البسيسة اكلة شعبية ليبية تصنع من مزيج من الحبوب والتوابل التى تتحول لدقيق يبس بالزيت او الماء
كسرلي أى اكسر لي
اللمة منوعة رمضانية من بطولة الفنانين خدوجة صبري وسعد الجازوى وفتحى كحلول
قالوها منوعة رمضانية قدمت في فترة متأخرة عن منوعة اللمة وهى من بطولة الفنانين خالد كافو وعبد الباسط بوقندة وحاتم الكور
موش امس موش اليوم …الخ . بمعنى ليس أمس وليس اليوم نحن رفاق عمر أو رفقة طوال العمر وهو منوعة غنائية عن البادية الليبية وقد اشترك فيها نخبة من الاصوات الليبية والعربية مثل الراحلة ذكرى محمد

غادة الطبيب

Previous post إعادة هيكلة حكومة الإمارات وتنشيط المبادلات التجارية
Next post حكايا المدار الفنية ((صباح فخري قامة لن تتكرر))
%d مدونون معجبون بهذه: