نوارس ليبية مع الشاعر الليبيي “الدكتور عمر عبد الدائم”

زاوية نوارس ليبية …اعداد وحوار الاعلامية غادة الطبيب (طرابلس ليبيا)
شاعر يكتب بمداد الروح ، تلهمه الصحراء والطبيعة الساكنة وتمده بحبر من ابداع ، يكتب الشعر وكأنه ينسج ازارا سيلف به جسد القصيدة ، مغرم بالتفاصيل الصغيرة ،يكتبها بفرح وبحب ويذوب شوقا لأيام يدرك أنها لن تعود إلا على متن كلماته ..
إنه الشاعر الليبي الدكتور عمر عبد الدائم ،من مواليد مدينة سبها عام 1964 ،حاصل على الماجستير في الهندسة العسكرية ،ومتحصل على درجة الماجستير في القانون الجنائي من جامعة طرابلس .
له عدة دواوين وقد نشرت اعماله في عدد من المجلات العربية والعالمية وترجم ديوانه قبضة من حلم إلى الفرنسية ،له عدة دواوين مثل يسكننى وقبضة حلم وبذار الروح .
شارك في العديد من المهرجانات الشعرية وهو ضيفنا اليوم في زاوية نوارس ليبية

الشاعر الدكتور عمرعبد الدائم

  بداية ، هل تشكل الشاعر عمر عبد الدائم من جينات شاعر آخر ؟

إذا أخذنا قول “هودبين” الذي يرفض كلّ تصوّر وحداني للنصّ كإبداعٍ ل(أنا وحيد)، دلالة على الموهبة والعبقرية، فإنّ النصّ لايمكن إلا أن يكون التقاءً لخطابين على الأقل ، وفي رأيي أنّ كل شاعر يرتبط بعلاقة ما (ظاهرة أو سرية) مع نصوص شاعر / شعراء آخرين.
لا مندوحة للشاعر من أن يتأثر – لا سيما في بداياته – بمن سبقوه ممن قرأ لهم، وتبقى المسألة في مدى نجاح الشاعر في إحداث نقرةٍ جديدة بريشته الخاصة في لوحة الابداع الانساني..
وفي هذا السياق لستُ استثناءً حيث تأثرتُ بكل ما قرأت من نصوص شعرية من الشعر العربي القديم والحديث وكذلك الشعر المترجم.

  هل اثقلت البيئة التى نشأت فيها  شعرك أم اغنته ؟

بيئة كل شاعر هي معينه الذي يستقي منه قصائده ، بغض النظر عمّا كانت عليه تلك البيئة ، فسواء كانت بيئة طاردة أو جاذبة ، مرفهة أو متعبة ، وسواء قضى حياته في القصر أو في السجن .. حتماً ستلقي البيئة ظلالها على القصيدة..
فيما يخصني أثْرت البيئة التي عشت فيها تجربتي وأثّرت فيها في نفس الوقت..
ففيما يخص التأثير السلبي أذكر “البيئة المعنوية” حيث قضيت أكثر من خمسٍ وثلاثين سنة في العسكرية ولم يكن مسموحاً في تلك الأثناء لي أن أنشر قصائدي وبالتالي فقدَتْ تجربتي عاملاً مهما ألا وهو التواصل والنقد..
ولكنّ البيئة نفسها اثرَت تجربتي من حيث تنوعها بين العمل (العسكري والمدني ، ومن حيث دراسة العلوم التطبيقية متمثلة في الهندسة العسكرية ودراسة العلوم الانسانية متمثلة في القانون ، وكذلك تنوع البيئة الجغرافية التي عشت فيها؛ الصحراء (سبها) وأوروبا (يوغسلافيا) ثم الاستقرار في طرابلس، كل هذه الأماكن لا شكّ انها كانت تُثري تجربتي حتى دون أن ادري.

  ماهى الطريقة المثلى لوصف المشهد الشعري في ليبيا اليوم ؟

لعلّ ما نشهده من وجوه شبابية من الجنسين في مجال الشعر ، وما نقرأه من نصوص حديثة لهم يجعلنا نقول بكل ثقة أنّ “فتحاً” مهماً بدأ في المشهد الشعري الليبي خلال هذه السنوات، برغم اكتظاظها بالآلام.
ففي شتى ضروب الشعر والوانه يخوض شعراء اليوم معاركهم ، منهم من اتجه للقصيدة العمودية “بشكلها الجديد” فأحسن وأجاد ، ومنهم من اختار قصيدة النثر ليُعبّر بها و يَعبُر من خلالها فأجاد وأحسن أيضاً..
شباب اليوم متحمسون لقصائدهم ومنطلقون بها، الأمر الذي يثلج الصدر ويُنبىء بردم الهوّة التي ظلت تحجب الشاعر الليبي عن غيره من الشعراء لعقودٍ طويلة.

يقال ان القصيدة الأولى مثل الطفل الأول  فكيف تصف اول ابنائك ؟

دائماً أقول انه من الصعب على الإنسان أن يتذكر متى بالضبط تعلم المشي أو ماهي أول الكلمات التي نطق بها، لذلك فإن تعبير “القصيدة الأولى” أجده مشوشاً لعدم معرفة تحديداً ماهي القصيدة الأولى ..
لكن يمكنني استعمال ضابطيّ الإلقاء والنشر فأقول إنّ أول قصيدة ألقيها في مهرجان شعري وتنشر لي في صحيفة كانت قصيدة (صديق الليل) حيث ألقيتها في مهرجان شعري بمدرج جامعة سبها ونُشرت في صحيفة الشمس بداية عام 1993م. وبهذه القصيدة صرت أؤرخ لبدايتي الشعرية الفعلية. لأنها نالت استحسان وإطراء اساتذة في مجال الأدب والنقد من بينهم
د. رامز الحوراني/ لبنان
د. شلتاغ عبود شراد/ العراق
د.عبدالجليل التميمي/ العراق
الشاعر الدكتور محمد الطريحي/العراق.. وغيرهم من الأساتذة من السودان ومصر وسوريا ممن لاتحضرني أسماؤهم للاسف.

المرأة في شعر عمر عبد الدائم هل تمثل الالهام أم الغواية ؟

الإلهام .. قولاً واحداً ، وهذا ليس بالنسبة لي فقط إنما لكل شاعر ينحاز لقيم الجمال المطلقة كالسلام والعدالة والحرية والحب ..
المرأة قصيدة .. فالقصيدة أنثى ، إنها لحظة دهشة، أو لعلها تفاحة غير آثمة يوسوس لنا بقطفها جنون لذيذ.
إنّ الشاعر الذي الذي لا يرى في المرأة كون بأسره لا أشكّ في أنه يعاني ضعفاً في بصيرته الشاعرية، فكيف يعمى عن المرأة الأم، الأخت ، الحبيبة، الزوجة، الإبنة، ناهيك عن الصديقة والزميلة.
ولكن ينبغي أن نرى في المرأة شخصيتها وفكرها و دورها الإيجابي الكبير في المجتمع وليس من خلال نظرة دونية تقتصر على مجرد توصيفات قشريّة تُظهر المرأة كسلعة في مزاد تارة وتصفها بالنقصان الدائم تارة أخرى.

ماذا سرقت منك الحياة العسكرية وماذا اهدتك ؟

سبق وذكرت أنّ التنوع في البيئة المعرفية يثري التجربة الانسانية بشكل عام، ولعل هذا ينطبق   بعض الشيء على ماصبغَتْ به الحياة العسكرية شخصيتي من التزام (مفرط أحيانا) ، ويبقى أكثر ما قاسيته منها هو تأخري في مواكبة النشر وطرح نصوصي للنقد الأكاديميّ ، هذا الأمر الذي لم يُتح لقصائدي إلا بعد أكثر من ربع قرن من بداية تجربتي الشعرية الحقيقية.

عندما تجافيك ربات الالهام كيف تسترضيها ؟

لا سبيل لذلك، أبداً، فالفكرة إذا لم تُدوّن قد لا تعود مطلقاً وإن عادت ربما فقدت كثيراً من جمالها السابق.
في أحيان كثيرة تستعصي القصيدة على الشاعر و تتأبّى،  وإذا ما حاول الشاعر توليدها قسراً ربما جاءت النتيجة عكسية فيتشوه الجنين ، أو يخرج مسخاً..
قد يحرك موقفٌ ما أو منظرٌ بعينه أو حالة يمر بها الشاعر شجونه دون سابق انذار فإذا بالقصيدة (كلها أو جلها) بين يديه.. كما قد يعصر الشاعر قلبه وفكره ليالي وأياماً عدة دون الفوز بهذه اللحظة .. لذلك أنصح من تأتيه حالة الإعياء أن يتجه للقراءة فهي السبيل لاستجلاب غيم القصيد واستحلابه.

هل تصف شعرك بالحداثوى ؟ أم تعتقد أنه خارج التصنيف ؟

لا لستُ حداثوياً، شِعري أقرب للكلاسيكية منه للحداثة، قد يستغرب البعض كيف أقول هذا في زمن يحب فيه الجميع أن يدّعوا انتماءهم للحداثة، لكنها الحقيقة. بل لا أرى في كثير من شعراء اليوم شعراء حداثة عدا قلة قليلة من الشعراء الشباب المنطلقين بالفعل في مجاهيل لا أعرف (ولا يعرفون هم أنفسهم) إلى أين ستوصلهم، هؤلاء ومن هم مثلهم بالفعل هم شعراء الحداثة وما بعدها في كل زمن.

الشعر العامى من وجهة نظرك ،هل سرق الاضواء من القصيدة الفصحى ؟

لالا .. الميدان فسيح ويتسع للجميع، لشعراء القصيد الفصيح والشعبي والمحكي ، للقصيدة العمودية والتفعلية والنثر، للشعر المترجم ولقصيدة النثر.
كل شاعر يكتب اللون الذي يجد فيه نفسه، ويعرض “بضاعته” والمتلقي كفيل بأن يقول كلمته. لماذا نضيّق ما اتسع من أفق؟!.

  أين تجد عمر الشاعر في الفصحى او العامية ؟

في الغالب القصيدة تختار نفسها، ليس لي سلطة على القصيدة في اختيارها الفستان الذي تلبسه.
لذلك أجد نفسي في كل ضروب الشعر التي كتبتُ وإن كان يغلب على قصائدي الشعر الفصيح فإن مردّ ذلك ربما يعود “للمحدوديةالعددية” للمتلقي، فبينما قد لا تجد من يقرأ القصيدة العامية بصورة صحيحة حتى في بلادك نفسها، فإنه مقابل ذلك ستجد قراء لك في دول عديدة ناهيك عن دولتك حين تكتب بالفصحى.

مابين الهندسة العسكرية والقانون الجنائي هل توارى الشاعر بخجل خلفهما ؟

كلتا الشخصيتين (العسكرية والقانونية) لم تصلا لما يرضيني منهما، وهذا على عكس شخصية الشاعر التي منحتني ثقة أكثر في نفسي من جهة وفي الناس من جهة أخرى، فوجدت نفسي بهذه الشخصية (شخصية الشاعر) أكثر تعبيرا عن ذاتي منها للشخصيتين السابقتين. وبذلك فإنّ بروز الشاعر غطى كلاً من العكسري والقانوني، ولا أنكر أنني سعيدٌ بهذا.

كيف تقيم التجربة الشعرية الليبية  من وجهة نظر قارئ؟!

لا أدّعي أن لي حق “تقييم: التجربة الشعرية في ليبيا، فالتجربة الشعرية الليبية طويلة وممتدة منذ عقود .. أما إذا كان القصد من السؤال هو نظرتي للمشهد الشعري الحالي في البلاد فإنني أقول،كما سبق وذكرت في سؤال سابق، إن المشهد الشعري الليبي الحالي سجّل ظهور شباب (من الجنسين) يتناولون شتى ضروب الشعر و يبدعون فيها أيما ابداع.

يلاحظ انحيازك للقافية في قصائدك فهل وقعت في اسرها أم سحرت بها ؟

مذ تفتحت أذهاننا على كلمة “شعر” وجدناها مرتبطة بالموسيقى ، موسيقى اللفظ وموسيقى القافية. ربما لأنّ الذائقة الجمعية عندنا هي ذائقة سمعية بامتياز. لذلك مازلنا نجد المُتلقي (المستمع تحديداً لا القارىء) نجده في الغالب “ينسجم” مع القصيدة ذات الموسيقى العالية أكثر مما يفعل مع قصيدة النثر على سبيل المثال مهما كانت هذه الأخيرة مليئة بالأخيلة ومكتظة بالجمال..
على أنني شخصياً كتبتُ القصيدة المقفاة وقصيدة التفعلية وقصيدة النثر ، وإن كنتُ في حضور الجمهور أفضل أن ألقي اللونين الأولين دون الثالث للسبب الذي ذكرت آنفاً.

  لديك قصيدة بعنوان سنعبر تقول فيها سنعبر إلى ضفة المستحيل .فهل عبرت إلى الضفة المستحيلة ؟

كشاعر لا .. لم أعبر بعد ، ولا أظنني سأفعل، عبور الضفة يعني الوصول، وإذا أحسّ الشاعر أنه وصل فقد انتهى!! الشاعر في رحلة دائمة لمطاردة قصيدته المنشودة ، وهي في كل مرة توهمه أنه أمسك بها حتى إذا ما كتبها وجدها ليست هي..
الوصول مقبرة .. ويبقى الشغف ، كل الشغف ، في الماقبل.

لو طلبت منك كتابة كلمة تختصر مشوارك الطويل فماذا ستكون ؟

سراب .

ماهو الموقف الذي اردت كتابة قصيدة عنه ولكن قلمك  وربما كلماتك  لم يطاوعانك ؟

كثيرة هي المواقف التي تخذلني فيها القصيدة فلا تأتي، كما أنني حين أقرأ قصيدةً لشاعر آخر تناول نفس الموقف أو موقفاً مشابها فأجده أجاد فيه ، لحظتها أصرف النظر عن التفكير في الموضوع كمشروع قصيدة واكتفي بالاستمتاع بقصيدة الشاعر المجيد.
في بعض الأحيان نجد المتعة في القراءة أكثر منها في الكتابة. كما أنّ الشاعر لا يكتب بقرار منه فالقصيدة التي لا تُكتب في اللاوعي لا يُعوّل عليها.

ما الذي يفجر شهوة الكتابة لديك ؟

كل شيء، كل شيء في هذا العالم قابل لأن يكون لحظة دهشة، وهو رهين بالتالي أن يُوَلّد القصيدة. الشاعر طفل يكتشف عالمه لأول مرة. فيشكله كما يحب ويرسمه ويلونه بألوانه

يقال ان الشعراء اطفال الابدية فأين يختبأ الطفل في داخلك ؟

في كل زوايا روحي يكمن ذلك الطفل، أحياناً أجده فَرِحاً مَرِحاً بمُفردَةٍ يراها مشحونة بما يكفي أن تكون سيدة كلمات القصيدة.. هنا يصفق كثيراً ذلك الطفل، يصفق لنفسه متوهماً أن الدنيا بأسرها تصفق له..
وأحياناً أجده يصرخُ في وجه من يقتلون العصافير لأنه لا يرى في نفسه سوى مشروع عصفور سيقتله نفس الأوغاد.
وفي أحايين أخرى أراه يحاول اصطياد نجمةٍ أو يسابق فراشةً أو يتحدث مع غيمة..
هذا الطفل المشاكس في داخلي لا يريد أن يكبر أبداً.
 
الشعراء ملوك الرؤى والطقوس كما وصفهم سعد جاسم فما هى طقوسك اليومية التى لا تتخلى عنها ؟

ليس لي طقوس، وأستغرب في من يقولون بطقوس الشعر، الشعر فيض بحالة شعورية ليس إلا.
هو فكرة لا ندري متى تداهمنا كي نهيأ لها أنفسنا بطقوس محددة.. تُباغتنا هذه اللحظة في أي وقت وفي أي مكان، حتى أننا في كثير من الأحيان لانستطيع القبض عليها واستبقاءها فتطير بعيداً تاركة إيانا نشرب كؤوس الحسرة.

بين العبقرية والجنون خيط رفيع فكيف يتأرجح عمر بينهما ؟

وهل الشعر غير ذلك الجنون الجميل؟! الإنسانُ ليس سِوى زمنٍ مابين لحظةِ مِيلادٍ و مَوت.
و وحدهم الشعراء العُشّاق والمجانين يقولون إنّ ثمّةَ كلمات تستطيعُ إيقاف الزمن
فالحياةُ عقلٌ زَمَنِيّ.
الجنونُ حياةٌ بِلا زمن والعقلُ زمنٌ بِلا حياة. الجنونُ حُريّةٌ خارج الزمن أما العقلُ فهو قَيدٌ داخل الزمن.
الأفكارُ .. سماء
والكلماتُ .. سحاب
والأجسادُ .. تُراب
لطالما سألتُ نفسي ؛ ترى بأي ذنبٍ قُتلت تلك الفِكرةُ المَوْؤُودَةُ؟!

Previous post أول رئيسة للحكومة في تاريخ هولندا
Next post ميسي والخيارات القادمة
%d مدونون معجبون بهذه: