الاحتكار والمنافسة كمفهوم اقتصادي سياسي

حسين موسى البناء

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_المنافسة -كمفهوم اقتصادي للأعمال- تؤدي لإطلاق أقصى طاقات التحسين المستمر سعيًا لتحقيق ميزة تنافسية على الآخرين في السوق، وهذا يخلق ضغطًا كبيرًا على الكلفة والابتكار والخلّاقية وإرضاء الزبائن وأصحاب المصالح، الأمر الذي يُكسِب الشركات مناعة صلبة ضد المنافسة السوقية القائمة أو المستجدة، ومتغيرات البيئة الاقتصادية بما يتعلق بالسعر والجودة ومستوى خدمة الزبائن، ويمنحها قدرة عالية على الاستجابة والتطوير والبقاء حتى في أعتى البيئات عدائية.
عندها يرتبط مفهوم النجاح والنمو والبقاء بالقدرة على التكيف والمرونة والاستجابة، فيكون البقاء للأفضل بِحُكم الانتقاء الطبيعي في السوق الحر المفتوح والتنافسي.
أما الاحتكار -بدرجاته المتباينة مابين احتكار مطلق أو احتكار القلة- فإنه ينزع دواعي التحسين؛ حيث لا بديل أمام الزبائن غير القبول بالسلعة المتاحة، فتُفقد مبررات التحسين، ويزداد الهدر للموارد، وتتراجع الكفاءة الاقتصادية، ولا يكون هنالك حديث عن الميزة التنافسية، فيتصاعد منسوب الرضى الزائف عن الذات، فيحدث الفشل التام في لحظة الحقيقة، عندما يتقدم ريادي مستجد بتقديم مُنتَج منافس، عندها لا يجد المُحتكِر أية أدوات مُطوّرة سابقًا لتحقيق التنافسية بِحُكم انعدام التجارب السابقة التي ترفع درجة المناعة المؤسسية أمام المُنافسة المستجدة.
قضية الاحتكار والمنافسة في جانبها الاقتصادي للأعمال هي كذلك قابلةٌ للتطبيق على الصعيد السياسي؛ فالدكتاتورية في حقيقتها هي احتكار للسلطة، والديمقراطية هي تنافس عليها.
وستكون نتائج وتداعيات الدكتاتورية شبيهة بتلك المتعلقة بالاحتكار، وستكون نتائج وظروف الديمقراطية شبيهة بالحالة التنافسية كذلك.
الدكتاتورية كنظام احتكار سلطة بيد قلة ينسجم مع الرأسمالية الاقتصادية التي هي احتكار للثروة بيد قلة، بينما الديمقراطية كنظام مشاركة ومنافسة تنسجم مع الاشتراكية الاقتصادية التي تتسم بالمشاركة للثروة والموارد الاقتصادية، وينبغي أن تتطوّر أدواتها السوقية بحيث تسمح لهامش صحّي من المنافسة حتى بين القطاع الخاص والعام كمدخل للتحسين وتعزيز الكفاءة الاقتصادية.
مبدأ الانتقاء الطبيعي يقضي بأن البقاء والنمو والنجاح هو لأولائك الذين خبروا تجارب صعبة وتعرضوا لمخاضات حرجة في حياتهم وخرجوا منها سالمين، فيكون البقاء للأفضل والأقدر على مواجهة المتاعب والمتغيرات على المدى البعيد، في المقابل فإن أنظمة الاحتكار تبقى هشة أمام أي مستجدات بيئية نظرًا لانعدام فرصة تكوين أجسام مضادة في نظامها المناعي.

الحوار المتمدن

Previous post رمضان في الغربة.. وموسم تجلّي الذاكرة
Next post عودة السياسة الامريكية الى سياقها التاريخي
%d مدونون معجبون بهذه: