رمضان وعيد الفطر جزء من ألمانيا

نادين بيرغهاوزن / شتيفاني لوس

معهد غوته 2018

أن تعيش في دولة ذات طابع مسيحي كألمانيا وتحتفظ في الوقت نفسه بتقاليدك الإسلامية، هل هذا ممكن؟ كيف يحتفي المسلمون في ألمانيا برمضان استعداداً لعيد الفطر؟ نادين بيرغهاوزن وشتيفاني لوس والتفاصيل.

يعيش في ألمانيا أكثر من أربعة ملايين مسلم، انتقل العديد منهم إلى ألمانيا على مدى العقود الماضية من بلدان ذات طابع إسلامي. ومن خلالهم وجد شهر رمضان، شهر الصيام، طريقه إلى الحياة اليومية في ألمانيا. يحاول معظم المسلمين في ألمانيا أن يحتفلوا برمضان كما اعتادوا الاحتفال به في أوطانهم، وتختلف في هذا الصدد العادات والأكلات على اختلاف جنسيات المسلمين القاطنين في ألمانيا. ولكن تبقى هناك قواسم مشتركة بينهم جميعًا وتجارب يمرون بها، من بينها المشاعر والأجواء الجميلة ومنها كذلك العقبات الثقافية والصعوبات التي تواجههم على أرض الواقع.

 لماذا يولي المسلمون في ألمانيا اهتمامًا خاصًا لشهر رمضان

 لشهر رمضان أهمية اجتماعية كبرى للكثير من المسلمين؛ فهو يرتبط لديهم بروح الجماعة وبشعورهم بالترابط في إطار عقيدة مشتركة. ترى أمينة طاشدان، وهي مسلمة ذات أصول تركية تعمل في المكتب الإقليمي للتعليم والدمج والديمقراطية (RAA) في برلين، أن لروح الجماعة في رمضان أهمية خاصة، لأن صيام رمضان ليس جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية في ألمانيا كما في البلدان الإسلامية.

كثيرًا ما يتحدَّث المسلمون في البلدان الإسلامية عن تلك الفرحة التي يستشعرها الصائم: “فالصيام والإفطار الجماعي في إطار المجتمع أجمل بكثير من الصيام كأقلية في بلد أغلب سكانه من المسيحيين. يرتبط رمضان في تركيا بعروض وخدمات ثقافية خاصة وتجد المساجد في صلاة قيام الليل مزدحمة عن آخرها في هذا الشهر. أما هنا، فإن المساجد تقع في معظم الأحيان على مسافة بعيدة بحيث يصعُب الوصول إليها سيرًا على الأقدام”.

لذا نجد أن العديد من المؤسسات الإسلامية في ألمانيا تسعى إلى تعزيز تلك الروح الجماعية، من خلال دعوة غير المسلمين للاحتفال معهم بهذه المناسبة الخاصة على سبيل المثال.

 أشهى الأصناف على سفرة رمضان

 من عادات وتقاليد رمضان الالتقاء بالأصدقاء والأقارب لتناول الإفطار معًا وتجاذب أطراف الحديث، وهي واحدة من التقاليد التي يسعى المسلمون في ألمانيا إلى تمريرها لأبنائهم. ولا يجدون في تحقيق ذلك صعوبة تذكر من الناحية الغذائية، نظرًا لانتشار محلات السوبرماركت التركية والعربية والأسيوية، لا سيما في المدن الألمانية الكبرى. فقد أصبح الآن بإمكانهم أن يقدموا لضيوفهم كافة الأصناف التي تشتهر بها بلدانهم، كالبقلاوة التركية على سبيل المثال. وأصبحت المنتجات “الحلال” أو “المسموح بها” من منظور الشريعة الإسلامية تُباع أيضًا في المحال التجارية، فيما عدا اللحوم الحلال التي ينبغي استيرادها لكون الذبح بدون تخدير محظورًا في ألمانيا.

 إذا لم يجد المسلمون أحد المكونات في السوبرماركت استعاض بعضهم بمكونات أو أطباق ألمانية؛ فإنه ليس من المستغرب أن تجد سفرة رمضان تحتوي على أصناف ألمانيا تقليدية، كشوربة القرع أو البروكولي.

 يواجه العديد من المسلمين مشقة في الصيام أثناء العمل. وعادةً ما يستمر العمل في البلدان الإسلامية حتى الساعة الثانية ظهرًا خلال شهر رمضان. أما في ألمانيا، فإنه يُتَوَقَّع من الصائمين العمل بدوام كامل. يُضاف إلى ذلك أن أذان المغرب قد يحين في وقت متأخر في ألمانيا خلال فصل الصيف. أي أنه بحلول رمضان خلال شهري مايو ويونيو، يتأخر الإفطار حتى الساعة التاسعة والنصف مساءً.

 اتخذت شركة الأثاث السويدية، إيكيا، من خلال مقرها في برلين خطوة في سبيل التوفيق بين شهر رمضان والحياة العملية. فمفهوم التنوع الذي تقوم عليه الشركة يسمح للمسلمين بأن يلتقوا بعضهم مع بعض وقت الإفطار، وعلى زملائهم من غير المسلمين أن يقوموا بتنسيق استراحاتهم وفقًا لذلك. ولو حدث ووجدوا مطعم المحل مغلقًا وقت المغرب، يُسمَح للموظفين من المسلمين بتناول الإفطار في المطعم المخصص للزبائن.

غير أن هذا النهج الليبرالي في التعامل مع الموظفين المسلمين لا يزال مجرد استثناء، على حد قول أمينة طاشدان. “لا أجد في مقر عملي أو في مقرات أعمال معارفي من المسلمين مراعاة خاصة لشهر رمضان. ولعل واحدة من التراخيص الممكنة هي السماح لنا بالعمل بوتيرة أبطأ، على سبيل المثال”.

 الأسئلة التي تراود غير المسلمين عن رمضان

 لقد أصبح لشهر رمضان دور بارز في الحياة اليومية بألمانيا، وهو ما أثار لدى العديد من غير المسلمين تساؤلات كثيرة بشأنه. وتلك الأسئلة لا تتعلق بالعادات والتقاليد الإسلامية بقدر ما تتعلق بالأسباب التي تدفع المسلمين إلى الصيام والاستغناء طوعًا عن الطعام والشراب.

 وفي هذا الصدد، وفي إطار سعيه لإعطاء شباب المسلمين صوتًا، جمع مشروع “جُمعة” “Juma” الإسلامي (شباب، مسلم، نشيط/ jung, muslimisch, aktiv) على موقعه الإلكتروني مختلف الأسئلة عن رمضان ضمن هاشتاج #ولا_حتى_الماء، وتتنوع الأسئلة ما بين المُضحِكة والفضولية.

 يحاول الشاب أُجور من مدينة مانّهايم أن يواجه الأسئلة الحرجة بأسلوب إيجابي، كتلك التي تتطرَّق إلى خطورة الصيام المحتملة على الصحة، فيقول بأسلوب يعكس قدرًا من الاعتزاز: “كلما سمعت عبارة ’كيف تحتملون هذا‘ ’لا أحد يستطيع ذلك!‘ ترتسم ابتسامة على وجهي. فتلك الأسئلة تجعلني أشعر أننا كمسلمين نتحلى بقدر كبير من القوة والصبر”.

أما الشابة هوميرا فتجيب على أسئلة زملائها بحس فكاهي: “خلال فترة دراستي كنت الوحيدة التي ترتدي حجابًا. وذات يوم سألتني إحدى زميلاتي ما إن كان لا يجوز لي الاستحمام طوال شهر رمضان. ولم تكن تمزح بسؤالها هذا. فأخذت أشرح لها مسألة الصيام بالتفصيل”.

 رمضان – جزء من ألمانيا

 إن حضور رمضان في الحياة اليومية بألمانيا لم يقتصر على الناحية الاجتماعية فحسب، بل وامتد إلى السياسة أيضًا. ولم يعد المسلمون فقط هم من يتبادلون رسائل التهنئة برمضان، بل وكذلك الرئيس الاتحادي، فرانك ڤالتِر شتاينماير. حيث أشار في رسالته عام 2017 إلى العلاقة الطيبة بين المواطنين المسلمين وغير المسلمين: “من الجميل أن نرى رمضان قد أصبح جزءًا طبيعيًا من حياتنا الجماعية. وهذه المناسبة دليل على أننا نستطيع أن نفرح سويةً ونعيش سويةً ويتعامل بعضنا مع بعض باحترام واهتمام. هذا ما أؤمن به وسأعمل في سبيله كلما تسنت لي الفرصة”.

قنطرة

Previous post الرسم بالكلمات … استعادة فن أتقنه خطاطون عرب ومسلمون
Next post واتس آب إشكاليات موعد تطبيقات السرية
%d مدونون معجبون بهذه: