حكايا المدار التاريخية ((الجاحظ… والكتب التي قتلت صاحبها((

حكايا المدار تختارها نجاة أحمد السعد

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_ يقول ساخراً من نفسه ومن مجتمعه: «ذكرني بعض الناس للخليفة المتوكل لكي اعلم أبناءه الآداب، فلما رآني استبشع منظري و**أشفق على أولاده من قبحي، فأمر لي بعشرة آلاف درهم ثم صرفني»!

اشتد المرض بالجاحظ في أواخر أيامه فأصيب «بالفالج»، وهو نوع من الشلل النصفي،قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد يصف حاله: «دخلت على الجاحظ في أخر أيامه، فقلت له: كيف أنت؟ فقال: كيف يكون من نصفه مفلوج لو حزّ بالمناشير ما شعر به، ونصف الأخر منقرس، لو طار الذباب بقربه آلمه، واشد من ذلك ست وتسعون سنة أنا فيها». وعلى الرغم من شدة المرض إلا أن المرض لم يكن هو السبب في وفاته، ولكن كان علمه هو السبب، حيث قضى الجاحظ نحبه في يوم من أيام شهر محرم سنة 255هـجرية، حينما زحف وحيداً إلي مكتبته المكتظة بالكتب المكدسة، فانهالت مجلداتها الضخمة عليه.

الجاحظ هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب بن فزارة الليثي الكناني البصري 159-255 هـ أديب عربي كان من كبار أئمة الأدب في العصر العباسي، ولد في البصرة وتوفي فيها. نشأ فقيرا، وكان دميما قبيحا جاحظ العينين، كانت ولادة الجاحظ في خلافة المهدي ثالث الخلفاء العباسيين وتوفي في خلافة المهتدي بالله سنة 255 هجرية، عرف عنه خفة الروح وميله إلى الهزل والفكاهة، ومن ثم كانت كتاباته على اختلاف مواضيعها لا تخلو من الهزل والتهكم. طلب العلم في سن مبكّرة، فقرأ القرآن ومبادئ اللغة على شيوخ بلده، ولكن اليتم والفقر حالا دون تفرغه لطلب العلم، فصار يبيع السمك والخبز في النهار.

عرف عن الجاحظ حبه الشديد للقراءة والكُتب، فهذا ياقوت الحموي ينقل قولاً لأبي هفَّان، وهو من معاصريّ الجاحظ، يقول فيه عنه «لم أر قطُّ ولا سمعت من أحبَّ الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنَّه لم يقع بيده كتاب قَطُّ إلا استوفى قراءته كائناً ما كان ولا عَجَبَ إذ ذاك في أن يُفْرِد الصَّفحات الطِّوال مرَّات عدَّة في كتبه، للحديث عن فوائد الكتب وفضائلها ومحاسنها». وذُكر عنه أنه كان يعطي الوراقين مالاً من أجل أن يتركوه في دكاكينهم ليلاً يقرأ الكُتب حتى الصباح. ولقد عاش الأديب الجاحظ على تأليف الكُتب وبيعها بعد نضوجه وبروزه وشهرته التي بلغت المشرق والمغرب. يقول في هذا الجاحظ: «من لم تكن نفقته التي تخرج في الكتب ألذّ عنده من إنفاق عُشَّاق القِيان، والمُسْتهترين بالبنيان، لم يبلغ في العلم مبلغًا رضيًّا، وليس ينتفع بإنفاقه حتى يُؤْثر اتخاذ الكتب إيثار الأعرابيِّ فرسَه باللبن على عِياله، وحتى يُؤمِّل في العلم ما يؤمِّل الأعرابيُّ في فرسِه». وقال في موضع آخر يوضح فيه كيف كان يكسب المال من وراء مؤلفاته: «أهديت إلى محمد بن عبد الملك كتا (الحيوان)، فأعطاني خمسة آلاف دينار. وأهديت كتاب (البيان والتبيين) إلى أحمد بن أبي دؤاد، فأعطاني كذلك، وأهديت كتاب (الزرع والنخل) إلى إبراهيم الصولي، فأعطاني مثلها. فرجعت إلى البصرة، ومعي ضيعة لا تحتاج إلى تحديد، ولا إلى تسميد.

من كلام الجاحظ: «المنفعة توجب المحبة، والمضرة توجب البغضة، والمضادة عداوة، والأمانة طمأنينة، وخلاف الهوى يوجب الاستثقال، ومتابعه توجب الألفة. العدل يوجب اجتماع القلوب، والجور يوجب الفرقة. حسن الخلق أنس، والانقباض وحشة. التكبر مقت، الجود يوجب الحمد، والبخل يوجب الذم، التواني يوجب الحسرة، والحزم يوجب السرور، والتغرير ندامة، ولكل واحدة من هذه إفراط وتقصير؛ وإنما تصح نتائجها إذا أقيمت حدودها ؛ فإن الإفراط في الجود تبذير، والإفراط في التواضع مذلة، والإفراط في الغدر يدعو إلى أن لا تثق بأحد، والإفراط في المؤانسة يجلب خلطاء السوء. ومن كلام الجاحظ في طلبه للعلم وعشقه للقراءة: «إني لا أعلم شجرة أطول عمراً، ولا أطيب ثمراً، ولا أقرب مجتنى من الكتاب، العلم الحق لا يؤخذ إلا عن معلم، فقد تتلمذت على أيدي كثير من العلماء، واغتنى فكري من الاتصال بهم في حلقات العلم المسجدية، صحيح أني لا أتفق مع بعضهم، إلا أني اقر بفضلهم جميعا».

مؤلفاته: ترك الجاحظ خلفه كتباً كثيرة من تأليفه، يقال أنها بلغت 370 كتاباً، معظمها مخطوطا لم يطبع حتى الآن، ومن أشهر مؤلفاته رحمه الله: البيان والتبيين في أربعة أجزاء، كتاب الحيوان في ثمانية أجزاء، البخلاء، المحاسن والأضداد، البرصان والعرجان، التاج في أخلاق الملوك، الآمل والمأمول، التبصرة في التجارة، البغال، فضل السودان على البيضان، رسائل الجاحظ.

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_

Previous post قصص المدار الفنية ((سليم كلاس فنان الأناقة))
Next post نجم ريال مدريد يهنئ المسلمين بعيد الفطر
%d مدونون معجبون بهذه: