لماذا تفتقد العديد من المؤسسات العربية إلى الإدارة المرنة؟ ما عرفته بعد سنوات من الاستشارات الإدارية

معاذ الرقيعي

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_الإدارة المرنة في عالم اليوم، حيث ترتفع سرعة التطور الرقمي بشكل تصاعدي، متزامنة مع سرعة توقعات مستهلكي السلع والخدمات، ولاسيما الشركات الناشئة والصغيرة، القادرة على بناء وتطوير تطبيقات تحتوي على أحدث المزايا الحديثة، تجد العديد من المؤسسات الكبيرة نفسَها غير قادرة على مواكبة سرعة التطوير والإبداع التي تمتلكها تلك الشركات الصغيرة، الأمر الذي يُفقد العديد من المؤسسات الكبيرة قدرتها على الحفاظ على الزبائن، بل حتى صعوبة كسب زبائن جدد أيضاً.

لتجنب الوقوع في مثل هذا المأزق فإن العديد من المؤسسات الكبيرة والرائدة حول العالم شرعت في الاستثمار فيما يُعرف بمشاريع التحول الرقمي، وعلى مدار السنوات العشر الماضية فقد شهدت ساحة العمل ارتفاع الاستثمار في تطوير التطبيقات والمنظومات الرقمية، كل حسب ميزانيته واحتياجاته السوقية.

ورغم ارتفاع الاستثمار في هذا المجال، ورغم رضوخ المؤسسات الكبيرة للطلب المتزايد من قبل الزبائن على تحديث بنيتها الرقمية فإن العديد من تلك المؤسسات فشلت في الحصول على النتائج المرجوة من مشاريع التحول الرقمي، فيا ترى أين تكمن المعضلة؟

إذا دققنا النظر فإننا في الواقع نجد أن الجسد الإداري للمؤسسات الكبيرة هو كتلة قد اختزنت سنوات من المشاريع المنجزة وغير المنجزة أيضاً، التي خلّفت وراءها حجماً هائلاً من الأنظمة التقنية غير المتلائمة فيما بينها، والتي أثقلت عاتقها، وجعلت منها فيلاً كبيراً ثقيل الحركة، كما تختزن خلاياها الحيوية أساليب وأنماطاً إدارية قديمة فقدت صلتها بواقع اليوم، وأصبحت العائق الأول والأخير نحو مجاراة تلك الخلايا الشابة المتسمة بصفة الشركات الناشئة والصغيرة وأساليب الإدارة المتبعة بها.

وحتى تستطيع مثل تلك المؤسسات الكبيرة جني حصاد الاستثمار في مشاريع التحول الرقمي وغيرها من المشاريع التقنية الحديثة ورفع حظها في النجاح، فإنه يتعين عليها البدء أولاً في التشخيص هيكلها الإداري بشكل بيولوجي محض، لمعرفة نقاط الضعف والتحسّن، ومن ثم العمل على تطوير البنية الإدارية المناسبة لها، وبناء قواعد من شأنها توفير الدعائم الأساسية لمشاريع التحول الرقمي أو غيرها من المشاريع التي تحتاجها مثل هذه المؤسسات في سوق العمل اليوم.

لمحة سريعة حول مفهوم الإدارة المرنة

من أنجح الأساليب الإدارية التي توفر القواعد التي تحتاجها المؤسسات الكبيرة لمواكبة عصر التنافس الرقمي والتكنولوجي في عالم اليوم هو ما يعرف بأساليب الإدارة المرنة (أو الرشيقة)، والتي نالت ولا تزال تنال حظاً ملحوظاً من النجاح بداخل المؤسسات الكبيرة الرائدة حول العالم اليوم.

في أبسط صورها فإن الإدارة الرشيقة تحث المؤسسات على تغيير أسلوب العمل اليومي بشكل جذري، فهي تطالب بتحسين جودة التواصل بين أعضاء المؤسسة الواحدة، وتطالب بالشفافية، وتنص على إعطاء حرية حل المشاكل وابتكار الحلول للأفراد المسؤولين عن تطوير المنتجات أو الخدمات المعروضة بالسوق، عوضاً عن الاختيارات الشخصية القادمة من الإدارات العليا بالمؤسسة (طبعاً تبقى القرارات الاستراتيجية بيد الجزء الأعلى بالمؤسسة)، وغيرها الكثير من الأيديولوجيات الإدارية الجديدة التي تحتاج إلى فهم واعٍ وحسّاس بطبيعة علاقة العمل بين أفراد المؤسسة الواحدة، وبينها وبين الزبائن المستهدفين بسوق العمل في عالم اليوم.

من تجربتي لأكثر من عقد في إدارة وتنفيذ العديد من مشاريع التحول الرقمي والإداري نحو ترسيخ مفاهيم الإدارة الرشيقة بعدة قارات حول العالم، فإني لطالما لاحظت بعض التحديات المشتركة، والتي تحتاج المؤسسات التي تسعى إلى النجاح في مشاريع التحول الإداري إلى الاعتراف بها، والعمل على تصحيحها، ولاسيما بالشرق الأوسط، وذلك عبر وضع خطط طريق ومشاريع واعدة ومدعومة من قبل المجلس التنفيذي لتلك المؤسسات.

عقبات تبني الإدارة المرنة بالشرق الأوسط

1- غياب المهارات اللازمة

أحد أهم المواضيع التي يتعين على المؤسسات الساعية إلى النجاح في رحلة الانتقال إلى تطبيق قواعد الإدارة الرشيقة هو توفير المهارات اللازمة، والبدء من صمام الأمان بالمؤسسة، ألا وهو المواهب الموجودة لديها، وبخاصة الشريحة الإدارية الأعلى بالمؤسسة، وذلك لتثقيف المديرين بالمفاهيم الأساسية التي تُبنى عليها المؤسسات المرنة، ما يؤهلهم لقيادة دفة التغيير، وإعطاء النصح والإرشاد لأعضاء الفرق التي يترأسونها عند الحاجة الماسة لذلك.

2- هشاشة بنية تقنية المعلومات

بينما التطبيقات العملية للإدارة الرشيقة تتعدى ساحة تقنية المعلومات، فإن امتلاك بنية قوية لتقنية المعلومات يساعد المؤسسات على تسريع عجلة التحول الإداري وبشكل كبير وفعال جداً، على سبيل المثال فإن وجود البنية السحابية والمراكز العملاقة لتخزين البيانات الرقمية القادرة على إنتاج تقارير تحليلية دقيقة تعطي المؤسسات الكبيرة مساحة عمل حر فيما بين أعضاء المؤسسة، ولاسيما عبر المكاتب الموزعة حول قارات العالم المختلفة، كما تتيح لها أيضاً متابعة مراحل تقدم مشاريع التحول الرقمي بشكل دقيق، عبر البيانات التي يتم تجميعها عبر نقاط التماس المختلفة مع زبائنها، عبر مستعرضات الإنترنت وتطبيقات الهواتف الذكية المختلفة، وغيرها العديد من نقاط التماس الرقمية التي لا يتسع المقام للخوض فيها هنا.

3- ضعف الثقة بين شرائح الهرم الإداري

بعيداً عن المسببات التقنية، دعونا نتحدث عن واحدة من أصعب العراقيل التي تواجه المؤسسات الساعية إلى تبني الإدارة الرشيقة بالشرق الأوسط، ألا وهي ثقافة المؤسسة فيما يتعلق بمستوى الثقة المتبادل بين الإدارة العليا بالمؤسسة، المتمثلة في الرؤساء التنفيذيين ومديري الأقسام والموظفين الجالسين بالمستوى الأدنى بالهرم الإداري.

إن الوصول إلى مستوى عالٍ من المرونة الإدارية وسرعة التجاوب مع متطلبات الزبائن يستدعي تسريع عجلة التطوير، سواء كان ذلك تطويراً للمنتجات الرقمية أو غيرها، ولكن سرعة التطوير الإنتاجي أو الخدمي تحتاج إلى سرعة متوازية ومماثلة في اتخاذ القرارات، حتى يتسنى لفريق العمل الرد بشكل فعال، وطرح خدمات ومنتجات تحمي القدرة التنافسية وتُرضي توقعات الزبائن.

بالتالي، وإذا عرفنا أن سرعة اتخاذ القرارات هي أحد الشرايين الحية لتسريع عجلة التطوير الإنتاجي والخدمي، فإنه يتعين على الإدارة العليا إعطاء الثقة وتفويض مسألة اتخاذ القرارات، ولاسيما اليومية، للفريق المسؤول عن تطوير المنتج (قد يطلق على الفريق اسم سكروم   عند تنفيذ منهجيات الإدارة المرنة)، الأمر الذي يسرع من إنجاز المهام وإتمام المشاريع والأفكار الإبداعية الحديثة، بشكل تنافسي وملائم للاحتياجات المتغيرة للزبائن والمستفيدين من الخدمات.

4- غياب ثقافة المخاطرة

مفهوم التغيير والتحول بشكل عام يستدعي اتخاذ قرارات وتجارب جديدة تستدعي الحاجة إلى المخاطرة، نفس هذا المفهوم العام ينطبق على البيئة المهنية، مثل التي نجدها بالمؤسسات الكبيرة الساعية إلى مواكبة عصر التحول الرقمي، بالتالي يتعين على الإدارة العليا زرع بذور الثقة وتشجيع الموظفين على خوض تجارب جديدة محفوفة ببعض المخاطر التي يمكن إدارتها، ووضع خطط وقائية من شأنها تقليل الأضرار المتوقعة جراء اتخاذ قرارات غير صائبة عندما يتعلق الموضوع بتطوير منتجات جديدة وطرحها بالسوق.

ولكن من دون إعطاء المساحة المناسبة وتقليل هاجس الخوف من اتخاذ القرارات غير الصائبة، فإن المؤسسة لن تجني إحدى أفضل ثمار الإدارة المرنة، ألا وهي القدرة على الابتكار والإبداع وتقديم الجديد وغير المتوقع، بالتالي يجب أن تعطي المؤسسة مساحات مدروسة ومقننة لإطلاق العنان للتفكير الإبداعي والدفع بالمهارات الفردية لإبراز أفضل ما لديها. 

ختاماً، فإن الإدارة المرنة تبقي الحل الأول والأخير للمؤسسات بمختلف أحجامها، التي تضمن لها بقاءها والحفاظ على حصتها السوقية، الأمر الذي صار من أصعب ما يكون اليوم، مع ما يقدمه عالم الإنترنت من إمكانية مقارنة واقتناء آخر المنتجات والخدمات بجميع الأسعار، ومن أي بقعة من بقاع العالم، وعبر ضغطة زر واحدة أو لمسة بسيطة على شاشة الهاتف النقال.

عربي بوست

Previous post نتنياهو وصورة النصر المفقودة!
Next post فزاعة العداء للسامية: هوس فرنسي في غزّة
%d مدونون معجبون بهذه: