حقيقة انتحار كليوبترا

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_الرواية الأشهر عن وفاة الملكة كليوباترا أنّها أغلقت على نفسها داخل ضريحٍ كانت قد شيّدته في قصرها في الإسكندرية، وطلبت إحضار ثعبانٍ سام. كان هذا في شهر أغسطس/آب من عام 30 قبل الميلاد. عندما تسلمت كليوباترا أفعى الكوبرا المصرية كانت مهربةً لها في سلة تين، رفعتها على صدرها العاري واستسلمت لها وهي تغرس أنيابها فيها لتلقى حتفها وتغادر هذا العالم.

هذه هي الرواية الأشهر عن وفاة كليوباترا بعدما علمت بهزيمة أوكتافيوس (أغسطس قيصر) لحبيبها مارك أنطوني في معركة أكتيوم البحرية. ولكن هل هذا ما حدث حقاً لكليوباترا؟

كليوباترا.. الفاتنة التي داعبت خيال رجال الإمبراطورية الرومانية

تنحدر كليوباترا من السلالة المقدونية التي حكمت مصر بعد وفاة الإسكندر الأكبر، والمعروفة باسم البطالمة. حكمت سلالة البطالمة مصر منذ عام 305 ق. م، عندما تولّى حكمها بطليموس الأوّل الذي كان أحد أبرز جنرالات الإسكندر الأكبر. وقد تمّ الاعتراف بالبطالمة باعتبارهم خلفاء للفراعنة الأصليين الذين حكموا مصر منذ القدم.

وُلدت كليوباترا حوالي عام 70 ق. م، وقد كانت حادّة الذكاء وبارعة. عندما توفي والدها بطليموس الثاني عشر تقاسمت كليوباترا العرش مع شقيقها الأصغر بطليموس الـ13، وقد كانت تبلغ 18 عاماً آنذاك.

استخدمت كليوباترا ذكاءها الحاد في الوصول للسلطة. كانت تتحدث عدّة لغات وكانت على علاقة مع اثنين من أقوى رجال الإمبراطورية الرومانية: يوليوس قيصر ومارك أنطوني.

كانت الإمبراطورية الرومانية هي الأكبر في ذلك الوقت، وقد كانت السياسات الرومانية تلقي بظلالها الثقيلة على مصر أيضاً.

كانت كليوباترا وشقيقها بطليموس الثالث عشر يتنافسان من أجل الهيمنة على الحكم. وعندما زار يوليوس قيصر الإسكندرية، رأت كليوباترا في هذه الزيارة فرصةً لتحقيق الهيمنة.

تقول الأسطورة إنّ كليوباترا لفّت نفسها في سجادةٍ وتسلَّلت إلى محل إقامة يوليوس قيصر، ونجحت في إغوائه، ووافق على مساعدتها في استعادة عرشها كاملاً من شقيقها، بطليموس الـ13.

ولقد نجحت كليوباترا في انتزاع السلطة من شقيقها بعدما هزمته جيوشها في معركةٍ ولقي حتفه غرقاً في النيل بعد ذلك. كلّ هذا بموافقة يوليوس قيصر.

حذفت كليوباترا اسم أخيها من الوثائق الرسمية، وأمرت بحذف وجهه من على العملات. بعد استتباب الحكم لها،تزوجت من أخيها الصغير الآخر “بطليموس الرابع عشر”، لكنّها لم تشاركه السلطة أيضاً وقتلته لاحقاً. ويقال إنّها اغتالت أختها أرسينوي عام 41 ق. م، لأنّها اعتبرتها منافسةً لها على العرش.

رغم كلّ شيء، ظل مصير كليوباترا مرتبطاً بمصير روما. بعداغتيال يوليوس قيصر في عام 44 ق. م، تحالفت كليوباترا مع مارك أنطوني الذي تقاسم السلطة في روما مع القائدين: أوكتافيان وليبيدوس.

وقع مارك أنطوني، تماماً مثل يوليوس قيصر، في غرام كليوباترا. وقد شكّلت علاقتها الغريبة بقادة روما قضيةً محورية لدى بعض الرومان الآخرين الذين اعتبروها تهدّد الإمبراطورية الرومانية.

فقد وصفها أحد الشعراء الرومان  بأنَّها “ملكة مجنونة تتآمر لإسقاط الإمبراطورية الرومانية”. كما وصفها شاعر روماني آخر بـ”الملكة العاهرة” وأطلق عليها شاعر روماني ثالث “القوة الماجنة التي كانت ستهلك روما”.

وقد كانت كليوباترا في الحقيقة لا تدّخر سبيلاً لا يؤكد لديهم على هذا الشعور. 

بعدما بدأت علاقتها مع مارك أنطوني، أعلنا معاً أنّ “بطليموس الخامس عشر” واسمه قيصرون، وهو نجلها من علاقتها مع يوليوس قيصر وريث شرعي لعرش أبيه في الإمبراطورية الرومانية. وقد قرَّر أوكتافيوس التحرّك ضد هذه الخطوة. تذرّع أوكتافيوس (أغسطس قيصر) بأنَّ أنطوني خاضع لسيطرة كليوباترا وأعلن الحرب ضد الملكة المصرية.

حاربت جيوش أوكتافيوس جيوش مارك أنطوني وكليوباترا في معركة اكتيوم البحرية الشهيرة عام 31 ق. م، وحقَّق أوكتافيوس انتصاراً ساحقاً عليهما. وهنا قرَّر أنطوني وكليوباترا الانسحاب إلى مدينة الإسكندرية، حيث سرعان ما لقي كلاهما مصرعه. 

ولكن: كيف ماتت كليوباترا؟

انهار عالم كليوباترا تماماً بعدما هزمت قوات مارك أنطوني أمام قوات أوكتافيوس، الذي سرعان ما وصل بقواته إلى مشارف الإسكندرية.

فرّت كليوباترا من ذُلِّ الهزيمةِ والأسر إلى ضريح كانت قد بنته على أرض القصر وانتشرت شائعة وفاتها. عندما وصلت الشائعة إلى مارك أنطوني حذا حذوها على الفور بطعن نفسه بسيفه. 

على الرغم من أنَّه طعن نفسه بسيفه، إلا أنّه ظلَّ على قيد الحياة لفترةٍ كافية حتَّى علم أنَّ كليوباترا لا تزال على قيد الحياة.

ووفقاً للمؤرخ الروماني كاسيوس ديو، عندما علم أنطوني بكذب نبأ وفاة كليوباترا، نهض وكأنَّه ما زال لديه قدرة البقاء على قيد الحياة وطلب من المحيطين به أن يحملوه إلى الضريح الموجودة به كليوباترا، حيث مات بين ذراعيها.

لكنّ اللحظات الأخيرة تلك لو تميّزت بشيء، فستتميّز بكونها غامضة للغاية؛ فبعض المؤرخين الرومان رأى أنّ كليوباترا كانت بالفعل قد فكّرت في سيناريو وفاة مارك أنطوني، وأنّها كانت تنوي “إغواء” أوكتافيوس نفسه، لتبقى على رأس السلطة في مصر. ورغم أنّ المؤرخين الرومان متحاملون على كليوباترا، إلا أنّ شخصيتها قد تؤكّد هذه التحليلات أيضاً.

وقد كانت كليوباترا قد التقت أوكتافيوس سابقاً. ولكنّ في نفس الوقت كانت كليوباترا مذعورةً من أن يعيدها أوكتافيوس إلى روما أسيرةً يستعرض بأسرها انتصاره وقوته، ولذلك قررت الانتحار.

وحسبما تقول الأسطورة، أغلقت كليوباترا على نفسها داخل ضريحٍ مع خادمتيها، إيراس وتشارميون. 

ارتدت الملكة ذات الـ39 عاماً، ثيابها الرسمية ومجوهراتها، ثم وضعت أفعى كوبرا سامة على صدرها العاري لتتلقَّى لدغةً قاتلة. وقد جعلت كليوباترا الأفعى تلدغ خادمتيها، لأنَّهما وُجدتا ميتتين في نفس مكان الحادث.

ضم أوكتافيوس مصر أخيراً إلى الإمبراطورية الرومانية بعد وفاة كليوباترا، لينهي بذلك قروناً من حكم البطالمة. وقد استطاع رجاله العثور على قيصرون (ابنها من يوليوس قيصر) وقتله بعد ذلك بفترةٍ وجيزة.

على كلٍ، المنتصر هو الذي يكتب التاريخ، ولاحقاً توارت أي إنجازاتٍ لكليوباترا في مقابل تكريس سمعتها السيئة. وقد صور أوكتافيوس هزيمته لكليوباترا باعتبارها باكورة عصرٍ ذهبي جديد يُستعاد فيه الاحترام لسلطة القانون والمحاكم. 

أصبح أوكتافيان بمرور الوقت هو البطل وكليوباترا هي الشريرة. ومع ذلك، لا تزال حياة كليوباترا ثمّ وفاتها الغامضة تجذب اهتمام عددٍ لا يحصى من الناس والباحثين والمؤرخين حتى يومنا هذا، وقد أعرب العديد من المؤرخين المعاصرين عن شكوكهم حول قصة موتها بلدغة ثعبان.

لم يتضح بعد سبب الوفاة الحقيقي للملكة كليوباترا رغم مرور آلاف السنين. وفقاً للروايات فعندما وجدوا جسدها لم تظهر عليه أي علامات سوى آثار لدغاتٍ طفيفة على ذراعها. ويقول البعض إنَّها لفَّت حول جسدها أفعى أًحضرت إليها في جرة ماء أو ربما كانت مخبأة في بعض الزهور.

لكنّ المؤرخ اليوناني بلوتارخ قال: “لا أحد يعرف حقيقة الأمر. لم تظهر على جسدها أي بقع أو علامة أخرى من علامات السم. علاوة على ذلك، لا يوجد دليل على رؤية ثعابين داخل الغرفة على الرغم من أنَّ ثمة بعض الأشخاص قالوا إنَّهم رأوا بعض آثارها بالقرب من البحر”.

وتجدر الإشارة إلى أنَّ بلوتارخ وُلد بعد وفاة كليوباترا، وهو ما يعني وجود متسع من الوقت لانتشار شائعات وروايات كاذبة.

إذاً، من أين أتت قصة لدغة أفعى الكوبرا؟ يشير عالم الآثار الأمريكي، دوان رولر، في كتابه “Cleopatra: A Biography” إلى انتشار الثعابين في الأساطير المصرية القديمة، إذ كان يُنظر إليها باعتبارها رمزاً للملكية في مصر القديمة. ومن ثمَّ، كانت طريقة مناسبة بالنسبة للملكة لكي تنهي حياتها. 

ومع ذلك، يُشكّك العديد من المؤرخين في الوقت الحالي في رواية موت كليوباترا بلدغة أفعى، مشيرين إلى أنَّه غالباً ما يبلغ طول أفعى الكوبرا من 1.5 إلى 2.5 متر. وبناءً عليه، يصعب إخفاء مثل هذا الثعبان الكبير في سلة تينٍ صغيرة، كما تقول أشهر الروايات.

كما أنّ بعض الباحثين يشكك في رواية الأفعى تلك، خصوصاً أنّ كليوباترا عرفت باتخاذها القرارات الحاسمة والتخطيط الدقيق. ولذا، يقترح بعض المؤرخين المعاصرين أنَّ كليوباترا شربت سماً لتقتل نفسها. وذلك إذا سلّمنا بأنَّها ماتت منتحرة.

ويرجح بعض الباحثين أنّ كليوباترا تناولت مزيجاً من النباتات والأعشاب السامة لإنهاء حياتها. ويكذبون رواية الأفعى.

وبينما يؤكد بعض الخبراء أنَّ كليوباترا ماتت منتحرة،يبحث آخرون عما إذا كان لآوكتافيوس دور في وفاتها   خوفاً من أن تتسبب في حدوث العديد من المشكلات له في حال ظلّت على قيد الحياة، فضلاً عن أنَّ العديد من الرومان سيشعرون بالسعادة بكل تأكيد عند رؤيتها ميتة.

في النهاية، قد لا نعرف على وجه اليقين كيف ماتت كليوباترا. ولا يزال جزء كبير من قصة وفاتها لغزاً لم يُحَل بعد. على الرغم من دفنها هي ومارك أنطوني معاً، لم يُعثر على جثتيهما حتى الآن.

عربي بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post أمن إلكتروني ـ ثغرات في أمن الإنترنيت داخل أوروبا
Next post عن حقوق الإنسان
%d مدونون معجبون بهذه: