هل يقدر الرئيس الأمريكي جو بايدن حقاً على إنهاء الصراع في اليمن؟

محمد أحمد

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_ترتكز فرضية تغير توجهات إدارة بايدن من الصراع في اليمن؛ على “ظاهر الخطاب”، حيث إن كل رئيس أمريكي جديد يسعى عادة إلى إحداث تحولات مهمة في السياسة الخارجية لإدارته، لا سيما إذا كان من حزب مختلف لسلفه، وهو ما سيفعله الرئيس الديمقراطي بايدن أيضاً، وهو ما أكده بايدن نفسه خلال حملته الانتخابية، وإشاراته المتعددة إلى أنه سيتبنى مقاربة مختلفة وسيعمل على إحداث تغييرات جوهرية في سياسات إدارة ترامب التي -بحسب تعبير بايدن- “ألحقت ضرراً بالغاً بصورة الولايات المتحدة في العالم وأمنها القومي”، وأنه سيعمل على ذلك استناداً إلى خبرته في قضايا السياسة الخارجية، والتي صقلها خلال توليه منصب نائب الرئيس السابق باراك أوباما، وقبلها خلال رئاسته للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ.

في مفاجأة من شأنها أن تقلب موازين الأمور في المنطقة اتخذ الرئيس بايدن قرار بسحب الدعم العسكري للمملكة السعودية في اليمن، وبمنطق البراجماتية السياسية يسعى جو بايدن حليف إيران بالأمس إلى مغازلتها في اليمن بعد قرار سحب دعمه العسكري عن المملكة السعودية وقوات التحالف العربي، كما قام برفع صفة التنظيم الإرهابي عن الحوثيين الذراع العسكرية لإيران في اليمن، حيث تعتزم الولايات المتحدة إلغاء تصنيف جماعة الحوثي اليمنية على أنها منظمة إرهابية رداً على الأزمة الإنسانية في اليمن لتلغي بذلك أحد أكثر القرارات التي تعرضت لانتقاد واتخذتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

وكان بايدن قد أكد أن إدارته تعزز جهودها الدبلوماسية لإنهاء الحرب في اليمن التي تسببت بكارثة إنسانية واستراتيجية وسط ترحيب أممي بحجة أنها ستوفر إغاثة وعوناً ضخماً لملايين اليمنيين الذين يعتمدون على المساعدات الإنسانية والواردات التجارية لتلبية احتياجاتهم الأساسية من أجل الحياة، وكانت جماعة “أنصار الله” الحوثية قد أعلنت أن إعلان إدارة الرئيس الأمريكي الجديد، جو بايدن، بدء شطب اسمها من لائحة الإرهاب للولايات المتحدة يعد خطوة متقدمة باتجاه تحقيق السلام في اليمن.

دوماً كانت سياسة الولايات المتحدة تجاه اليمن مدفوعة بمصالح مكافحة الإرهاب ومصالح إقليمية أوسع وأشمل، وظلت هكذا بدون تغيير جوهري خلال عهد إدارات الرؤساء الثلاثة جورج دبليو بوش وباراك أوباما ودونالد ترامب، وفي بعض الفترات قد كثفت الولايات المتحدة ضربات الطائرات المسيّرة أو خففت من حدة العمليات البرية العسكرية المباشرة، ولكنها تركت الشؤون الداخلية اليمنية باستمرار للسعودية، أما بالحرب الدائرة باليمن فدعمت واشنطن السعودية باستمرار في مجلس الأمن، ووفرت الأسلحة والدعم اللوجستي لمواصلة القتال ضد جماعة الحوثيين المسلحة.

بدأ دعم الولايات المتحدة في الكونغرس حول استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه يتذبذب إلى حد كبير خلال النصف الثاني من فترة إدارة ترامب، حيث ازدادت المعارضة على مبيعات الأسلحة في الوقت الذي تنامت فيه المخاوف بشأن دور السعودية في حرب اليمن. استمر ترامب بدعم القيادة السعودية بلا هوادة ولكن بدأ بعض المنافسين من الحزب الديمقراطي بطرح أسئلة حول العلاقة مع السعودية وأولويات الولايات المتحدة في الخليج وتأثير القرارات الأمريكية على اليمن. وخلال السنوات الأربع الماضية، أبدى ترامب التزاماً فاتراً -اقتصر على التصاريح إلى حد كبير- بالجهود المتعددة الأطراف لبناء السلام في اليمن، مضعفاً بذلك هذه الجهود عبر استمرار التعاون العسكري مع التحالف بقيادة السعودية. ويجوز أننا لم نر بعد أكثر سياساته ضرراً، كما قللت إدارة ترامب من أهمية الدبلوماسية، وأوقفت دعمها للمشاريع الإنسانية الرئيسية في اليمن؛ تاركة بذلك الملايين عرضة للخطر. ليست الولايات المتحدة وحدها من يقف وراء انخفاض نسبة التزام المانحين، ولكن معارضة إدارة ترامب لمختلف أشكال محاسبة الأطراف التي تستهدف المدنيين تشجّع على تقليص برامج الإغاثة الأساسية في البلد الذي يشهد أسوأ أزمة إنسانية في المنطقة.

تحديات أمام الإدارة الأمريكية

سوف تتغير سياسة بايدن تجاه ملف الأزمة اليمنية، وذلك ضمن حزمة تغييرات كبيرة ستقوم بها الإدارة الأمريكية الجديدة تجاه قضايا الشرق الأوسط، في ضوء تعهد بايدن بإعادة تقييم دعم بلاده للحرب  في اليمن، وجاء في برنامج بايدن الانتخابي أن الأولوية ستكون للضغط على جميع الأطراف لوقف الحرب في اليمن، وتقديم مساعدات إنسانية، والعودة إلى طاولة مفاوضات بين الأطراف المتصارعة، وأن إدارته ستُباشِر حال وصولها البيت الأبيض العمل مع الشركاء الإقليميين والدوليين لتكثيف الجهود الدبلوماسية مع جميع أطراف النزاع، والضغط عليهم للتوصل إلى تسوية سياسية بوساطة الأمم المتحدة.

إدارة بايدن ستُكلّف بعكس السياسات الضارة التي تبنتها إدارة ترامب، وإعادة التعامل مع المؤسسات والشركاء متعددي الأطراف، وإعادة تصور علاقتها بالصراع في اليمن. سيتطلب هذا إنهاء السياسات التي انتهجتها إدارة ترامب.

لن يقتصر عمل الرئيس بايدن على إصلاح أو عكس الضرر إذ لديه -أيضاً- فرصة فريدة ليبدأ بإعادة تصوّر أوسع للسياسة الأمريكية في تجاه اليمن.

ومع أن الإدارة المنتهية ولايتها تعمل على عرقلة فريق بايدن بطرق غير مسبوقة، فإن التحديات هنا تتعلق بطريقة التفكير بقدر ما تتعلق بالتخطيط، وهي تستلزم على الولايات المتحدة إعادة التفكير بنهجها تجاه اليمن قبل أي شيء آخر، وهذا تحدٍّ من الممكن للفريق الجديد -بل وعليه- الشروع في مواجهته.

فرضية “الاستمرار” في السياسات

في المقابل، يعتقد فريق آخر أن إدارة بايدن لن يكون في وسعها إحداث تغييرات جوهرية في السياسة الأمريكية في إدارة ترامب للصراع في اليمن، وأن كل ما بإمكانها فعله خلال فترة ولايتها هو ممارسة ضغوط أكبر على طرفي الصراع بهدف دفعهما للانخراط في مسار الحل السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، ولكن هذه الضغوط لن تشمل بالضرورة وقف مبيعات الأسلحة الأمريكية للسعودية، والتخلي عن التزام واشنطن الطويل الأمد بتعزيز منظومة المملكة الدفاعية.

وعلى الرغم من حدة خطاب بايدن خلال حملته الانتخابية وتوجيهه سهام النقد للمملكة على خلفية الحرب في اليمن واستفحال الأزمة الإنسانية هناك، إلا أن إدارته، كما تُجادِل وجهة النظر هذه، ليس في مقدورها الذهاب بعيداً في مسار “القطيعة الكاملة” مع سياسة إدارة ترامب (ومِن قبلها إدارة أوباما) تجاه الصراع اليمني، لعدة أسباب أهمها الآتي:

إن إدارة بايدن، خصوصاً في الأشهر الأولى من عهدتها الرئاسية، ستكون مستغرقة في إدارة العديد من الأزمات الداخلية، من قبيل تفشي وباء كورونا وجهود مكافحته، وتحديات استعادة التعافي الاقتصادي، والتعامل مع معضلة الانقسام السياسي والحزبي في الشارع كما في مؤسسات وأجهزة الدولة (لاسيما المؤسسة التشريعية)، فضلاً عن معالجة مشكلة تنامي التصدُّعات العرقية في البلاد.

إن الإدارة الديمقراطية الجديدة قد تواجه تركيبة مختلّة لغير صالحها في مجلس الشيوخ، إذ يرجح استمرار هيمنة الجمهوريين على المجلس. والثابت أن مجلس الشيوخ يلعب دوراً حاسماً في إقرار التوجهات الخارجية للبيت الأبيض إزاء أبرز القضايا والتطورات العالمية، ولا يُمكن إقرار أي قانون تريد الإدارة الأمريكية تمريره من دون قبول المجلس، الذي يتمتع أيضاً بسلطة الموافقة على التعيينات الرئاسية (الوزراء والسفراء والقضاة). وتبقى قرارات إدارة بايدن وحسم شكل توجهاتها الخارجية مرهونة  بمجلس الشيوخ.

مع أن أزمة اليمن قد لا تكون مُدْرَجة على سلم أولويات إدارة بايدن الخارجية في الأشهر الأولى من ولايتها (إذ ربما تراها “مسألة هامشية” مُقارنةً بأزمات وقضايا دولية ساخنة أخرى)، فإن الإدارة الديمقراطية على الأرجح، وفي كل الأحوال، ستظل تنظر إلى بلد كاليمن بوصفه ملفاً أمنياً بالدرجة الأولى، أي أن مكافحة الإرهاب والتطرف هو الذي سيكون محور اشتغال السياسة الأمريكية في هذا البلد، كما حصل مع الإدارات السابقة، ومن ثمَّ فإن أي تقييم تُجريه إدارة بايدن لاتجاهات الوضع في اليمن حالياً ومستقبلاً ومضمون سياستها إزاءه، سيضعان هذا المُحدد/المُعطى في عين الاعتبار باستمرار.

إن إدارة بايدن التي لا تُخفي إمكانية إعادة اعترافها بالاتفاق النووي مع إيران الذي ساهمت إدارة أوباما في إبرامه عام 2015، وانسحبت منه لاحقاً إدارة الرئيس ترامب، قد لا ترغب في إضفاء مزيد من التعقيد على علاقة الولايات المتحدة مع الشركاء الخليجيين المستائين من توجه محتمل كهذا، عبر إثارة قضية الصراع في اليمن ومحاولة فرض تسوية معينة لها لا تراعي المخاوف الأمنية لدول الإقليم، واستخدام هذه القضية أداة ضغط على السعودية تحديداً من أجل القبول بتوجهات بايدن المغايرة تجاه طهران، ولم تعمل شيئاً يذكر لمواجهة نزعتها التوسعية في المنطقة.

رغم أن ثمة آراء وفرضيات تؤكد اتخاذ إدارة الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن تجاه الصراع في اليمن منحى مغايراً لما مضت عليه إدارة سلفه الجمهوري، من خلال اعتماد استراتيجية الضغط نحو إيقاف الحرب في هذا البلد وتسوية النزاع بطريقة لا تُراعي مصالح دول الجوار الخليجي وهواجسها الأمنية المشروعة، إلا أن هذه التوقعات تتجاهل في الواقع كمَّ التعقيدات والتحديات الداخلية والخارجية الكثيرة التي ستواجهها الإدارة الديمقراطية بمجرد وصولها البيت الأبيض.

والأرجح أن إدارة الرئيس بايدن ستكون أبطأ في تعاملها مع أزمات منطقة الشرق الأوسط وصراعاتها المُمتدَّة، بما فيها الصراع اليمني الذي دخل عامه السادس، باعتبار “أن المنطقة ستكون ذات أولوية منخفضة للإدارة الجديدة التي ستركز على التعامل مع جائحة “كوفيد-19” ببعديها الداخلي والخارجي، والسياسة الخارجية الأمريكية تجاه آسيا وأوروبا والأمريكيتين”، ومؤدى ذلك أن إدارة بايدن ستميل أكثر إلى التأني في إقرار وحسْم شكل سياساتها المستقبلية تجاه الأزمة اليمنية، وأخْذ التعقيدات الملازمة لها بعين الاعتبار، لاسيما في ضوء الأطر والمحددات التي سبق واعتمدتها إدارة الرئيس ترامب، ومؤسسات صُنْع السياسة الخارجية في واشنطن، في تعاطيها مع هذه الأزمة بكافة أبعادها، وبصفةٍ خاصةٍ في حال مضت إدارة ترامب في وضْع أحد أطراف الصراع الرئيسينِ (أي جماعة “أنصار الله” الحوثية) في قائمة الإرهاب مع ما تحمله هذه الخطوة من إعادة تعريفٍ للصراع اليمني برمته.

عربي بوست

Previous post اعمل شغب في بلجيكا بسبب فوز المنتخب
Next post السيناريوهات الأربعة التي ستواجهها حكومة الوحدة الوطنية الليبية الأيام القادمة
%d مدونون معجبون بهذه: