إسرائيل وفلسطين – الفوارق الدقيقة كواجب أخلاقي

نعوم ياتسيف

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_يشكك بأن ما فعلته إسرائيل في غزة هو مجرد “دفاع عن النفس” لكنه بالمقابل يدعو لإعادة النظر في إدانة إسرائيل بأنها فقط “استعمارية”. نعوم ياتسيف مرشد سياحي ومعلم إسرائيلي يدافع -في رؤيته لموقع قنطرة- عن تحليل تاريخ فلسطين/إسرائيل تحليلا أكثر دقة معتبرا هذا “التزاما أخلاقيا” خاصةً على المراقبين الأوروبيين.

تصعيد العنف في اسرائيل وفلسطين في مايو /ايار 2021 ترافق مع وابل متوقع من المحتوى الإلكتروني على وسائل التواصل الاجتماعي متعلق بهذا الحدث. وبحكم أني مرشد سياحي إسرائيلي يعمل غالباً مع المسافرين الأوروبيين لدي الكثير من التواصل مع الأجانب، وفي هذه الأيام معظمه تواصل رقمي بسبب وباء كورونا. وأكثر من أي وقت مضي فإن معظم المحتوى الذي صادفته يشير إلى حقيقة أنّ الناس لا يعلمون سوى القليل عن التاريخ الحديث للمنطقة.

أعلم أن التوتر تتصاعد والسياسات المشينة لكل من اسرائيل وحماس تتطلّبُ انتباهاً أكثر مما يقوله أو يفكر به أي شخص في أوروبا. غير أنني أشعر بحاجة ملحة لكتابة هذا في هذا التوقيت، لأنه في الوقت هذا قد يكون الناس على استعداد للتفكير في أي شيء يتصل بفلسطين/إسرائيل بشكل جدي.

وما يفاجئني بشكل كبير هو الترابط المقلق بين استخدام بعض الكلمات الطنانة والفهم السطحي للغاية للنزاع. ومن بين الأمثلة التي تتبادر إلى ذهني: مقال ورسالة مفتوحة -من قِبَل أكاديميين- وبيان تشاركَهُ أصدقاء فيسبوك ألمان، وكل هذه الأمثلة تُظهِرُ استخداماً مفرطاً لمصطلح “كولونيالي/استعماري” كخلفية للصراع. وهذه مجرد أمثلة لما يبدو أنه أصبح بديهياً بين الأوساطِ الفكرية والناشطة المؤثرة المتنامية باستمرار.

الاستخدام الحكيم لصفة “استعماري”

المفردات التي عادة ماكانت تقتصر على النقاشات  الأكاديمية أصبحت جزءا لا يتجزأ من النقاش السائد حول فلسطين/إسرائيل. إذ أنَّ أعداداً متزايدة من الناس تدعم الفلسطينيين كجزء من نزاع عالمي “متعدد القطاعات” ومناهض للاستعمار، يهدفُ إلى توحيد المجموعات المهمّشة والتقدميين حول فكرة أن إسرائيل هي أوج الأمراض التاريخية للهيمنة الأوروبية – وهو مفهوم خطير وغير تاريخي على الإطلاق.

لا ارفض بأي حال من الأحوال الاستخدام اليقظ والمصقول لهذه المصطلحات. فقد كان العديد من الصهاينة الأوائل من أوروبا نتاج محيطهم وعصرهم، واعتبروا فلسطين بمثابة مكان يحتاج إلى نوع من “المهمة الحضارية”. يمكن أن يكون للإطار “الاستعماري” قيمة في فهم جوانب عديدة كالاستيطان اليهودي وبعض الديناميكيات التاريخية -بين العرب واليهود في فلسطين- وربما -جزئياً وليس كلياً بالتأكيد- أصول العنصرية في إسرائيل.

ويمكن لهذا أن يجعلنا نفهم الكثير حول الممارسات في الأراضي المحتلة منذ عام 1967. غير أنه توجد طبقات سياقية لا تُعد ولا تحصى لهذا التاريخ، والتي تكون مفقودة حين يُستخدم مصطلح “استعماري” بشكل فج. إذ أن استخدام مصطلح “استعماري” كمرادف لكيان إسرائيل بأكمله يعوق فهماً أعمق للوضع.

يُعرَّفُ “الاستعمار” في موسوعة ستانفورد للفلسفة كالتالي: “ممارسة الاستعمار غالباً ما تنطوي على نقل السكان إلى أرض جديدة، حيث يعيش الوافدون كمستوطنين دائمين مع الحفاظ على ولائهم السياسي لبلدهم الأصلي”. واستناداً إلى هذا التعريف، ينبغي أن يكون الناس قادرين على الإجابة على العديد من الأسئلة الحاسمة، قبل تسمية إسرائيل “استعمارية” في كل جملة:

أولئك اليهود الذين وصلوا إلى فلسطين العثمانية -منذ سبعينيات القرن التاسع عشر فصاعداً- كانوا مستوطنين من الخارج، ولكن لأي حكومة يهودية بالتحديد؟ هل كانوا -قبل عشرات السنين من وعد بلفور- بيادق في يد قوة سيادية تستغل الناس أو الموارد الطبيعية في هذا الجزء من الإمبراطورية العثمانية؟ ألم يكن المستوطنون الذين يصلون إلى هنا حتى تأسيس إسرائيل -وإلى حد كبير بعد ذلك- لاجئين أو طالبي لجوء، وفق تعريف اليوم؟

لقد كانوا جزءا من حركة التحرر التي كانت تتودد إلى القوى الإمبريالية (أولاً العثمانيين، ومن ثم الإمبراطورية البريطانية)، وفي نهاية المطاف تحولوا إلى المقاومة العنيفة ضد الحكم البريطاني. تخيلَ العديدُ من المفكرين الصهاينة، ومن بينهم حنة أرندت، موطناً ثنائي القومية -بدلاً من “دولة يهودية” حصراً- أو على الأقل دولة مساواة كاملة. وقد تشوَّهت هذه الرؤية بسبب العنف القومي الثنائي منذ عام 1920 وصاعداً، ليبلغ ذروته في حرب عام 1948، غير أنّ هذه الرؤية لا تزال تلقى صدى لدى العديد من الناس الذين يعتبرون أنفسهم “صهاينة”.

مسألة السكان الأصليين

ومن ثم هناك قضية السكان الأصليين. هل كان المستوطنون اليهود معادلين حقاً للفرنسيين في الجزائر أو الهولنديين في جنوب أفريقيا؟ الحضارة اليهودية هي ظاهرة فريدة جداً – إنها ليست مجرد “دين”. وهي تفهم نفسها عبر آلاف السنين من خلال مبدأ “الشعب”. وقد حدَّدت هذه المجموعة -منذ قرون قبل الصهيونية- أرض إسرائيل بأنها موطنها. لطالما صلى اليهود في كل زاوية من الأرض من أجل “العودة إلى صهيون”. حتى اليهود الأرثوذوكس المتشددون المعادون للصهيونية ما زالوا يصلون مستخدمين النص ذاته إلى يومنا هذا.

فَكِّروا في الأسماء الاستعمارية في أميركا الشمالية: “نيويورك”، “نوفا سكوشا”، “نيو برونزويك” وغيرها من الأسماء. ليس من باب الصدفة عدم وجود أسماء مثل “نيو فيلنيوس”، أو “نيو برلين”، أو “نيو بغداد” في إسرائيل. فالأسماء العبرية مثل “جليل أو يهودا” هي جزء لا يتجزأ من الوعي اليهودي. لقد كان هناك وجود يهودي مستمر في هذه الأرض خلال العصور، ناهيك عن ذكر رحلات الحج الموثَّقة وطقوس الدفن للحكماء الربانيين والأثرياء اليهود.

وقد كانت الهجرة اليهودية في العصر الحديث بالفعل منظَّمة على نطاق كبير، بيد أن اليهود لم يكونوا المهاجرين الوحيدين إلى فلسطين خلال تلك الفترة. لماذا اعتُبر العربي الذي هاجر إلى حيفا من العراق أو لبنان في عام 1910 من السكان الأصليين، بينما اليهودي الذي وصل في الوقت ذاته من تركيا أو رومانيا اعتُبر استعماريا؟

يمكن أيضاً طرح هذا السؤال بشكل مختلف. إنْ قبلنا أن الفلسطينيين العرب هم السكان الأصليون لهذه الأرض -وأنا بالطبع أوافق على هذا- إذاً فاليهود هم السكان الأصليون لأي أرض؟ هل هم “سكان أصليون” بالنسبة لأوروبا، حيث كانوا يتعرضون للاضطهاد بشكل متكرر وفي نهاية المطاف قُضي عليهم؟ أمْ لعشرات الأراضي الأخرى حيث غالباً ما كانوا يُعتَبرون “آخرين” ويتعرضون للمضايقة، بما في ذلك الشرق الأوسط؟ لقد اِنتمى هؤلاء المستوطنون إلى الجماعة ذاتها التي انتهى بها المطاف في معسكرات الموت في أوروبا. وهذه ليست تفاصيل ثانوية، ولا ينبغي أن تُقابَلَ بسخرية.

نعم، لقد نظر العرب الفلسطينيون إلى المهاجرين اليهود الحديثين كمجرد “أوروبيين”. لكن هل جاءت “الأوروبية” أو هل جاء “البياض اليهودي” -وهي فكرة شائعة اليوم- مع ما نعتبره “امتيازاً”؟ وهل حماهم هذا من المذابح في الأماكن التي فروا منها؟ ما الذي يعنيه أصلاً أن تكون “أوروبياً” أو “أبيض”، عند الحديث عن التجربة اليهودية في أوروبا؟ وكيف يتلاءم مفهوم اليهود بوصفهم “بِيض البشرة” مع كون اليهود هدفاً أساسياً للنازية الجديدة وإرهاب التفوق الأبيض؟

أسباب وجيهة كثيرة للانتقاد المتزايد الموجَّه لإسرائيل

وأنا لا أطرح هذه الأسئلة من أجل تبرير أي خطأ تقوم به إسرائيل. فالجرائم تُرتكب وما زال الإجحاف مستمرا. ويتزايد النقد الموجه لإسرائيل نظرا للكثير من الأسباب الوجيهة. فإسرائيل نتنياهو قومية متشددة، وأحياناً عنصرية بشكل علني، ولا تُظهِرُ أي اهتمام بالوصول إلى حل للنزاع. على النقيض من ذلك: فهي تستفيد من الانقسام بين فتح وحماس، وتعمل ما بوسعها للحفاظ عليه.

وتواصل إحكام قبضتها على الضفة الغربية المحتلة بينما تطلق تصريحات تحريضية حول الضم. وهي تطيل من أمد حصارها القاسي على سكان غزة، وتوقفت منذ فترة طويلة عن القول إنَّ هذه السياسة تهدف إلى إسقاط حكم حماس. تتواطأ الحكومة الإسرائيلية الحالية مع منظمات اليمين المتطرف، كما أنها مررت “قانون الدولة القومية”، في إيماءة مهينة تجاه مواطنيها غير اليهود.

أنا أفهم الرغبة في الوقوف مع أصوات المضطهدين وتضخيمها، والفلسطينيون مضطهدون. أي شخص يتمتع بالحق في تقديم مطالب عملية من إسرائيل. غير أن تعليم اليهود أين يكونون من السكان الأصليين (وأين لا يكونون كذلك) أو حثهم على “إزالة النزعة الاستعمارية” لهوياتهم، فهذا ليس مطلباً عملياً. إضافة إلى ذلك، ليس لهذا الكلام أي شرعية أخلاقية حين يصدر من أفراد من مجتمعات طردت أو قتلت أسلافهم، مثل الألمان أو النمساويين. الأمر بهذه البساطة.

وإيجاد طرق أخرى للاهتمام بالفلسطينيين ليس أمراً مستحيلاً، كما أنه ليس مطلباً كبيراً. وقد يساعد النقد بناءً على معرفة والاعتراف بتعقيد النزاع. بينما التوقعات والتبسيط والتحيزات تعيق آفاق حل نهائي لهذا النزاع المأساوي ومنع المزيد من الوفيات ومن انتزاع الملكية.

من الواضح أنّ معظم الفلسطينيين لا يفهمون الصهيونية. وقد جاء تحقيقها في نهاية المطاف، إلى حد كبير، على حسابهم. لقد تصادف بالفعل أن عدوهم القومي هو عدو يهودي. بعض الفلسطينيين مستعدون لأخذ النقاط التي أطرحها بعين الاعتبار؛ حتى أن بعضهم نبلاء بما يكفي ليجدوا التعاطف مع منظور خصومهم. معظمهم لا يملك هذا التعاطف، وهذا أمر مفهوم.

غير أنَّ الأشخاص غير الفلسطينيين لديهم التزام أخلاقي للتفكير في الأسئلة التي أطرحها قبل إدانة إسرائيل بوصفها مجرد “استعمارية”. وهذا لا يتعلق بإسكات التضامن مع فلسطين أو التحكم بلغته، بل يتعلق بحث الجميع على فحص الوضع بشكل نقدي، بدلاً من تكرار شعارات سريعة. تماما مثلما أتوقع أن يشكك الناس في فكرة أن كل ما تفعله إسرائيل في غزة هو “دفاع عن النفس”. ليس الأمر مختلفاً.

مصطلحات الناشطين تستبعد معظم اليهود

ينبغي أن يفهم الناشطون أن ارتداء لافتة “إسرائيل استعمارية” تبعدهم عن معظم اليهود. وفي أوروبا، يعني ذلك أنها تبعدهم عن مجتمعات صغيرة من أحفاد الناجين من المجازر، ومعرضين لمعاداة سامية متزايدة. وهذا يخلق جواً يدين معظمهم، بما في ذلك المعتدلين الساعين للسلام، لعدم تأييدهم للمصطلحات “المناهضة للاستعمار” تجاه إسرائيل.

وهذا يضع اختبار مصداقية ينبغي عليهم اجتيازه من أجل كسب مكانهم في “مجتمع الصالحين”. وما يحيرني أنَّ هناك جزءاً مؤثراً من اليسار، مشهور بحساسيته التضامنية تجاه الأقليات، غير أنه لا يبدو منزعجاً من ذلك. سياسات جيرمي كوربين (رئيس حزب العمال البريطاني) والحركات الأخرى “المناهضة للإمبريالية” هي من رموز هذه الظاهرة.

وملاحظة أخيرة: كلَّا، الوضع ليس متماثلاً. إسرائيل دولة ذات سيادة وقوة عسكرية عظمى، وينبغي أن يترافق ذلك بالمسؤولية والمحاسبة. غير أن إنهاء الاحتلال لا يضمن بالضرورة السلام. إذْ يمكن أن يتبع ذلك نزاع بين الدولتين أو حرب أهلية ضمن الدولة الواحدة. وبالتالي يوجد عنصر متماثل واحد: مصالحة حقيقية مستمرة ينبغي أن تستند على القبول المتبادل للوجود الشرعي للجماعة الأخرى هنا.

لدى كلا الشعبين أسباب وجيهة للغاية للشعور بالارتباط بهذه الأرض دون غيرها. لن يغادر الإسرائيليون أبداً، ولن يدركوا أبداً أنّ وجودهم وتقرير مصيرهم في المنطقة هو مجرد استعمار وحشي، بغض النظر عن عدد “الرسائل المفتوحة” التي ينشرها العلماء. والفلسطينيون لن يغادروا أبدا، ولن يقبلوا أبداً بمستقبل يكونون فيه “ضيوف” من الدرجة الثانية على أرض يهودية حصراً. كلاهما على حق، وإن كنتم تهتمون بمستقبل الناس في هذه المنطقة، فتوقفوا عن تأجيج هذه التخيلات.

قنطرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post طالبي اللجوء في بلجيكا والعمل بالرعاية الصحية
Next post حقوق المرأة بعد 10 سنوات على الربيع العربي(( نساء العالم العربي أصبحن أكثر حرية بفضل الثورة))
%d مدونون معجبون بهذه: