المفتاح السحري لمقاومة غزة.. ما الذي تمثله الأنفاق في استراتيجية الحروب؟

رامي أبو زبيدة

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_مع انقضاء الحرب بين الفصائل الفلسطينية في غزة وإسرائيل التي اندلعت مساء 10/5/2021، وحتى فجر 21/5/2021، أحد عشر يوماً من المعارك تردد خلالها كثيراً مصطلح مترو حماس ” و”أنفاق غزة” على لسان قادة الجيش ووزير الدفاع ورئيس الوزراء الإسرائيليين، الذين تباهوا ضمن الإنجازات العسكرية التي تحققت بأنهم استطاعوا تدمير عشرات الكيلومترات من أنفاق غزة التي تعتبرها إسرائيل السلاح الاستراتيجي الأبرز لدى الفصائل الفلسطينية.

يحاول هذا المقال تسليط الضوء على أهم مبادئ الحرب المستخدمة في استِراتيجِيَّة الأَنْفاق، فالعمل المقاوم في فلسطين أصبح أكثر تطوراً، والآن هناك مفهوم إداري متقدم على مستوى فاعلية الأداء العسكري لدى المقاومة، لذا لا تقدم المقاومة على أي عمل إلا وهناك مجموعة أساسية من المهام تبدأ بالفكرة والتخطيط المستمر، والتنبؤ بالمستقبل والاستعداد له، والتنظيم لذلك العمل، ومن ثم التنسيق والتوجيه والسيطرة والقيادة.

  شكلت استِراتيجِيَّة الأَنْفاق أحد أهم وأخطر الأساليب العسكرية التي استخدمتها المُقاوَمَة في مواجهة الحروب الإِسْرائيليّة على غَزَّة، ويمكن القول إن أهم مبادئ الحرب التي تم استخدامها في استِراتيجِيَّة الأَنْفاق كانت على النحو التالي:

الإخفاء والتمويه:  

عندما نتحدث عن الإخفاء والتمويه فإن الأَنْفاق والمراكز المحفورة في باطن الأرض والمراكز المموهة والمحصنة والعتاد والأسلحة المحجوبة عن الأنظار هي خير معبِّر ومثال عنها، والأَنْفاق أحد أبرز أوجهها، وإذا أطلقنا على كل شيء تحت الأرض أَنْفاقاً، تصبح السرية هي الاحتجاب والنزول تحت الأرض، وإن التخفي والسرية تصعّب على الاحتلال استهداف المُقاوَمَة وضربها.

وتشير مجريات المعارك التي دارت بين المقاومة والاحتلال إلى أن المُقاوَمَة أرادت من وراء اعتماد استِراتيجِيَّة الأَنْفاق التغلب على المساحة الجغرافية الصغيرة لقطاع غَزَّة الساحلي، وعدم وجود تضاريس طبيعية تساعدها في التخفي من الاحتلال.

 ويقول “داني ياتوم” رئيس جهاز الموساد الإِسْرائيليّ السابق: “يوجد في قطاع غَزَّة، غَزَّة العلوية وغَزَّة السفلية، في غَزَّة السفلية شبكات غير متناهية من الأَنْفاق والخنادق المتعددة، من خلالها يستطيع المقاومون العيش والاختباء والتخفي والخروج، دون أن نتمكن من المساس بهم”.لذلك فإن أي حركة للمقاومة فوق الأرض مكشوفة، ويوجد مئات الوسائل للعدو لضربها، لذلك كانت الأَنْفاق مهمة للتمويه والاحتجاب عنه، وهي تسمح للمقاتلين بالتحرك بحرية والقرب لأقصى حد من مواقع العدو ومفاجأته ومواجهته، ولو لم تكن الأَنْفاق موجودة لفشلت معظم العمليات؛ لأن العدو يمتلك أسلحة بعيدة المدى ووسائل رؤية قادرة على رصد أي تحركات خاصة، وحين الاقتراب منه دون الأَنْفاق فهذا يؤدي لاستهداف المقاتلين ويوقع فيهم خسائر، والأمثلة عديدة لا مجال لحصرها.

المفاجأة:

المفاجأة هي القدرة على ضرب العدوّ في وقت أو مكان يفاجئه أو بطريقة تربكه، وهل هنالك من طريقة أفضل لتحقيق هذه النتيجة سوى الخروج من تحت الأرض؟ تخيل أن تكون قادراً على تجاوز العدو تماماً بحيث تتحرك تحت الأرض، ثم تصل إلى السطح، ثم تنقض عليه وتشل حركته قبل أن يبدأ بالرد، وهو مبدأ ذو بُعد عملياتي، عبر امتلاك القدرة على الانتقال في ميدان يملك فيه السيطرة الجوية والوصول للأهداف من حيث لا يتوقع.

يعترف العميد احتياط في جيش الاحْتِلال “يوسي لينغوتسيك” بأن “أول ميزة للأَنْفاق هي عامل المفاجأة، لأنها تمكنت من بناء تحصينات تحت الأرض، وقنوات للاتصال، ومنصات لإطلاق الصواريخ، وبناء مخازن للسلاح وورشات تحت الأرض لتصنيع الأسلحة، تكون بعيدة عن مرمى الطيران الإِسْرائيليّ، وبالتالي فإن وجود قواعد تحت الأرض تمكن المُقاوَمَة من تحسين قدراتها على مواجهة “إسرائيل”.

تكمن خطورة استِراتيجِيَّة الأَنْفاق في ابتعادها عن ظروف وإجراءات المواجهة التقليدية، واعتمادها على مفاجأة العدو بضربة عنيفة قاتلة، لا تدع له فرصة للنجاة والإفلات، أو تتيح له إمكانية المواجهة والتصدي والرد بالمثل.

وهذا كله حرم الاحْتِلال من إمكانية التعامل المسبق مع هذا التهديد، وإحباطه، أو التصدي له حال التنفيذ، كونه يعتمد على عامل المفاجأة الذي يربكه، وفي ظروف غَزَّة تحديداً برزت الحاجة للأَنْفاق لمفاجأة العدو.

أثبتت العمليات العسكرية خلف خطوط العدو خلال حرب غزة 2014، والعمليات الدفاعية داخل حدود القطاع التي نفذتها المُقاوَمَة، الأهمية الاستثنائية للأَنْفاق، التي أعطت المُقاوَمَة ميزة عنصر المفاجأة خلال المعارك.

الهجوم:

تتمتع المُقاوَمَة الفلسطينية بشبكة أَنْفاق وتحصينات ورؤى عملياتية مُحكمة جعلتها قادرة على المباغتة والهجوم، والوصول لنقاط الضعف في جيش الاحتلال.

وقد صمم هذا العنصر لانتهاز المبادرة والاحتفاظ بها واستغلالها؛ فالأَنْفاق تسمح للمقاتلين بالانتقال لوضعية الهجوم في ظروف ميدانية صعبة ومعقدة كما هو الحال في غَزَّة، ولولاها لكانت ظروف النجاح أقل، فالأَنْفاق تسمح للمقاتلين بالتحرك، قبل أي هجوم.

فكان للأَنْفاق دورها الهجومي بالتسلل خلف خطوط العدو، وتنفيذ عمليات هجوم على مواقع الجيش الإِسْرائيليّ مثل عمليات ناحل عوز، وإيرز، وأبومطيبق وغيرها من العمليات التي عدها المحللون العسكريون بأنها من أكبر وأجرأ العمليات في تاريخ المُقاوَمَة الفلسطينية.

المناورة:

تسهم استِراتيجِيَّة الأَنْفاق بشكل فعال في مبدأ المناورة من خلال وضع العدو في موقف ليس له فيه الأفضلية من خلال التطبيق المرن للقوة، وتتحقق المناورة من خلال الاستفادة القصوى من حركة ونقل القوات والنيران عبر الأَنْفاق، واستثمار نقاط ضعف العدو التكتيكية: انتشار خاطئ، أخطاء تكتيكية، دعم ضئيل، معنويات ضعيفة، ولتحقيق مبدأ المناورة يجب الاشتباك مع العدو في بقعة غير مستعد فيها، وهذا ما توفره الأَنْفاق لهذا المبدأ، وهو ما كان واضحاً في عملية (ناحل عوز 2014) حيث الانتشار الخاطئ، وعدم توفر الدعم، والمعنويات الضعيفة لجنود الموقع.

الردع:

منحت أَنْفاق المُقاوَمَة القدرة على خلق بيئة ترعب عدوها؛ فمنعته من القيام بالعملية البرية في غَزَّة والتعمق فيها، وهنا كان دورها في تكوين عنصر الردع، لأنها بثت القلق والرعب والهلع في نفوس الجنود والمستوطنين، وسمعنا عن الاعتصامات في مستوطنات غلاف غَزَّة، والانتقادات التي وجهها المستوطنون للقيادات الأمنية والسياسية الصهيونية، والقلق الذي ينتابهم، والهلوسات عند سماع أصوات آلات الحفر، والخشية من أن يفيقوا ذات يوم ويروا المقاتلين داخل المستوطنات.

أما بالنسبة لكيان الاحتلال في العمق، فالأَنْفاق والذكاء في استخدامها ساهم في خلق بيئة الرعب لدى الجمهور الإِسْرائيليّ، وهذه البيئة عامل ضاغط من أجل تعزيز قوة الردع (الردع يأتي من خلال خلق الرعب فيحدث ردع)، فأنت عندما تقوم بالردع للقوات بصورة مباشرة وبث الرعب للمواطنين، تعزز قوة الردع فتكون الأَنْفاق حققت دورها على وجهين؛ وجه في الميدان مباشرة، ووجه في عمق العدو وكيّ وعيه.

وجاءت سلسلة العمليات التي نفذتها المُقاوَمَة كعملية أبومطيبق والشجاعية وصوفا والواحة كعمليات عمليات استِراتيجِيَّة، وفي الجانب النفسي خلقت نوعاً من الصدمة داخل جيشه وداخل القيادة السياسية والعسكرية.

وحققت استِراتيجِيَّة الأَنْفاق حالة ردع للعدو الصهيوني، وإجباره على الانسحاب، بعد أن رفضت وحدات نخبته المقاتلة دخول عمق غَزَّة، خشية الموت الذي كان يلاحقهم من فوق الأرض وتحتها.

وللدلالة على الردع والرعب الذي خلفته الأَنْفاق، يمكن النظر إلى مدى الإحباط لدى دوائر صنع القرار والنخب في “إسرائيل”، فالأَنْفاق مكنت مقاتلي المُقاوَمَة من المس بـ”السيادة الإِسْرائيليّة”، وشكلت تحدياً لمفهوم “الأمن القومي الإِسْرائيليّ”، وتكمن المفارقة في أن الرعب الذي فاقمه خطر الأَنْفاق دفَع المعلقين الإِسْرائيليّين لبناء أساطير حول مقاتلي المُقاوَمَة الفلسطينية عن العمليات القتالية عبر الأَنْفاق.

يمكن القول إن إدارة المُقاوَمَة للمعارك في تطور مستمر، حيث اعتمدت على عدد من مبادئ الحرب التي أصابت الاستِراتيجِيَّة العسكرية الإِسْرائيليّة بضعفٍ ملحوظ، كان أبرز معالمه اعتماد “إسرائيل” في إدارتها للحرب على محاولة تدمير وإنهاء الأَنْفاق، وعليه كان للأنفاق تأثير في ثلاثة أبعاد رئيسية: العمليات النوعية، الأَنْفاق، والصواريخ، فقد استخدمت الأَنْفاق في كل الأبعاد، إما مباشراً بغرض الحركة والنقل وغيره، أو في إطلاق الصواريخ، أو الوصول لأهداف في العمل التكتيكي، وبالتالي لعبت دوراً كبيراً.

ويبدو صعباً على المُقاوَمَة الفلسطينية في ظل الظروف القائمة في غَزَّة أن تستغني عن الأَنْفاق، فهي ضرورة استِراتيجِيَّة عملياتية ولوجيستية إذا أرادت المُقاوَمَة أن تبقى فاعلة، وأي مس بها هو مس بالمُقاوَمَة مباشرة، لأنها بمثابة الأوكسجين الذي ستنشط منه المُقاوَمَة، لتبقى قوية.

 ويدرك الاحتلال الإسرائيلي أن المُقاوَمَة لا يمكن أن تتخلى عن الأَنْفاق في المستقبل، وأنها ستواصل تحسين قدراتها، لأنها استِراتيجِيَّة لا يمكن التخلي عنها، وقد تكون الحاجة للأَنْفاق في قطاع غَزَّة أكثر من أي منطقة أخرى، لأن غَزَّة محدودة المساحة ومكشوفة، وأبعادها محدودة مطوقة محاصرة، لذلك فهي مطلوبة، وفي أي حرب قادمة ستكون ضرورية؛ لأن لها مفعولاً نفسياً ومعنوياً على جيش الاحتلال ومستوطنيه.

عربي بوست

Previous post انتقادات تطال مارك روتا بسبب سياسات الحكومة الهولندية في مكافحة الفايروس
Next post كنز تحميه “لعنة القراصنة” في جزيرة البلوط
%d مدونون معجبون بهذه: