حزب الله والواقع الجديد.. هل باتت قرى الجنوب تتذمر من المناوشات الحدودية؟

خالد الحج

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_شويا، شبعا، الهبارية، حاصبيا، كفرشوبا، كفرحمام، راشيا الفخار، الماري.. وغيرها من قرى الشريط الحدودي، قدموا ما لم تقدمه أي قرى ومدن أخرى في مواجهة العدوان الإسرائيلي، وأعداد الشهداء من أبنائهم خير دليل على ذلك. هي نفسها تلك القرى التي وجدت نفسها بعد التحرير جبهة عسكرية مرة جديدة، فلم تتذمر، كونها تعتبر نفسها ارتباطاً تاريخياً للمقاومة لا بل مهد المقاومة ضد إسرائيل، فمن قبل فتح لاند، مروراً بـ”أبو عمار”، وصولاً لعام التحرير سنة 2000، كانوا ولا يزالون بأغلبيتهم مع المقاومة ضد إسرائيل، والتحق أبناؤهم بكل أنواع الفصائل المقاومة، من الشيوعية، الناصرية، القومية، اليسارية، الفلسطينية، الإسلامية، حرصاً على مقاومة المحتل.

بالعودة لسنة 2000 مع  تحرير الجنوب، شكلت هذه القرى الحاضنة الشعبية والجغرافية لحزب الله باعتباره مقاومة ضد العدو الإسرائيلي، وجاءت الانتخابات النيابية والبلدية كدليل مادي على قوة شعبية حزب الله في هذه المناطق، على الرغم من أنها قرى في التوزيع الطائفي سنية، درزية، مسيحية، إلا أن أحداً لا يستطيع نفي قوة العلاقة التي ربطت أهل المنطقة بالمقاومين من حزب الله، وكان مع كل عمل حربي يقوم به الحزب، يجد أبناء هذه القرى، يدعمونه بكل ما أوتوا من قوة، فيشاركونهم بيوتهم وشوارعهم، ويقدمون لهم أرضهم كساحة للمعارك، وكم عمروا بيوتهم أكثر من 7 مرات، ولم يكونوا يمانعون أن يعيدوا إعمارها للمرة الـ14.

مع اغتيال الحريري سنة 2005 واندلاع حرب تموز 2006 وانقسام البلد بين حلف ٨ آذار وحلف ١٤ آذار انقسم أهل هذه القرى بين الحلفين، إلا أن الثابت دائماً خلال هذه الفترة أن توجهات القرى كانت ثابتة في موضوع المقاومة، وهو الأمر الذي صار يشكل حساسية في أي نقاش يتعلق بموضوع سلاح حزب الله.

انتهت حرب تموز وجاءت مشاركة حزب الله في القتال بسوريا، والعمليات التي أصبح يقوم بها الحزب انطلاقاً من قرى العرقوب، رداً على قصف مواقعه في سوريا، علماً بأن لِلبنان قضية أخرى وأرضاً محتلة أخرى لا تقل أهمية عن مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وسبق للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله أن أشار إليها وهي القرى السبع المحتلة وهي قرى بأغلبيتها شيعية (طربيخا، صلحا، قدس، المالكية، إبل القمح، هونين وإقرط).

بعد تجربة لأبناء قرى المواجهة الذين وجدوا أنفسهم مع المقاومة لكنهم لا يستطيعون أن يكونوا مقاومة، وجدوا أن دورهم مقتصر على أن يبقوا “متفرجين”، أن تستعمل أراضيهم وبيوتهم وشوارعهم في المعارك ويقتصر أمر أهلها في حال المشاركة على بعض الأدوار اللوجستية الصغيرة على الرغم من أن أرضهم هي المحتلة وهم الأجدر بتحرير أرض أجدادهم، فإنهم شعروا وكأن النظام الاجتماعي/الديني لحزب الله يجعلهم في دائرة اللاثِقة.

كان باستطاعة الحزب أن يستثمر أكبر في هذه القرى، بأن يساويها ببنت جبيل ومارون الراس ويعامل أبناءها معاملة أصحاب الأرض وأصحاب الحق في المقاومة، وأن يعطيهم هامشاً في العمل المقاوم لا أن يحصر دورهم بشكل هامشي في السرايا -التي يعلم اللبنانيون الصبغة الاجتماعية الهامشية لها- أو بأدوار لوجستية صغيرة.

فبدلاً من أن يأتي ابن جويا وجبل الصافي مشكوراً، الأجدر بابن مزارع شبعا تحرير أرضه، وهو الأمر الذي كان ممنوعاً، والكل يذكر الدكتور حسين عطوي، الذي ينتمي إلى الجماعة الإسلامية (الإخوان المسلمون في لبنان)، حين أطلق بالتعاون مع فلسطينيين صواريخ قديمة الطراز نحو فلسطين المحتلة، فلم يبقَ جهاز أمني في لبنان إلا تحرك لتوقيفه، واعتَبر النائب السني البعثي في المنطقة أن هذه الصواريخ عبثية تهدد الاستقرار في الجنوب، علماً بأن النائب نفسه من أحد أسباب تراجع شعبية حزب الله في المنطقة، إذ إنه وإن كان لا يُعتبر من حصته في الانتخابات، فإنه يحصل على أصوات الشيعة ومنها أصوات حزب الله ليدخل في الندوة البرلمانية كممثل عن الطائفة السنية في المنطقة وهو الحاصل على أصوات ضئيلة من  طائفته، وبعيدا عن فرضه ممثلاً بالقوة الديمغرافية، فإنه فشل في متابعة الكثير من الملفات التنموية للمنطقة المحرومة ويكاد حضوره أن يبقى هامشياً، هذا إن لم نقل إنه حضور لا يُذكر.

زادت ثورة تشرين وانهيارُ الوضع الاقتصادي والاجتماعي من الهوة بين حزب الله وأهل هذه القرى، فانهيار سعر الصرف كان له أثر كبير على هذه القرى المحرومة، فهي أيام العز في لبنان كانت تعاني، وكانت تقبض على الجمر مع كل عمل حربي في المنطقة، فعملية ترميم ما تهدم من الأعمال الحربية أصبحت اليوم تشكل هاجساً للناس مع الأرقام الخيالية لسعر صرف الدولار، والحرائق التي تتعمدها إسرائيل تهدد محاصيل سنة لبعض المزارعين، وإن كانت أشجاراً فالكارثة أكبر، وهذه القرى بالأساس أكثريتهم يعملون في الزراعة، مع الأخذ بعين الاعتبار وللموضوعية أن أعمال حزب الله الحربية لا تكون بين البيوت وإنما على الأطراف وبين الأشجار، وهو يلتزم باتفاق نيسان (يلتزم الطرفان ضمان ألا يكون المدنيون في أي حال من الأحوال هدفاً لهجوم، وألا تستخدم المناطق المأهولة بالمدنيين والمنشآت الصناعية والكهربائية كمناطق لشن هجمات منها) إلا أن الرد الإسرائيلي بترسانته التخريبية من قذائف حارقة وصواريخ الطائرات المدمرة تجعل من عملية الانتقام أراضي المزارعين مسرحاً لها.

بهذه الأسباب مجتمعة يمكن ترجمة عملية اعتراض أهل شويا للراجمة الصاروخية بعد عودتها، علماً بأنها ليست المرة الأولى التي تدخل راجمة إلى شويا والمنطقة، فقد سبقتها آلاف الراجمات التي وجدت في المنطقة الحضن الدافئ والعين الساهرة، إلا أن حزب الله كما باقي الأحزاب يرفضون التعامل مع الواقع الجديد الذي بدأ مساره من 17 تشرين.

عربي بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post أرباح خيالية خلال شهور لشركات لقاح الكورونا
Next post كوارث جديدة والعالم لم يعد قادراً على وقف الاحتباس الحراري
%d مدونون معجبون بهذه: