تقييم دور المحور الفرنسي الألماني

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_ يمكن اعتبار العلاقة الفرنسية الألمانية علاقة استثنائية  داخل التكتل الأوروبي، وهناك رهان  فرنسي ألماني على بناء علاقات قوية من أجل إصلاح الاتحاد الأوروبي  وللتصدي على محاولات تفككه وانهياره. يعد المحور الفرنسي- الألماني منذ الستينيات لبنة هامة في مسيرة البناء الوحدوي الأوروبي ولتعزيز سبل التعاون الوثيق داخل الاتحاد الأوروبي. حيث ترتبط المصالح الألمانية الفرنسية ارتباطا وثيقا يبعضها البعض، وتعمل الدولتان على تعميق تعاونهما في السياسة الخارجية والدفاع والأمن الداخلي والخارجي لتعزيز قدرة أوروبا على العمل المستقل

المحور الفرنسي الألماني  – الاتحاد الأوروبي 

ظهر المحور الألماني الفرنسي  من أجل تعزيز دور الاتحاد الأوروبي إقليميا ودوليا والنهوض به، بعد التهديدات التي تواجه التكتل خصوصا أنه أصبح يعاني من التفكك والانهيار. يمكن وصف المحور الألماني الفرنسي انه محاولة معقدة وصعبة للحفاظ على وحدة الاتحاد وعدم تفككه. وبدأت مساعي فرنسا لزعامة أوروبا منذ انتهاء الحرب الباردة.

تعزيز المحور الفرنسي الألماني ليست فكرة مستحدثة ففي 22 يناير 1963 وقعت ألمانيا وفرنسا “معاهدة الإليزيه”. وسطع نجم المحور الألماني الفرنسي على الساحة بالتزامن مع إجراءات خروج بريطانيا من الاتحاد  الأوروبي في العام 2017. وحظيت فكرة زعامة فرنسا للاتحاد الأوروبي بقبول عام عند الألمان، إذ تتفوق فرنسا عسكريا وتمتلك سلاحا نوويا بالإضافة أنها عضو دائم في مجلس الأمن.

علاقات اقتصادية قوية

ألمانيا هي الشريك التجاري الرئيسي لفرنسا، حيث استوردت (69.84 ) مليار يورو من السلع والخدمات من فرنسا في عام 2019 وصدرت (84.8) مليار يورو في المقابل. ألمانيا أقل اعتمادًا على فرنسا في التجارة. احتلت فرنسا المركز الرابع منذ عام 2017، بعد الصين وهولندا والولايات المتحدة. منذ عام 2016 ، كانت فرنسا ثالث أكبر مورد لألمانيا بـ(حصة 5.9٪) وثاني أكبر عميل (7.9٪).

يتشابك ويتكامل الاقتصاد الفرنسي والألماني للغاية حيث يوجد (2737) شركة فرنسية في ألمانيا (تمثل 30٪ من الموجودين في الخارج في منطقة اليورو) ويعمل بها (363000) شخص. وفقًا للمعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية (INSEE)، تم تأسيس (3200) شركة ألمانية في فرنسا ، يعمل بها (310.000) شخص.

المواقف المشتركة للمحور الفرنسي ودوره في حل الأزمات – الاتحاد الأوروبي 

تتطور العلاقات بين ألمانيا وفرنسا بشكل مستمر، وتأتي معاهدة آخن ارتباطاً بتاريخ معاهدة الإليزيه. ففي 22 يناير 2019 وقعت ألمانيا وفرنسا “معاهدة أخن” تنص المعاهدة على تنسيق أوثق في السياسة الأوروبية على جميع الأصعدة فمثلا

على صعيد الأمن: يعمل البلدان على “تعميق تعاونهما في السياسة الخارجية والدفاع الداخلي والخارجي” و إنشاء مجلس دفاع وأمن فرنسي ألماني الهدف منه  بناء” قوة عسكرية مشتركة” “تساهم في إنشاء جيش أوروبي”.

على صعيد الدبلوماسية: يعتبر قبول ألمانيا “كعضو دائم” في مجلس الأمن الدولي “من أولويات الدبلوماسية الفرنسية الألمانية”. عبر تنسيق البلدان مواقفهما داخل الأمم المتحدة ويسهلان “المواقف الموحدة” للاتحاد الأوروبي داخل الأمم المتحدة.

أكدت “زابينه فون أوبلن” الخبيرة في جامعة فرايه أونيفرستيت ببرلين في 18 يونيو2021 أن “العلاقة مع ماكرون الذي يتشارك وميركل الحس العملي نفسه، كانت بالتأكيد أفضل بكثير”من العلاقة مع ثلاثة رؤساء فرنسيين آخرين تعاملت معهم هم جاك شيراك (2005-2007) ونيكولا ساركوزي (2007-2012) وفرنسوا هولاند (2012-2017). لكن البدايات كانت صعبة.

 لقاءات متبادلة مابين فرنسا وألمانيا

عقد مؤتمر عبر الإنترنت بين الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” والمستشارة الألمانية “أنغيلا ميركل” في فبراير 2021 حول قضايا الدفاع والأمن. والتقي “إيمانويل ماكرون” الرئيس الفرنسي في 20 أغسطس 2020 المستشارة الألمانية “أنغيلا ميركل” بحصن “بريغانسون”، جنوب فرنسا لبحث القضايا ذات الاهتمام المشترك، بدءا بالأزمة الاقتصادية التي تعصف بأوروبا بسبب تداعيات أزمة كوفيد-19 إلى الوضع في بيلاروسيا ولبنان، فضلا عن “السياسة التوسعية” التي تتبعها تركيا حسب ماكرون و”المناهضة للمصالح الأوروبية والمزعزعة للاستقرار”. واستقبلت المستشارة الألمانية “أنغيلا ميركل” في 29 يونيو 2020 الرئيس الفرنسي “إيمانويل” وناقشا الطرفان عدة  ملفات ساخنة من بينها الهجرة مرورا بالبريكسيت والعلاقات مع الولايات المتحدة والصين.

مواقف مشتركة البلدين خلال عام 2021 الاتحاد الأوروبي 

ظهر خلاف كبير بين باريس وبرلين، منذ الأزمة الليبية عندما تزعمت فرنسا هجوم قوات حلف الناتو بينما نأت ألمانيا بنفسها عن أي تدخل عسكري وعندما تعمقت الأزمة الليبية بقيت برلين على خط التمسك بمسار الأمم المتحدة لتسوية الأزمة عبر الحوار بين الفرقاء الليبيين، في حين انخرطت فرنسا في الصراع. وجاءت معاهدة آخن، لتعطي جرعة للتنسيق الألماني الفرنسي والأوروبي بشكل عام، ولاحت بوادر تقارب بين الشركاء الأوروبيين ( فرنسا وألمانيا وإيطاليا) حول الأزمة الليبية عندما استضافت برلين في يناير 2020 مؤتمر ليبيا.

تأييد للإستراتيجية الأوروبية بطلب اللقاحات: شدد الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” والمستشارة الألمانية “أنغيلا ميركل” على تمسكهما بصوابية إستراتيجية التزود باللقاحات المضادة لفيروس كوفيد 19 التي وضعتها المفوضية الأوروبية. وجدد “ماكرون” تأييده “تماما المقاربة الأوروبية التي اتبعناها”. فيما رأت “ميركل” أن قرار طلب اللقاحات بشكل مشترك كان ولا يزال “صائبا”، لكنها أقرت بأن “القدرات الإنتاجية ليست كبيرة كما كنا نتصور”.

اتفاق حول أفغانستان : أكد ” كليمان بون” سكرتير الدولة الفرنسية للشؤون الأوروبية في 19 أغسطس 2021 ، أن بلاده لن تعترف بنظام حركة طالبان في كابل. و لاتجري فرنسا أي اتصال سياسي مع طالبان، بالإضافة أنه لن يكون هناك تهاون أو مجاملة مع نظام طالبان. قررت السلطات الألمانية  في 17 أغسطس2021 قطع المساعدات الاقتصادية لأفغانستان بعد سيطرة حركة “طالبان” على الحكم.

أشار “ياكوب روس الخبير” لدى مركز الأبحاث الألماني المجلس الألماني للعلاقات الخارجية في يونيو 2021، إلى أنه “رغم الاختلافات لطالما رص الثنائي الفرنسي الألماني الصفوف خلال الأزمات”. فمع “ساركوزي” حصل ذلك بشأن أزمة اليورو والدين ومع “هولاند” بشأن أزمة الهجرة والاعتداءات التي ارتكبها متطرفون. أما مع “ماكرون” فكانت الجائحة محرك هذا الموقف.

تقييم  – الاتحاد الأوروبي 

تتطلع ألمانيا إلى الداخل قبل انتخابات سبتمبر2021 ومع اقتراب حقبة “أنجيلا ميركل” من نهايتها وعلى هذا الأساس، يتقدم “إيمانويل ماكرون” و”ماريو دراجي” لملء الفراغ لقيادة الاتحاد الأوروبي لاسيما أن لدى فرنسا وإيطاليا العديد من نقاط التقارب حول القضايا الاجتماعية والاقتصادية والمتعلقة بالميزانية وكذلك حول التحولات البيئية والرقمية.” ويقول “مارك لازار” ، أستاذ التاريخ السياسي وعلم الاجتماع في  27 يوليو 2021: ” هناك علاقة وثيقة بين البلدين للغاية ربما ليس لها سابقة تاريخية منذ عام 1945″.

ويلف الغموض الوضع السياسي من الجانب الألماني مع انتهاء حقبة المستشارة الألمانية ” أنغيلالا ميركل” وكذلك الجانب الفرنسي مع انتخابات رئاسية العام 2022 قد يكون لليمين المتطرف دور كبير فيها. وفي هذا السياق، قال: باسنر “سندخل قريبا مرحلة جمود” لن تشهد اطلاق أي مشاريع جديدة حتى منتصف 2022 على الأقل. كما يواجه المحور الفرنسي الألماني العديد من التحديات منها ارتفاع شعبية الأحزاب السياسية اليمينية المتطرفة في شعبيتها في العديد من الدول الأوروبية كاالمجر  حزب (جوبيك) وبولندا (PiS).

تشير التقديرات إلى أن فرنسا هي الدولة الأقرب مستقبلا لقيادة  أوروبا وذلك لعدة أسباب منها  امتلاكها السلاح النووي، بالإضافة أنها عضو دائم بمجلس الأمن وتمتلك حق النقض “الفيتو”، فضلا عن  انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لكن رغم تلك التقديرات ، فرنسا بحاجة كبيرة إلى ألمانيا.

تتقاسم برلين وباريس المسئولية لزعامة الاتحاد الأوروبي وإعادته إلى مكانته. كذلك يتقاسمان المسئولية لترتيب البيت الداخلي داخل التكتل في ضوء احتمالية انسحاب دول أخرى من الاتحاد الأوروبي.

نجد أن هناك مستوى عال من التفاهم بين فرنسا وألمانيا حول عدد من القضايا داخل وخارج الاتحاد الأوروبي فعلى الصعيد الداخلي  نجد تأييدا فرنسيا ألمانيا للإستراتيجية الأوروبية بطلب اللقاحات.  وعلى الصعيد الخارجي نجد هناك اتفاق فرنسي ألمانيا حول تعزيز الجهود لإنقاذ لبنان من أكبر أزمة تواجهه منذ الحرب الأهلية عبر خارطة للإصلاح وإعادة الأعمار حتى يتسنى صرف مساعدات دولية. وفي  أفغانستان هناك أتفاق حول عدم التهاون مع حركة طالبان وعدم الاعتراف بها.

أصبح من المتوقع أن تتغير الأمور قليلاً في المستقبل بين ألمانيا وفرنسا، لكن  بالنسبة للدبلوماسيين الفرنسيين ، ألمانيا هي الأولوية دائمًا”. وأياً تكن الخلافات بين برلين وباريس فكلاهما يحتاج  إلى الآخر لتعزي مكانة الاتحاد الأوروبي  ولحمل دول التكتل الأوروبي لقبول  بالأطروحات الفرنسية والألمانية التي لا خلاف بشأنها بين البلدين.

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب و الإستخبارات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post لمحة عامة عن «حركة حزب الله النجباء»
Next post حالة التحقيق؟ «المحكمة الجنائية الدولية» و “الوضع في فلسطين”
%d مدونون معجبون بهذه: