أغاني “بوب الزعفران” تبث الحقد في قلوب الهنود

تيل فيندَرْس

ترجمة: رائد الباش / ع.م

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_فيديوهات أغاني موسيقيين قوميين متطرفين تمجد العنف والحاكم الشعبوي وتحظى بشعبية كبيرة لدى المتشددين الهندوس الساعين لتحويل الهند من دولة مدنية تعددية إلى أمة هندوسية بلون واحد تقصي مسلمي الهند ومسيحييها وداليتها. الصحفي تيل فيندَرْس شاهد فيديو كليبات من موسيقى “بوب الزعفران” وحاور أحد مغنيها.

صور انفجارات وجنود سائرين تتخللها لقطات سريعة ومَّاضة لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي تظهر على الشاشة في فيديوهات المغنِّي الهندي سانجاي فايز أبادي الموسيقية البعيدة كلّ البعد عن القدرة على التمييز الدقيق بين الأمور.

في بداية أحد فيديوهاته يظهر المغني نفسه ووجهه وأسنانه  ملطَّخة بالدماء -على ما يبدو- ورأسه معصوب بوشاح أسود وعلى جزء جسمه العلوي قميص مموه بالألوان، ثم تلوح في الأفق قلعة قديمة وطائرات مقاتلة محترقة وسفن حربية منفجرة ودبابات سائرة عبر أرض وعرة.

وبعد ذلك يظهر وجه ناريندا مودي وكذلك سياسيون دوليون  آخرون مثل دونالد ترامب وبجانبه (الرئيس الصيني) شي جين بينغ، وخلال ذلك يغنِّي سانجاي فايز أبادي قائلا: “نحن قادرون على تشتيت الأعاصير وسحق الجبال! اسمع جيدًا يا عدو الأمة: كلُّ هندي هو قنبلة نووية!”.

مزيج من الفخر الوطني والعسكرة والتحريض ضدَّ البلد المجاور باكستان تتسم به فيديوهات أغاني هذا المغنِّي الهندي مما يجعلها تحظى بشعبية كبيرة في الهند في عهد رئيس الوزراء الشعبوي مودي، فمثلا شُوهِدَ العمل الرديء -المذكور أعلاه- على موقع يوتيوب عشرة ملايين مرة تقريبًا، وشُوهِدَ فيديو كليب آخر للمغنِّي سانجاي فايز أبادي خمسة عشر مليون مرة.

وليس هذا المغنِّي إلا واحدًا من مجموعة موسيقيين عديدين حقَّقوا نجاحًا متزايدًا في الهند بأغانيهم القومية المتطرِّفة، بفضل تغنيهم بالأمة الهندية الخالدة ومدحهم لآلهة الهندوس وتهجُّمهم على المسلمين وعلى باكستان، مشكّلين اتجاها موسيقيًا معروفًا أيضًا باسم “بوب الزعفران”، على اسم اللون المقدَّس عند الهندوس والذي يعتمدُهُ القوميون الهندوس -المشكِّلون للحكومة منذ عام 2014- كعلامة مميَّزة لهم أيضًا.

تزايد الهجمات على المسلمين

ونجمة هذا المشهد الموسيقي هي مغنية في الثلاثين من العمر اسمها لاكْسمي دوبي حققت أغانيها المصورة ما بلغ أربعين مليون مشاهدة، وهذا عدا عن حفلاتها الموسيقية التي تَظهَر فيها بملابس فخمة فاخرة وسط حاشية من الموسيقيين يصل عددهم إلى نحو عشرين موسيقيًا، مرددةً بشكل دائم في أغانيها عبارة “جاي شري رام”، التي تعني: “النصر للإله راما” أو “المجد للإله راما”.

المحتوى الديني هو ما يتجه إليه بشكل متزايد -مثلما تُظهِر قناته على موقع يوتيوب- أيضا المغني سانجاي فايز أبادي المولع والشغوف بموضوعات الجيش والحرب والعدو اللدود باكستان، فقد ظهر في أحد فيديوهاته الأخيرة أمام مشاهد من معابد وهو يرتدي رداءً بلون الزعفران بدلاً من الملابس العسكرية المموَّهة.

موسيقى بوب ​​الزعفران تشكِّل خلفية موسيقية لسياسة شعبوية تتحوَّل فيها الهند أكثر فأكثر من دولة علمانية تعدُّدية إلى دولة هندوسية في عهد حكومة رئيس الوزراء القومي الهندوسي ناريندرا مودي وحزبه بهاراتيا جاناتا، الذي ازدادت فيه الهجماتُ على المسلمين وتفاقم فيه تهميش الأقليات الأخرى مثل المسيحيين، وكذلك الداليت الذين كانوا سابقًا “منبوذين ومن المحظور عليهم مساس الناس الآخرين” في الهند بسبب تصورات تراهم “أرجَاسًا ملوِّثين”.

كثيرًا ما يكفي مجرَّد الشكّ في أنَّ مسلمًا قد أساء معاملة بقرة أو ذبحها من أجل ضربه ضربًا مبرحًا بقسوة، وقد قُتِلَ عشرات المسلمين في مثل هذه الحوادث من قِبَل حشود خارجة عن القانون، وهو ما جعل الناقدين يتَّهمون ناريندرا مودي وحزبَه بالسعي إلى تحويل الهند العلمانية والتعدُّدية إلى “هندوس راشترا” أي إلى أُمّة هندوسية.

مغنٍ قدوته الديكتاتور النازي أدولف هتلر

التقينا بالمغنِّي سانجاي فايز أبادي في استوديو تسجيل بإحدى ضواحي العاصمة الهندية دلهي، في وقت لم تكن فيه جائحة كورونا قد أحكمت سيطرتها على العالم مثلما الحال في هذا الوقت من عام 2021، والاستوديو واقع في أحد الطوابق العليا داخل مبنى إيجار سكني هندي نمطي، وبعد حديث قصير معه في البداية وقف المغنِّي خلف اللوح الزجاجي في داخل حجرة التسجيل الصغيرة بينما يدوي من مكبِّرات الصوت إيقاعُ ديسكو سريع مصحوبًا بآلات وترية تعزف ألحانًا صاخبة، ثم يقول سانجاي عبر الميكروفون: “يا أبناء بلدي الأعزاء، أقدِّم لكم أغنية جديدة. إذا أعجبتكم، فامنحوني بركتكم. عاشت الهند”.

 ليجلس في غرفة انتظار الاستوديو، متابعًا القول إنَّ الموسيقى في الواقع هواية بالنسبة له، وإنه في العادة يقوم هو نفسه بعملية تقطيع ومونتاج الفيديوهات للموسيقيين الآخرين، مضيفًا: “أنا لا أفعل هذا من أجل المال”، ومؤكدًا أنَّ فيديوهاته على موقع يوتيوب بدأت مؤخرًا فقط في تحصيل بضعة آلاف من اليوروهات، ومستدركاً بالقول: “أحيانًا أحصل من ضبَّاط عسكريين على بضعة آلاف من الروبيات من أجل ذكر أسمائهم في واحدة من أغنياتي”.

من الواضح أنَّه فخور بأنَّ فيديوهاته تحظى بشعبية واسعة. ويضيف أنَّه نشر حتى الآن أكثر من ستين مقطع فيديو على الإنترنت، ثم يقول سانجاي فايز أبادي مدَّعيًا: “لم أحصل على أي تعليق سلبي!” على فيديوهات أغانيه في موقع يوتيوب.

يقول إنَّ موسيقاه ليست موجَّهة ضدَّ المسلمين في حدّ ذاتهم، بل ضدَّ الإرهابيين المدعومين من باكستان، ولا يُخفي هذا الرجل مَنْ هم الأشخاص الذين يعتبرهم قدوةً له، قائلًا إن أحدهم هو أدولف هتلر، الذي يصفه بأنَّه مصدر “إلهام” له، ثم يقول سانجاي فايز أبادي إن قدوته الآخر هو رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، الذي يشيد هذا المغني في واحدة من أغانيه بصدره الأسطوري العريض، لأنَّه كما قال من قبل يحبّ رئيس الحكومة، مضيفًا أنَّ هذا لا يعني أنَّه يسمح باستغلاله واستغلال أغانيه من أجل حزب ناريندرا مودي.

معبدٌ هندوسي بدل مسجد

ينحدر هذا المغنِّي -مثلما يوحي اسمه- من مدينة فايز أباد -في ولاية أوتار براديش شمال الهند- وهي مدينة واقعة بالقرب من مدينة أيوديا المقدَّسة لدى الهندوس نظرًا لِما يُقال من إنَّ إلَهَهُم راما وُلد فيها، وفي هذه المدينة -مدينة أيوديا- كان حشدٌ من الهندوس قد اقتحموا مسجدًا في عام 1992 بالمجارف والحبال وبأيديهم العارية، معتقدين بأنَّ الحاكم المغولي المسلم بابور قد بنى هذا المسجد في عام 1528 فوق أرض معبد كان يحدِّد مسقط رأس الإله راما.

وحول هدم المسجد يقول المغنِّي سانجاي فايز أبادي إنَّه هو نفسه كان في ذلك الوقت لا يزال صغيرًا في العُمر لدرجة أنه لم يتمكن من أن يكون في مقدمة المشاركين في تدمير المسجد، ولكنه يستدرك قائلًا إنه ساعد في توزيع الطعام على إحدى المجموعات المشاركة في الهدم.

يتساءل هذا المغني في إحدى أغانيه: “من لديه القوة لمنعنا من بناء المعبد؟”، علمًا بأن بناء معبد هندوسي في هذا المكان يُعتَبر مشروعًا مركزيًا لدى القوميين الهندوس، وقد قرَّرت المحكمة العليا عام 2019 بالسماح ببناء المعبد وذلك بعد سنوات من التقاضي.

وقد وضع في عام 2020 رئيسُ الوزراء ناريندرا مودي حجر أساس المعبد وهو سبيكة فضية وزنها أربعين كيلوغرامًا. وفي هذا الصدد يقول سانجاي فايز أبادي إنَّ رئيس الوزراء ناريندرا مودي صنع التاريخ من خلال جعله بناء المعبد ممكنًا.

إنه بناء يُبيِّن أيضًا أنَّ القوميين الهندوس قد أحرزوا تقدُّمًا في طريقهم إلى التحوُّل إلى أُمَّة هندوسية – أيضًا بمساعدة موسيقى بوب الزعفران.

فرانكفورتَر ألغماينه تسايتونغقنطرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post تداعيات الإنسحاب الأميركي من أفغانستان على حلف الناتو
Next post موارد للتحقيق الصحفي الاستقصائي بتجارة الأسلحة العالمية وتتبع صفقات التسليح
%d مدونون معجبون بهذه: