السبب الحقيقي للخسارة المدوية للإسلاميين في المغرب

فراس أبو هلال

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_طرح المراقبون والمختصون في الشأن المغربي على حد سواء عدة أسباب لتفسير الخسارة الثقيلة والمدوية  لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية والجهوية قبل يومين، وهي أسباب سنستعرض بعضها هنا ونعتقد أنها كلها صحيحة، ولكنها تبقى تفسيرات فرعية ناتجة عن السبب الحقيقي للخسارة.

نعني بالسبب الحقيقي عاملين متلازمين، أولهما طبيعة النظام الديمقراطي المغربي بعد دستور 2011، وثانيهما فشل العدالة والتنمية في السنوات الأربع الماضية بالتعامل مع الهوامش الضيقة التي يتيحها هذا النظام. لا يمنح النظام السياسي في المغرب الكثير من المساحة والصلاحيات لحزب الأغلبية ورئاسة الحكومة. ومع أن طبيعة هذا النظام الدستوري معروفة للعدالة والتنمية ولجمهورها وناخبيها على حد سواء، وبرغم أن الحزب أعلن مرارا أنه يعمل تحت سقف هذا الدستور، إلا أن ما جعل الخسارة مضاعفة وغير متوقعة من قبل الحزب ومؤيديه وخصومه هو أن قيادة الحزب وعلى رأسها الدكتور سعد الدين العثماني لم تتمكن من أي مناورة في المساحة الضيقة المتاحة لها في الدستور خلال السنوات الأربع الأخيرة، وهو ما يمكن أن يفسر فداحة الخسارة، بمقابل تمكن رئيس الحزب السابق عبد الإله بنكيران من الحفاظ على الأغلبية في انتخابات 2016 بالرغم من أنه عمل تحت نفس سقف النظام السياسي والدستور الذي عمل تحته العثماني وقيادة الحزب المعاونة له.


لو استعرضنا أهم الأسباب المطروحة للخسارة – والتي نتفق مع صحتها – لوجدنا أنها نتيجة للسبب الرئيسي، وهو طبيعة الدستور وفشل قيادة الحزب والحكومة بالتعامل معه، وهذه بعض الأمثلة:

– الانقسام داخل حزب العدالة والتنمية: معلوم أن الخلافات في أي حزب أمر طبيعي، وقد كانت موجودة دائما في حزب العدالة والتنمية، ولكنها تحولت لانقسام عمودي خطير منذ أن وافق رئيس الحكومة سعد الدين العثماني على قبول التكليف برئاسة الحكومة بديلا لزعيم الحزب السابق بنكيران، بعد انسداد سياسي استمر لأشهر وفشل الأخير بتشكيل حكومة لأنه رفض شروطا تتعلق بأسماء الوزراء. تعامل بنكيران مع قبول العثماني للتكليف باعتباره طعنة في الظهر، وهو ما حول الخلافات في الحزب إلى انقسام حقيقي، أثر على نتيجة الانتخابات الحالية.

لم يكن من الممكن تكليف العثماني برئاسة الحكومة لولا طبيعة الدستور الذي يتيح ذلك للملك، ولم يكن الانقسام داخل الحزب ليحصل لو استخدم العثماني الهامش الذي يتيحه الدستور واعتذر عن التكليف!

تراجع الحزب عن شعاراته الاسلامية والهوياتية: ويقصد بذلك ثلاث قضايا رئيسية، وهي توقيع العثماني اتفاق التطبيع مع الاحتلال “الإسرائيلي”، ودعم الحزب لقانون التعليم الذي يجعل الفرنسية لغة معتمدة مثل العربية في التعليم، وطرح الحكومة التي يقودها الحزب قانونا لتقنين القنب الهندي “الحشيش” الذي حُسب على الحزب بسبب طرحه من قبل حكومة يرأسها زعيمه، رغم أن نوابه لم يصوتوا لصالح القانون. هذه القضايا أظهرت الحزب متناقضا أو “منافقا” بنظر البعض، فأدت إلى خسارة قطاع مهم من مؤيديه، من المتوقع أن يكون بعضهم قاطع الانتخابات فيما صوت بعضهم لحزب الاستقلال الذي يمثل هو الآخر حزبا معارضا ومحافظا (جذوره سلفية عروبية). وبحسب مصدر مغربي تحدث لـ”عربي21″، فإن حركة التوحيد والإصلاح لم تعمل لصالح الحزب في هذه الانتخابات كالمعتاد بسبب هذه القضايا، ما فاقم من خسارة الحزب. هذه التناقضات لم تكن لتحدث لولا القوة والسلطة التي تمتلكها الدولة العميقة والقصر وفق الدستور، فقد استطاعت الدولة أن تضغط على العثماني وقيادة الحزب لتنفيذ أجندة تتناقض مع أجندته وشعاراته، وفي نفس الوقت فشل العثماني وقيادة الحزب أن يتحركوا في الهامش الذي يتيحه لهم الدستور، حيث كان بإمكانهم أن يرفضوا التصويت لقوانين تتناقض مع مبادئهم المعلنة، وكان يمكن للعثماني – دستوريا – أن يعتذر عن توقيع اتفاق التطبيع مع الاحتلال، لأنه بروتوكوليا ليس مسؤولا عن السياسة الخارجية التي يصنعها القصر حسب الدستور. كان يمكن للعثماني أن يحافظ على قاعدته الشعبية لو تحرك وقاوم فقط حسب ما يضمنه له الدستور!

فشل الحكومة في تحقيق إنجازات اقتصادية وحقوقية: بدون الخوض في تفاصيل لا تعني القارئ غير المغربي، يمكن القول إن الحكومة فشلت في تحقيق اختراقات في الملفات الاقتصادية والنقابية وحقوق الإنسان، وهو ما أضر بصورة حزب العدالة والتنمية أمام الناخبين، وأدى لحصول تصويت عقابي ضده حسب محللين ومطلعين على الشأن المغربي.

يعزى الفشل في هذه الملفات أيضا للسبب الرئيسي الذي أشرنا إليه سابقا، فالحزب الأغلبي لا يملك الكثير من الحقائب الحكومية المؤثرة، كما أنه لا يملك الكثير من الصلاحيات بحسب الدستور. يضاف إلى ذلك أن الحزب لم يمتلك قيادة “شعبوية” تستطيع أن تستخدم الهوامش المتاحة في النظام السياسي المغربي لتوضح حقيقة صلاحيات الحكومة التي هي أعجز من أن تحقق الكثير في مجال تدبير الشأن العام، بل إنها مارست التماهي شبه التام مع سياسات لم تقم هي بصناعتها، ودافعت عنها، وأصبحت تمثل واجهة لفشل الدولة، رغم أنها ليست سوى حلقة ضعيفة في دواليب هذه الدولة.


يمكن أن نستعرض كافة الأسباب التي طرحها المراقبون والمحللون لخسارة العدالة والتنمية، والبرهنة على أنها حصلت بسبب طبيعة الدستور وفشل الحزب في التعامل معه. قد يقول البعض إن هذه الخلاصة تعني فشل خيار المشاركة السياسية تحت هكذا دستور، ولكن الشجاعة الأكبر من قبل الأحزاب ليست هي المقاطعة، بل في الاشتباك السياسي وفق أقصى ما تسمح به قواعد اللعبة، واستخدام أكبر هامش ممكن ضمن هذه القواعد، والعمل من داخل “الحلبة” لضمان قواعد لعب أنظف وأكثر تمثيلا وعدالة!

عربي 21

Previous post أمير المشرق الشجاع يزيد بن المهلب بن أبي صفرة
Next post رحيل الكاتب الفلسطيني نصري حجاج
%d مدونون معجبون بهذه: