رواية تَمَرُّدين لتنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا

عيدو ليفي 

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_    أحرزت «قوات سوريا الديمقراطية» تقدماً ملحوظاً في عملياتها ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» بينما لم تكن القوات الموالية للأسد قادرة على القضاء على التنظيم في البادية. على التحالف مساعدة الشركاء المحليين على الاستعداد للعودة المحتملة للتكتيكات القوية لتنظيم «داعش» مثل الهجمات الانتحارية المتكررة بواسطة السيارات المفخخة.

“بوادي الشام… جنان ونار!” كان هذا عنوان افتتاحية بارزة في عدد 12 آب/أغسطس من نشرة “النبأ” التي يصدرها تنظيم «الدولة الإسلامية» («داعش»/التنظيم)، والتي تم تكريسها للترويج لأحدث مآثر التنظيم في منطقة البادية الصحراوية في وسط وشرق سوريا. وسلّط المقال الضوء على الضحايا في صفوف القوات الموالية للديكتاتور المحاصر بشار الأسد، بما فيها الوحدات العسكرية السورية والقوات شبه العسكرية الموالية للأسد والميليشيات المتحالفة مع إيران وروسيا. وبالفعل، حافظ تنظيم «الدولة الإسلامية» على حجم هذه الهجمات وخطورتها على الرغم من مواجهته مئات الغارات الجوية الروسية ووجود حوالي 25000 من رجال الميليشيات المنتشرين لدعم قوات الأسد.  

وغاب عن الافتتاحية بشكل ملحوظ أي ذكر لـ «قوات سوريا الديمقراطية»، وهي الميليشيا ذات الأغلبية الكردية المدعومة من التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة. وتسيطر «قوات سوريا الديمقراطية» على معظم الأراضي الواقعة شرقي نهر الفرات على امتداد محافظات الحسكة ودير الزور والرقة. ووفقاً لـ “مكتب المفتش العام” بوزارة الدفاع الأمريكية، تضم هذه المنطقة مراكز احتجاز لحوالي 10 آلاف مقاتل من تنظيم «الدولة الإسلامية»، بالإضافة إلى مخيم “الهول” للاجئين، حيث يمكن العثور على العديد من الأفراد المرتبطين بـ تنظيم «داعش» بين 60 ألفاً من السكان، معظمهم من النساء والأطفال. وعلى الرغم من أن التنظيم قد هدّد بترسيخ موطئ قدم له أكثر حزماً في المخيم وإخراج مقاتليه من الاحتجاز، إلا أنه عجز حتى الآن عن تحقيق مكاسب كبيرة في هذه المناطق بسبب عمليات مكافحة الإرهاب التي تنفذها «قوات سوريا الديمقراطية» والتحالف.

بعبارة أخرى، تشهد الساحة السورية تمردَيْن لتنظيم «الدولة الإسلامية»: حملة مكثفة غرب الفرات، وحملة ثانية شرق النهر تسعى لترسيخ وجود قوي للتنظيم. ويستند التحليل التالي إلى الإحصاءات المقدمة من قبل “مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها” (ACLED)، والذي يجمع المعلومات من المواد مفتوحة المصدر والشركاء المحليين. كما تمت استشارة مصادر أمريكية وسورية إضافية للمساعدة في التعرف على ديناميكيات حركات التمرد هذه.

النار” غرب الفرات

استمرت ادعاءات الهجمات التي تبناها تنظيم «الدولة الإسلامية» والصادرة عبر “النبأ” بشكل مطرد هذا العام، ليصل مجموعها إلى 303 حوادث في سوريا حتى 9 أيلول/سبتمبر. وقد جمع “مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها” أرقاماً عن حوادث العنف في سوريا أيضاً، والتي تغطي الفترة من كانون الثاني/يناير إلى 28 تموز/يوليو. وبناء على تحليلات إضافية، يمكن تصنيف ما لا يقل عن 219 حادثة ضمن قاعدة بيانات “المشروع” على أنها هجمات لتنظيم «الدولة الإسلامية»: 117 ضد عناصر موالية للنظام و38 ضدّ «قوات سوريا الديمقراطية»، مما أدى إلى 624 حالة قتل إجمالية. وعلى الرغم من صعوبة الحصول على إحصاءات دقيقة لعدد القتلى في هذا الصراع، إلّا أن المواقع وعدد الوفيات المبلغ عنها لهذه الحوادث تشير إلى أن العمليات الأكثر كثافة للتنظيم كانت مركزة غرب نهر الفرات.


وتدعم نظرة إلى حوادث محددة هذه الفكرة، مما يدل على أن تنظيم «الدولة الإسلامية» كان دائماً قادراً على إحداث هجمات كبيرة الخسائر ضد القوات الموالية للنظام:

  • 2-3 شباط/فبراير: كمين على الطريق بين حماه والرقة أسفر عن مقتل 19 عنصراً موالياً للأسد
  • 17-20 شباط/فبراير: تقديرات بمقتل 15 عنصراً أو أكثر موالياً للأسد في دير الزور وخطف 15 آخرين من حافلة للجنود في حماة
  • 3-5 حزيران/يونيو: كمائن وتفجيرات ألغام أرضية في البادية، أسفرت عن مقتل 23 عنصراً موالياً للنظام، بينهم عميد في الجيش السوري وضابط في «الحرس الثوري الإسلامي الإيراني» (وفقاً لـ “المرصد السوري لحقوق الإنسان”)
  • 25 حزيران/يونيو: هجوم على قافلة ضد قوات مدعومة من إيران في السخنة أسفر عن مقتل أو جرح 25 شخصاً بينهم اثنان من كبار ضباط «الحرس الثوري الإيراني» (وفقاً لوزارة الدفاع الأمريكية)

ونفذ تنظيم «الدولة الإسلامية» مثل هذه الهجمات رغم أن النظام يفوقه عدداً وتسلحاً بكثير. وتميل القوات الموالية للأسد إلى الاعتماد على الدبابات والدعم الجوي الروسي لمواجهة التنظيم، حيث شنّت ما يصل إلى 200 ضربة جوية في يوم واحد وفقاً لـ “المرصد السوري لحقوق الإنسان”. لكن في أحسن الأحوال، مكّنت هذه العمليات المكثفة [نظام] الأسد من إبقاء الوضع العسكري راكداً، وعدم تحقيقه انفراجة ضد تنظيم «داعش» – بما يعكس إخفاقات النظام المتكررة في إزاحة القوات الأقل شأناً مادياً في مسارح القتال الأخرى (على سبيل المثال، درعا وإدلب) أو التقدم ضد «قوات سوريا الديمقراطية». وفي غضون ذلك، ساعدت غنائم الغارات على مواقع النظام في ضمان بقاء تنظيم «الدولة الإسلامية» وقدرته على دعم نفسه.

استقرار نسبي شرق الفرات لكن الأخطار تلوح في الأفق

منذ طرد تنظيم «داعش» من آخر معاقله الإقليمية في آذار/مارس 2019، أعادت «قوات سوريا الديمقراطية» – بمساعدة جوهرية من قبل قوات التحالف – الاستقرار تدريجياً إلى المناطق الخاضعة لسيطرتها، والمعروفة باسم “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” أو روج آفا. ووفقاً لـ “مشروع بيانات مواقع النزاع المسلح وأحداثها”، فمن بين 624 قتيلاً نتيجة هجمات تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا لغاية 28 تموز/يوليو، كانت 72٪ من القوات موالية للأسد و7٪ فقط من صفوف «قوات سوريا الديمقراطية». وتتكبد القوات الموالية للنظام بشكل منتظم ضحايا من رقمين في الاشتباكات مع تنظيم «الدولة الإسلامية»، إلا أن «قوات سوريا الديمقراطية» لم تتكبد مطلقاً أكثر من أربعة ضحايا.

ويعود سبب هذا التفاوت إلى التنسيق الفعال بين «قوات سوريا الديمقراطية» والتحالف في تنفيذ عمليات مكافحة الإرهاب التي تستهدف شخصيات رئيسية في تنظيم «الدولة الإسلامية». وكان أبرز مثال على ذلك هو عملية التمشيط التي شهدها مخيم “الهول” في أواخر آذار/مارس، حيث [تمكّن] حوالي 5000 عنصر من «قوات سوريا الديمقراطية» من اعتقال 158 شخصاً يشتبه في صلتهم بـ تنظيم «داعش». وبعد هذا التاريخ، انخفضت عمليات القتل في المخيم بشكل ملحوظ من 45 في الربع الأول من عام 2021 إلى 15 في الربع الثاني، مما خفف المخاوف من عودة تنظيم «داعش» خلال فترة وشيكة. ومنذ ذلك الحين، أسفرت الدوريات المشتركة المتكررة والعمليات الدقيقة المدعومة بمعلومات استخبارية سليمة عن السماح لـ «قوات سوريا الديمقراطية» بالقبض على العديد من قادة تنظيم «الدولة الإسلامية» وخبراء المتفجرات وغيرهم من الأفراد (على سبيل المثال، أفاد “مكتب المراقبة العسكرية” التابع لـ «قوات سوريا الديمقراطية» عن اعتقال 64 شخصاً في تموز/يوليو). 

وكان التأثير الواضح على هجمات التنظيم محدوداً. فوفقاً لـ “مركز روج آفا للمعلومات” الذي مقره في القامشلي، انخفض عدد هجمات تنظيم «الدولة الإسلامية» في روج آفا بواقع النصف كل شهر اعتباراً من أيار/مايو، وتراجع العدد إلى 12 في تموز/يوليو، وهو مستوى قياسي منخفض منذ آذار/مارس 2019. وينعكس هذا الانخفاض في تقارير تنظيم «داعش» أيضاً. وفي الواقع، أشارت دراسة صدرت من قبل “معهد الشرق الأوسط” في وقت سابق من هذا الشهر إلى أن تنظيم «الدولة الإسلامية» ربما يكون قد قلل من أهمية عدم فعاليته في مناطق “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” خلال مراحل مختلفة من خلال عدم الإبلاغ عمداً عن هجماته في البادية.

ومع ذلك، لا يزال تنظيم «الدولة الإسلامية» ناشطاً في مناطق «قوات سوريا الديمقراطية». وعلى الرغم من عدم قدرته على إحراز تقدم في إطلاق سراح المحتجزين، إلا أنه يواصل تخريب سيطرة “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” من خلال ترهيب السكان المحليين وابتزازهم في البلدات الريفية، مما يساعده في الحصول على أموال ومجندين جدد مع تثبيط الناس عن الانضمام إلى «قوات سوريا الديمقراطية». وعلى الرغم من الانخفاض النسبي لعدد ضحايا «قوات سوريا الديمقراطية» مقارنة بتلك التي تواجهها قوات الأسد، إلّا أن أفرادها يتعرضون أحياناً للقتل أو الاختطاف خلال هجمات الكرّ والفرّ وعمليات الخطف والتفجيرات التي يقوم بها تنظيم «الدولة الإسلامية». وبالتالي، يجب استمرار الشراكة بين «قوات سوريا الديمقراطية» والتحالف من أجل تعزيز الاستقرار في مناطق «قوات سوريا الديمقراطية».

التداعيات  السياسية

يُعد الأداء الرائع لـ «قوات سوريا الديمقراطية» هذا العام دليلاً إضافياً على الكيفية التي يمكن لبصمة أمريكية صغيرة ومستدامة أن تعزز قدرات القوات الشريكة بشكل كبير. وفي سوريا، يدعم 900 جندي أمريكي بشكل فعال أكثر من 100,000 محارب من «قوات سوريا الديمقراطية». ويعتمد التقدم الهش لـ «قوات سوريا الديمقراطية» بشكل كبير على الوحدة الأمريكية التي ثبت أن توفيرها لمعلومات استخباراتية عالية الجودة، وقوة جوية، ومشورة، ودعم عملياتي/لوجستي هي مساعدات لا غنى عنها من أجل مواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية». وفي أعقاب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، يجب على إدارة بايدن أن تضع حداً لأي فكرة عن سحب القوات الأمريكية من سوريا؛ وبدلاً من ذلك، عليها أن تستمر في طمأنة «قوات سوريا الديمقراطية» علناً وبصوت عالٍ بأن أمريكا ليس لديها خطط لمغادرة مناطق “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا”.

وتكتسب الشراكة القوية أهمية خاصة نظراً إلى الوضع غرب الفرات. فلم تكن القوات الموالية للأسد قادرة على القضاء على تنظيم «الدولة الإسلامية» في البادية، لذلك على مستشاري التحالف النظر في احتمال أن يعيد التنظيم تواجده الإقليمي هناك على المدى القريب – خاصة إذا قررت قوات النظام تركيز قوتها في منطقة أخرى (على سبيل المثال، استجابة للتطورات في درعا وإدلب). إن عودة تنظيم «الدولة الإسلامية» على الجانب الجنوبي من مناطق “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” سيشكل مخاطر كبيرة، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن «قوات سوريا الديمقراطية» لا تزال تنظر إلى التوغلات التركية من الشمال على أنها أكبر تهديد لها وقد خصصت بشكل عام المزيد من الموارد لتلك الجبهة.

ولمواجهة هذه المخاطر، على التحالف مساعدة الشركاء المحليين على الاستعداد للعودة المحتملة للتكتيكات القوية لتنظيم «الدولة الإسلامية» مثل الهجمات الانتحارية المتكررة بواسطة السيارات المفخخة. كما عليه أن يستمر في مساعدة «قوات سوريا الديمقراطية» على تحسين دفاعاتها في السجون ومخيم “الهول”. وعلى الرغم من أن معدلات القتلى في المخيم ظلت عند المعدل المنخفض الذي وصل إليه في الربع الماضي، إلا أن الوضع قد يتدهور مجدداً في أي وقت، لذلك يجب أن تكون «قوات سوريا الديمقراطية» مستعدة للقيام بمزيد من عمليات التمشيط والملاحقة الجادة لميّسري تنظيم «الدولة الإسلامية» الذين يساعدون المحتجزين على التنسيق مع العالم الخارجي. وفي الوقت نفسه، يتعين على إدارة بايدن الضغط على الحكومات الأجنبية لتسريع إعادة سكان المخيم إلى أوطانهم، والذين يشكل العراقيون أكثريتهم (31,000 شخص)، على الرغم من أن سكان المخيم يمثلون ما يصل إلى 60 دولة أخرى. يجب على السلطات المحلية أيضاً توسيع انخراطها مع القبائل وتطوير المؤسسات المدنية – التي هي خطوة حاسمة في منع تنظيم «الدولة الإسلامية» من ترسيخ نفسه في المجتمعات المحلية.

معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى

Previous post عضوية إيران في “منظمة شنغهاي للتعاون”: المحفزات والتداعيات
Next post الكوابيس والأحلام المخيفة وعلاقتها بالذكاء
%d مدونون معجبون بهذه: