هوس الغرب الجنوني بالإسلام منذ 11 سبتمر

سونيا زكري

ترجمة: رائد الباش / ع.م

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_سيل كتب وأفلام ومسلسلات وعناوين عريضة ناجم عن انكباب غربي شبه جنوني على الإسلام منذ 11/ 09/ 2001 دون أن يؤدي لفهم غربي أعمق للإسلام بل لترسيخ الإسلام كقَدَر محتوم غريب وخطير بحيث صار المسلم شرير شاشة سينما هوليوود كما كان قبله الروسي والألماني وربما بعده الآسيوي. تعليق سونيا زكري.

حين همد غبار انهيار البرجين لم يغط فقط جثث الموتى بل دفن بموازاة ذلك وهمَ حصانة الداخل الأمريكي ورَدَم معه أي تصور بنهاية سعيدة لهذه القصة، طامراً في الوقت ذاته أي فروق دقيقية بين أنواع الإقصاء ومستويات الاستحقار، مغطيًا تحته عالَمًا كاملًا من تسميات -تختفي وراءها نبرات تمييزية- شبيهة بهذه: “عمَّال وافدون” وَ “تركي بهارات” وَ “أجنبي أعجمي” وَ “لاجئ” وَ كذلك “عليّ” رغم أن الشخص المشار إليه ليس اسمه كذلك، وهو عالَم حلت محله ذهنيًا وبأحرف كبيرة تسمية “مسلم”.

اسم مسلم وفر من الناحية الخطابية كثيراً من حيث أنه يعني التبسيط والتقليل كثيرًا من التعقيد بعد أن بات “المسلم” في نظر الآخر هو المسؤول عن هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر وعن مشكلات الاندماج واضطهاد النساء وكراهية المثليين جنسيًا ومعاداة السامية في أوروبا، وحتى في فترة تفشي فيروس كورونا بات مسؤلًا عن تعثُّر مكافحة الجائحة. وهو تفكير يرى في المسلمين -وحتى يرى في العلمانيين منهم- أناسًا معتنقين ديانة تمنع الديمقراطية والمساواة والفردية وتفرض هيمنتها الشاملة على حياة الفرد.

تعمُّق في عالم “المسلمين”

بات المسلم من منظور أوساط غربية شخصية لها فائدة عظيمة في النقاشات الجدلية المعاصرة، بما فيها من ردود فعل رافضة للمسلمين وبيئتهم يشرحها بدقّة مؤلمة الكاتبُ الأمريكي ذو الأصول الباكستانية المهاجرة أياد أختر في كتبه ومسرحياته، ومنها روايته “مرثيات وطن” المكتوبة على شكل سيرة ذاتية التي يظهر فيها بطلها رياض -وهو مستثمر باكستاني أصبح شخصًا ثريًا في الولايات المتَّحدة الأمريكية- وقد كلَّف مؤسسة دراسات بإجراء دراسة حول مواقف الأمريكيين تجاه الإسلام، وهي دراسة أظهرت أنَّ أكثر خمسة أشياء ارتبطت بالإسلام وتكرَّر ذكرها لدى الأشخاص المستطلعة آراؤهم هي: الغضب من الإسلام ووصفه بالانعزال ووسم أتباعه بالانتحاريين ووصفه بالدين السيِّء وبأنه يشجع على الموت.

تعمُّق في عالم “المسلمين” نجم عنه سيل من الكتب والأفلام والمسلسلات، مثلما الحال في مسرحية أياد أختر الناجحة “موصوم” وأيضًا في روايته “مرثيات وطن” حيث توجد فقرات تعبِّر بصراحة عن قبول أسامة بن لادن: “هذا الرجل على حقّ. فنحن دماؤنا رخيصة”، مثلما يكتب في أحد الفقرات: “هُم” -الأمريكيون- “يستحقون ما حصلوا عليه. وما سيحصلون عليه أيضًا”، ووالدة أياد أختر هي التي تتحدث بهذه الطريقة في الرواية.

وتراجعت إلى الخلفية فوق هذه الفضيحة حقيقة أنَّ الابن لم يشارك أمه شماتتها هذه بل أخذها بشكل شخصي، إذ يكتب إياد أختر: “حتى وإن كانت الإمبراطورية الأمريكية قد عاملتنا معاملة سيِّئة جدًا”، فإنَّ الهجوم على البرجين أصابه أيضًا، فرمز أمريكا -باعتبارها “عالمًا لامعًا للهجرة والتجديد”- كان رمزه هو أيضًا، إذ إن إياد أختر نفسه في آخر المطاف هو مواطن أمريكي أيضًا، حتى وإن كان أمريكيًا بهوية أكثر تعقيدًا من هوية الفلاحين ذوي البشرة البيضاء في جنوب الولايات المتَّحدة الأمريكية.

غرابة لا يمكن التغلب عليها وغضب لا يمكن إشباعه

تندرج أعمال إياد أختر ضمن سيل كامل من الكتب ت والأفلام والمسلسلات، التي تعمَّقَت في عالم “المسلمين” بعد هجمات أيلول/سبتمبر واكتشفت أشياء مثيرة للقلق على الدوام. في ملاحم مكافحة الإرهاب مثل فيلم الإثارة “سيريانا” (من إخراج ستيفن جاجان 2006) أو فيلم “كتلة أكاذيب” (من إخراج ريدلي سكوت 2008)، يتيه كلٌّ من جورج كلوني وليوناردو دي كابريو في متاهة من أجهزة الاستخبارات والميليشيات والقتلة وذوي المحسوبات.

وعلى الرغم من أنَّ الفيلمين لم يقدِّما أبناء شعبهما في واشنطن بشكل جيِّد، وعلى الرغم من عرضهما وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وهي تلعب ألعابها الشريرة كعادتها دائمًا، وعلى الرغم من سعي المخرجَيْن إلى الأصالة والتوازن من خلال بعض الشخصيات العربية المحبوبة، إلَّا أنَّ رسالة فيلميهما تتجسَّد في غرابة ذلك العالم التي لا يمكن التغلب عليها وفي غضب سكانه الذي لا يمكن إشباعه.

عمل مسلسل “الوطن” على زيادة حالة الريبة والشكّ إلى حدّ جنون العظمة، من خلال ثمانية مواسم ناجحة عرضت خطر الاختراق الجهادي لأمريكا كنتيجة منطقية لتواطؤ إسلامي شبه عالمي. وفي هذا العمل، جعلت كراهية الولايات المتَّحدة الأمريكية حزب الله الشيعي يرتبط بتنظيم القاعدة السنِّي على نحو غريب تمامًا عن الواقع. وكانت الفكرة الثابتة منذ فترة طويلة هي أنَّ انتقاد السياسة الأمريكية يقود إلى إنتاج إرهابيين مستقبليين.

لم يحظَ المسلمون بالتجميل أيضا في الأعمال السينمائية السابقة بكثير لأحداث الحادي عشر من أيلول / سبتمبر كمسلسل “إنديانا جونز” أو الجوهرة السينمائية الطاعنة في القِدَم “الشيخ” من عام 1921 بالاشتراك مع الممثِّل الإيطالي رودولف فالنتينو، لكن على أية حال كان لا يزال يوجد في هذه الأعمال بعضُ البهجة والفرح بجمال الألوان الشرقية أو حتى بعض الحس الفنّي. لكن الآن صار المسلم هو صورة شرير الشاشة السينمائية المترسخة في هوليوود كخليفة للشرير “الروسي” – أو حتى خليفة الشرير “الألماني” الأسبق. ويبقى أن ننتظر لنرى إن كان “الآسيوي” سيحل محل المسلم في المستقبل.

النظر إلى الإسلام وكأنه قدَر محتوم غريب وخطير

كانت السنوات بعد الحادي عشر من أيلول /سبتمبر فترة مثمرة من الناحية الأكاديمية. إذ منحت هجمات أيلول/سبتمبر الدراسات الإسلامية والعربية دفعة مماثلة لما فعلت البيريسترويكا بالدراسات السلافية. وكذلك ازداد اهتمام عامة الناس بشكل كبير للغاية. غير أنَّ حلقات النقاشات التي لا تعد ولا تحصى وقصص المجلات التي تدَّعي تلقيها إنذارًا (مثل “الله في الغرب” أو “مكةُ ألمانيا” أو “غريبٌ خطير”، الصادرة جميعها في مجلة دير شبيغل الألمانية) – لم تؤدِّ إلى فهم أعمق للاختلافات التاريخية أو الثقافية أو الاجتماعية لدى أكثر من مليار شخص بل إنها رسَّخت مفهوم الإسلام كقدر محتوم.

ولم تكن صدمة نيويورك السبب الوحيد، لأن هذا التطور كان يلوح في الأفق حين أدَّت الثورة الإسلامية في إيران وحرب المجاهدين ضدَّ الجيش السوفييتي في أفغانستان والصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى وضع الخطوط العريضة لهوية جماعية تبناها أتباع الإسلام السياسي بكل امتنان.

وبعد أن أغرقت نهاية الحرب الباردة أجزاء واسعة من العالم في حالة من عدم الرؤية بوضوح، وَعَدَ هذا التصنيف الجديد بالوضوح. “شكَّل النصف الأوَّل من القرن العشرين عصر الحربين العالميتين ونصفه الثاني عصر الحرب الباردة. وبدأ في القرن الحادي والعشرين عصر حروب المسلمين”: بهذه الدقة صنَّف الخبير السياسي صموئيل هنتنغتون العالم في حوار أجري معه في عام 2007.

لم تعد توجد منافذ دنيوية: “أسلمة الإسلام”

يصف الباحث في الدراسات الإسلامية توماس باوَر هذه العلاقة بطريقة أكثر تمايزًا في كتابه “ثقافة الغموض”، متَّبعًا في ذلك ديناميكية متبادلة من التقليد والحدود الممتدة لقرون من الزمن. وهنا تمتد “أسلمة الإسلام” إلى القرن التاسع عشر. فحتى في ذلك الزمن، أدَّى البناء الغربي للثقافة “الإسلامية” إلى إدراج حتى الأشياء المستخدمة في الحياة اليومية أو التقنيات تحت الصفة الـ “إسلامية”. ومهارات الأطباء العرب؟ باتت تعرف باسم “الطب الإسلامي”، وكأس النبيذ في المتحف؟ صار معروضًا باعتباره جزءا من “فنّ الصناعات المعدنية الإسلامية”. ولم تفلت من هذا التقديس حتى آخر المنافذ الدنيوية.

واليوم حل تصنيف الدين تمامًا محل الأوصاف الأخرى. وباتت مدن ودول وقارات بأكملها تختفي في ثقب “العالم الإسلامي” الأسود، وبات يجب على أولئك المسلمين -الذين يسعون للتمايز ويرفضون في الواقع هذا التصنيف- أن يعرِّفوا أنفسهم أوَّلًا كمسلمين، أي متديِّنين.

ولذلك بات يتوجب عليهم أن يشكروا حركة طالبان كثيرًا، ففي أغسطس / آب من هذا العام 2021 غزَت مجموعات هلامية شاشاتنا شكّلت بمظهر أفرادها ولحاهم وأسلحتهم وملابسهم الواسعة صورة موحَّدة وكأنَّما جاؤوا جميعهم من نفس محل ملابس الرجال، وهذا أمر سيِّء بالنسبة إلى ناشطي حقوق المرأة والصحفيين ومديري تكنولوجيا المعلومات ومدرِّبي اللياقة البدنية -العالقين في الدوحة أو إسبانيا- الذين يفضِّلون مواصلة السفر إلى ألمانيا أو الولايات المتَّحدة الأمريكية، يراهم البعضُ لاجئين ويراهم جميع الآخرين مجرَّد مسلمين.

زود دويتشه تسايتونغ/قنطرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post مكافحة الإرهاب في ألمانيا ـ تجفيف منابع غسيل الأموال
Next post «كتائب حزب الله» تقود علناً الدعوات إلى التصعيد ضد الوجود الأمريكي
%d مدونون معجبون بهذه: