“مسخرة” في فصل اللغة الهولندية!

عبد السلام حيدر

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_بالنسبة لي، سبتمبر/أيلول هو شهر اللغات، فيه يعود الأولاد للمدرسة بينما لم أبدأ عملي بعد. وهنا فقط أشعر بالحرية نوعاً ما، فأخصص الشهر كاملاً لدورة مكثفة في إحدى اللغات الرسمية هنا، وتحديداً الفرنسية أو الهولندية. ولا أفعل هذا مع الألمانية بالطبع وهي اللغة الرسمية الثالثة هنا. وذلك لأنها اللغة التي أتقنها منذ زمن؛ فقد درستها -في ألمانيا- دراسة أكاديمية، ثم كتبت بها رسالتي للدكتوراه، في ألمانيا أيضاً، وأقرأ بها يومياً بالطبع.

وأذكر عندما بدأت دراستها أنني كنت غبياً وقليل الخبرة بطريقة لا يمكن تصورها هنا. فبعد فترة من دراستها كنت أعرف القواعد جيداً، بل أحفظها، ولكن لا أجيد النطق بجملة واحدة بشكل صحيح، ولذا كنت أتردد جداً في الكلام، فإذا نطقت كنت أتلجلج ولا أكاد أُبين. وفقط عندما قلت “اللعنة على كتب القواعد”، ورميتها في الزبالة وخرجت للألمان أناطحهم بجرأة، عندها فقط انفكت العقدة وعرفت كيف أتقن اللغة! وهذا موضوع حكيته بالتفصيل في مرة سابقة فلا أعود إليه!

المهم هنا أن هذه التجربة مع اللغة الألمانية أصبحت مفيدة جداَ في تعلم لغات جديدة. وبخبرتي هذه يمكن أن أقول إنك إذا كنت تتعلم لغة جديدة فجرأة التجريب هي الطريقة المثلى للتعلم. ولكن عليك أن تبدأ بمعرفة القواعد البسيطة والمعتادة في الاستخدام (ماضٍ وحاضر ومستقبل)، فاعرف ابسط قوالبها اللغوية واستخدمها سريعاً في قول ما تريد. وعليك تخيل المواقف وإعداد الجمل المناسبة لكل موقف، وعندما تستخدمها في الحياة العملية جرب أن تنطقها بسرعة ولا تخف من الأخطاء التي ستقع فيها لا بد. فالمهم أن تُفهم من أمامك ماذا تريد وبسرعة. ومع الوقت ستصلح نفسك بنفسك وتتعلم بالتجريب.

وأذكر أن أكثر ما نفعني بالفعل أنني لم أعد أخاف من الأخطاء اللغوية بل أتعلم منها سريعاً. وعندما يعلق أحدهم بطريقة غير مهذبة على مستواي أقول له بجرأة: “أهم حاجة أنك فهمت ما أريد”، وأبالغ أحياناً فأزيده: “لأنك لو فكرت أن تتعلم لغتي العربية وتتكلم بها ستصاب بالتأكيد بشلل رعاش!”، وأذكر أنني ظللت أبحث عن كلمة شلل رعاش حتى وجدتها كي أستخدمها في هذه الجملة التي تخيلتها أولاً.

ومن الأشياء الطريفة أن أول شهادة حصلت عليها في الهولندية تسلمتها من موظف فلمنكي شاب تكلم معي بالهولندية كأنه يتأكد من مستواي قبل إعطائي الشهادة! وآنذاك سألني عن وظيفتي الأصلية فقلت له “إك بن بروفوسور” أي إنني بروفوسور. فقال يصحح لي “إك بن ليرر” أي إنني مدرس. وآنذاك لم أستطع أن أشرح له بالهولندية أن هناك فرقاً بين الجملتين لدينا، وأنني بالفعل بروفوسور لا مدرس. ولما زاد الأمر وأزعجني أعدت عليه جملتي المأثورة عن “الشلل الرعاش”! فقال لي بالعربية الفصحى: “ومن قال هذا؟”. واتضح أنه يتعلم العربية وأنه لم يصب بأي شلل حتى ولو خفيف! فقلت لنفسي آسفاً إنني لابد أن أعمل أكثر على تطوير آليات الهجوم المضاد في دورة اللغة التالية.

“الأتوبيا” بالهولندية

وفي الدورة التالية، في سبتمبر/أيلول التالي، تحسن المستوى قليلاً، وبدأت والطلبة الآخرون تجربة الخوض في موضوعات عميقة، أعلى من مستوانا اللغوي للحقيقة. وكما سبق فإن المحاولة والتجريب ثم التصحيح من أفضل الطرق في تعلم اللغات. ومما أذكره أنه في أحد الأيام كان ينبغي أن نعمل معاً على موضوع “الأتوبيا“؛ أي “الدولة المثالية”. وكان العنوان الرئيسي للتدريب هو: ماذا ستفعل لو كنت ستنشئ دولة مثالية جديدة؟ وكان على الورقة التي وزعت علينا عشرة أسئلة عن أي نظام سياسي ستختار لدولتك، وأي لغة وصناعة ودين وتعليم ورقابة ونظام اجتماعي.. إلخ.

وكانت الطريقة أن كل مجموعة من الطلاب تعمل معاً؛ فتبني الجمل بتمهل، وإذا استعصى تعبير أو مصطلح على أي مجموعة فعليها أن تسأل المدرسة: كيف نقول (كذا وكذا) بالهولندية؟ وعلى من يسأل أن يحاول شرح ما يريد، فإن استعصى عليه الشرح فليذكر ما يريده بلغة أخرى. المهم أننا نتعلم كلمات جديدة عن طريق التجريب أو العصف الذهني، كما يقال.

وكان من حظي يومذاك العمل في مجموعة واحدة مع سيدتين جميلتين؛ الأولى من أصل روسي والأخرى من أصل روماني. وكانت الروسية في سني تقريباً، ولكنها عاشت حياة صاخبة من قبل؛ حيث كانت تغني وترقص وتعزف على الجيتار في فرقة بوب روسية في التسعينيات وبداية الألفية الجديدة! وقد أرتنا يوماً مقطعاً مصوراً لإحدى حفلاتها القديمة فكانت حاجة مهولة خالص!

المهم أن لديها الآن ولدين يريدان احتراف كرة القدم فجاءت بهما لمدرسة متخصصة لذلك في بلجيكا بينما بقي زوجها الصحفي في روسيا التي لا يريد مفارقتها. وآنذاك كانت تفكر في إمكانية الانتقال بالولدين إلى إنجلترا فلربما فعلت قبل “البريكست” وربما لحق الأب بهم هناك. المهم أنها كانت تعمل مع ولديها مثل سائق خاص تنقلهما من مباراة لأخرى خلال الأسبوع ثم تأتي مساءً لتدرس الهولندية معنا؛ لأن خطتها البديلة كانت أن تبقى في بروكسل وتعمل كمدرسة للموسيقى في القسم الفلمنكي من بلجيكا.

أما الزميلة الرومانية الأصل فحكايتها أعجب، لأنها ولدت أصلاً في بلجيكا لأبوين من رومانيا، وكانت تعرف الهولندية من قبل! ولكن قبل ثلاث سنوات من زمن حكايتنا كانت تزور رومانيا مع صديقها الذي لم أتبين جنسيته آنذاك. وبسبب رعونة الشباب قام صديقها هذا -وهي بجواره- بحادث سيارة فظيع مات هو فيه بينما أشرفت هي على الموت وتكسر جسدها حرفياً.

وقد نقلت سريعاً إلى بلجيكا وأجريت لها عدة عمليات جراحية ثم فترة إعادة تأهيل طويلة تمكنت خلالها من السير مرة أخرى وإن كانت الآلام العظام تعاودها كل شتاء خاصة في ظهرها! لكن أسوأ ما حدث لها في تلك الحادثة المميتة أنها فقدت القدرة على الكلام، بل ونسيت كل اللغات التي كانت تعرفها.

وخلال السنوات الثلاث الماضية تمكنت من تعلم الكلام مرة أخرى، ولكن التهتهة وعجن الحروف ما زالا واضحين في نطقها خاصة عندما تسرع في الكلام! وها هي تجلس معنا مساءً لتتعلم الهولندية من جديد أما صباحاً فتتعلم الفرنسية.

والطريف أنها في الفترة الأخيرة كانت تتجمل جداً لأنها بدأت تميل لولد في الفصل من أصول مغربية أمازيغية كان قد قال لها مرة إنه ترك الإسلام وألحد ولكنه احتفظ باسمه (إسماعيل) لأنه جميل ومعروف عالمياً.

وأذكر أيضاً أننا درسنا مرة موضوعاَ عن “المرأة المثالية”، وأن المدرسة سألت إسماعيل هذا عن المرأة المثالية في نظره. وقبل أن يفتح إسماعيل فمه ليجيب قال الطالب السوري الوحيد في الفصل لهذه الزميلة الرومانية: “انتبهي لهذا يا أختي”، فانفجرنا جميعاً بالضحك حتى المدرسة!

كيف نخترع دولة؟ بالهولندية أيضاً!

المهم أننا بدأنا نتكلم في مجموعتنا عن موضوع “الدولة المثالية” هذا، وتوافقنا على أن يكون النظام ملكياً دستورياً مثلما في بلجيكا وبريطانيا والدول الإسكندنافية، وأن تكون الإنجليزية اللغة الأولى وتصارعنا حول ماهية اللغة الثانية، أنا أريد العربية والزميلة الروسية تريد الروسية. وتناقشنا عن أيهما أعرق وأعظم تراثاً، فتهتهت الزميلة الرومانية مطالبة بتجاوز موضوع اللغة الثانية، لأنه غير موجود في الأسئلة، فسكتنا وانتقلنا للحديث عن ضرورة جعل التعليم فرضاً مجانياً حتى نهاية المرحلة الثانوية.

واتفقنا كذلك على ضرورة تطوير أبحاث الطاقات البديلة وأن نبعد ما أمكن عن الطاقة الخطرة والمهددة للبيئة، واتفقنا بسهولة على إلغاء أجهزة الرقابة وعلى أن القانون الواضح المحكم سيكفي للتنظيم.

وأجمعنا على أن الناس غير مسموح لهم بحيازة أسلحة، وأن حمل السلاح سيكون مقصوراً على شرطة المملكة وجيشها. وجعلنا المملكة علمانية تقف على الحياد بين الأديان وتنظم العلاقات بينها دون تفضيل أي منها على الآخر. واتفقنا كذلك على أن حدود المملكة ستكون مفتوحة لأي مهاجر بشرط أن يتمكن خلال سنتين من دراسة لغة المملكة والحصول على عمل وإلا سيطرد مرة أخرى! والطريف أننا كأجانب في بلجيكا لم يكن لدينا آنذاك عمل ثابت رغم مرور أكثر من سنتين على وجودنا في بلجيكا.

وعندما وصلنا إلى النظام الاجتماعي في مملكتنا الدستورية العلمانية كان يوجد سؤال عمن يسمح له بالزواج. وكانت مناقشتنا لهذا السؤال تحديداً “مسخرة” كبرى، وقد ضحكنا حتى اغرورقت العيون الجميلة للزميلة الروسية، وأصبت أنا بصداع، وبدأت الزميلة الرومانية في التهتهة وملأت الدنيا “تفافة” وضاع منظرها أمام إسماعيل الذي كان منهمكاً في العمل مع مجموعة من “الخناشير” أقصد الرجال بالطبع.

نقاش حول الزواج

وهنا أُقر وأعترف أنني السبب في هذه “المسخرة”؛ لأنني وبحسن نية بالفعل قلت: “الزواج مسموح به للجميع”. فاعترضت الزميلة الرومانية وقالت: “لا. ليس الزواج كله. فهناك أنواع من الزواج لا أقرها. على سبيل المثال لو أن الرجال تزوجوا من بعضهم البعض فماذا نفعل نحن النساءّ؟!”.

ففهمت ما تعنيه وقلت: “ولكننا كسياسيين علمانيين لا يمكن أن نحاكم الناس أخلاقياً وإلا سنقع في تناقضات لا حصر لها، وأننا يمكن أن لا نعارض موضوع المثلية علناً ونكتفي بأن ننكره بقلوبنا ونترك أمره للمجتمع. ونكتفي نحن كدولة علمانية بمراقبة التفاعلات المجتمعية حول الموضوع وتأمينها حتى لا تخرج عن السلمية. فقط هذا ولا مزيد عليه”.

وهنا نظرت إليّ الزميلة الروسية متعجبة وقالت: “إذن أنت كمسلم توافق على زواج المثليين؟!”. فقلت: “يا ستي انسَي الآن أنني مسلم. نحن مندمجون الآن في تكوين دولة مثالية علمانية”. فقالت: “ولكن هل توافق؟”. والحقيقة خفت أن تسألني إذا كنت أوافق أن أتزوج أنا نفسي برجل آخر. وسبب ذلك أنني “أقرف” من موضوع المثلية بشدة، وكرجل شرقي لا أرى أجمل من المرأة في هذا الكون، وهي جميلة في كل مراحل عمرها ولا أرضى بها بديلاً.

وكما قال نجيب محفوظ مرة إنه لا يوجد أجمل من المرأة وهي تخلع ملابسها. وأنا أفهم قصده تماماً، لأن الإيهام بالعطاء قد يكون أجمل من العطاء نفسه وألذ! فكيف أحرم نفسي كرجل من هذا؟! المهم أنني تسرعت وقلت بعفوية: “لا أوافق بالطبع بل وأقرف بشدة عندما أجد رجلين يتبادلان القبل. ولكني إن أردت الصراحة أرى أن زواج النساء من بعضهن أكثر منطقية وأجمل!”. “بس يا محترم أنا قلت هذا والزميلة الروسية انفجرت في نوبة من الضحك، وبدأ الجميع ينظر لمجموعتنا باستهجان”.

وآنذاك كانت الزميلة الرومانية توقفت عن “التفاف” وقالت وكأنها لم تسمع شيئاً مما دار: “لكن توجد أنواع أخرى من الزواج غريبة، على سبيل المثال زواج بشر وحيوانات”. الحقيقة صدمت ولم أكن أتخيل أن الأمر وصل للزواج! ولو أن هذا ممكن في “الأوتوبيا” لأصبحت “دوستوبيا” يسيطر عليها مخلوقات هجينة ستكون تصرفاتها هجينة أيضاً. ولما رأت حيرتي ونظراتي للروسية الضاحكة أضافت: “على سبيل المثال زواج رجل وكلب!”. وهنا كدت أصرخ وقلت بحسن نية أيضاً: “لم أسمع بهذا قط وإنما أسمع دوماً عن امرأة وكلب!”.

وآنذاك وقبل جملتي الأخيرة كانت الزميلة الروسية قد سيطرت على نفسها قليلاَ وتهم بالعودة للحديث فما أن قلت أنا هذا حتى انتكست هي مرة أخرى ودخلت في نوبة ضحك أعظم وأعتى وأخرجت مناديلها وبدأت تمسح دموعها وتحاول أن تكتم فمها.

وكانت النتيجة أن توقف العمل في الفصل كله، وجاءت المدرسة تسألنا عما يحدث. فقلت بغضب مصطنع: لن أعمل مع هذه المجموعة مرة أخرى. وبدأت الزميلة الرومانية تشرح للمدرسة وهي تتفتف عليها. والمدرسة تحاول أن تفهم دون جدوى ومن كثرة التفافة زهدت المسكينة في المعرفة، وأوقفت المناقشة بحزم، وطلبت من كل مجموعة طالباً أو طالبة ليعطي بقية الفصل ملخصاً للحوار الذي دار في مجموعته.

وكانت البداية مع مجموعة إسماعيل وفيها الطالب السوري إياه الذي تولى الحديث عما دار في مجموعته، فأمسك بورقة كتب فيها الملخص وقرأ بصوت دافئ عميق: “أيها المواطنون! باسم أمتنا العظيمة قمنا اليوم بوثبة رائعة من أجلكم..” طبعاً أنا تذكرت مباشرة الديكتاتور في مسرحية “تخاريف” وانفجرت وحدي في الضحك فنظر إليّ الجميع مستهجنين، عدا الطالب السوري الذي علت وجهه ابتسامة خبيثة. وهددتني المدرسة بالطرد من الفصل رغم أنها لم تقل هذا للزميلة الروسية التي ما زالت تضحك دون انقطاع. فشرحت لها أنني لا أقصد سوءاً لكن الأخ السوري طلع أخبث الموجودين هنا، وهو يقصد هذا لأنه يقلد الديكتاتوريين العرب عندما يقومون بانقلاباتهم، وأن هذا يقلب الفكرة رأساً على عقب. فبعد أي انقلاب لا تكون يوتوبيا قط. قلت هذا وسكت وصممت على السكوت حتى نهاية الحصة. ولأن الزميلة الروسية ما زالت لا تستطيع السيطرة على نفسها فقد قامت الزميلة الرومانية وبهدوء ودون تفتفة بتقديم ملخص ما دار في مجموعتنا الموقرة.

**

وأختم لأنني تعبت من الكتابة بأنني تعلمت في هذا اليوم العجيب أكثر مما تعلمته في أي يوم آخر! فيبدو والله أعلم أنني شخص يتعلم بالهلس أكثر مما يتعلم بالجد! وعلى العموم فإن اللعب اللغوي أو ما سميته هنا بالمسخرة يعد إحدى الطرق الجميلة والمفيدة في تعلم اللغات. وهذا ما يحتاج لمقال آخر ربما أحمس به نفسي كي أعود لدراسة الهولندية التي كدت أنساها.

عربي بوست

Previous post السماح لليهود بالصلاة في المسجد الأقصى
Next post أديل ورقم 30 في البومها الجديد
%d مدونون معجبون بهذه: