هل وصل أقوى اقتصاد في العالم إلى مرحلة الخطر؟

محمد خالد عبد الوكيل

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_في عام 1989 بلغ الدين الأمريكي العام ما يقل عن 3 تريليونات دولار، كان وقع هذا الأمر مروعاً على الأمريكيين، ومنهم المطور العقاري سيمور دورست، حتى قرر الأخير وضع ساعة في مدينة مانهاتن بولاية نيويورك لتوضح ما وصل إليه الدين العام.

وفي عام 2008 بلغ حجم الدين 10 تريليونات دولار، ولم تعد هناك مساحة في الساعة لكتابة هذا الرقم الفلكي. وفي مقابلة مع إحدى القنوات التلفزيونية علقت مواطنة أمريكية على الرقم الكبير الذي وصل إليه الدين: “إنه مرعب للغاية. إنه رقمٌ كبيرٌ للغاية”.

بالطبع يكتنفني الفضول لمعرفة رأي المواطنة الآن وقد بلغ الدين ما يزيد على 28 تريليون دولاد

ومع بداية عهد الرئيس بايدن دخلت إدارته في صراع مع الجمهوريين لرفع الحد الموضوع على الدين العام، كي تقترض الحكومة لسد الفجوة في ميزان المدفوعات.

وبعد صراعٍ كان سيؤدي إلى إحداث كارثة اقتصادية في الولايات المتحدة، وبالتالي أزمة مالية عالمية جديدة، وافق مجلس الشيوخ الأمريكي على رفع الحد الموضوع على الاقتراض بشكل مؤقت يقضي بزيادته بحوالي 480 مليار دولار، ما سيغطي إنفاق الحكومة حتى أول ديسمبر القادم.

لكن ما تاريخ هذا الدين؟ وهل حقاً سيؤدي إلى تدمير الاقتصاد الأمريكي كما يقول البعض؟

تطور الدين الأمريكي

انتشرت في الولايات المتحدة عدة إعلانات في فترات متعاقبة تحذر من مغبة الاقتراض، وتظهر أطفالاً يترجون العم سام ألا يثقلهم بالديون ويدمر طموحاتهم المستقبلية.

وطالما تشدق الجمهوريون بأن فاتورة الدين تلك ستدفعها بلا شك الأجيال القادمة، وقالت واحدة من الأعضاء بالحزب الجمهوري إن “تلك الديون ستجعلنا عبيداً للصين”.

لكن هل ما يقوله الجمهوريون حقيقي؟ وهل أيدي الجمهوريين نظيفة تماماً من ذلك الدين؟

إن ما يقوله الجمهوريون مضللٌ إلى حد بعيد؛ حيث إن أغلب الدَّين الأمريكي مملوك لمؤسسات وصناديق أمريكية، مثل صناديق المعاشات. أما عن المستثمرين الأجانب، فإنهم يملكون فقط ما يقرب من ثلث قيمة هذا الدين.

أكبر الدائنين للولايات المتحدة من الدول هي اليابان، بينما بالكاد يتعدى ما تملكه الصين من هذا الدين حاجز التريليون دولار.

في عهد الرئيس ريجان -الرئيس الجمهوري المثير للجدل- تضاعف الدين الأميريكي ثلاث مرات، وسبب هذا قرارات الرئيس التي تسببت في تقليص الضرائب على الأثرياء وزيادة الإنفاق العسكري بنسبة كبيرة.

وهذا بالرغم من أن ريجان قد وعد في بداية فترته بأن يدفع من أجل تحقيق ما سمّاه “الميزانية المتوازنة”.

إلا أن الدين الأمريكي وُضع تحت السيطرة في عهد الرئيسين كلينتون وبوش الأب، بل وتحقق في عهديهما فائض في الميزانية العامة للمرة الأولى منذ عقود.

لكن لم تدم تلك الإنجازات طويلاً، وجاء بوش الابن للحكم ليقدم استقطاعات ضريبية كبيرة أدت إلى خفض الإيرادات العامة، كما زج بالبلاد في حربين ضد أفغانستان والعراق كبدت الاقتصاد خسائر كبيرة، وأدت إلى تفاقم الدين العام.

وجاء أوباما ليرث إرثاً اقتصادياً ثقيلاً، ووضع خطة لتحفيز الاقتصاد، لكن الجمهوريين وضعوا حداً لتلك الخطط ما تسبب في رأي بعض الاقتصاديين في عرقلة التعافي الاقتصادي لأربع سنوات.

ومع وصول ترامب للسلطة، نفذ استقطاعات ضريبة كبرى خدمت كبار أثرياء البلاد، كما تضاعف الاقتصاد الحكومي بعد تفاقم أزمة جائحة كورونا.

إن تلك الاستقطاعات الضريبية، بالإضافة لتقديم مجموعة من القوانين التي تؤدي إلى مزيد من الاستقطاعات، ساعدت الكثير من كبار الأثرياء الأمريكيين أن يتجنبوا مبالغ فلكية من الضرائب، حرمت منها الميزانية العامة، ما أدى إلى توسيع الفجوة بين الإيرادات وحجم الإنفاق.

وبحسب وكالة سي إن بي سي -نقلاً عن وزارة الخزانة الأمريكية- فإن أغنى الأغنياء في البلاد يتجنبون دفع ما يقرب من 163 مليار دولار كضريبة على الدخل سنوياً.

كل هذا يبدو كارثياً بالطبع. لكن يبقى السؤال؛ ما هو الأثر الحقيقي لزيادة الدين على الاقتصاد الأمريكي؟

مجرد تخمينات

يقول الخبير الاقتصادي الأمريكي وكبير الاقتصاديين باتحاد العمال الأمريكي -مؤتمر المنظمات الصناعيةـ ويليام سبريجز: “عندما نفكر في الدين الأمريكي العام، علينا أن نسأل أنفسنا السؤال التالي: هل نحن نخلق أموالاً جديدة للإنفاق على نشاطٍ اقتصادي حقيقي. إن مجرد إعطاء أموال لأحدهم (بدون أي تخطيط) سيخلق بالطبع مشكلة. لكن لنفترض أنني فرد مستقل وذهبت للبنك قائلاً: لديّ فكرة رائعة لإنشاء مصنع جديد وأنا أريد المال من أجل ذلك. لن يقول أحد إن هذا مريع لأنني أزيد من المعروض النقدي. لأن الرد على من يقول هذا هو أن هناك مصنعاً جديداً الآن؛ أي شيء حقيقي (ملموس)”.

هناك من يقول إن الدين العام لا يجب بأي حال أن يتخطى إجمالي الناتج المحلي، لكن هل تلك النقطة تعتمد على معرفة حقيقة بديناميكيات الاقتصاد؟

لقد تخطى حجم الدين الأمريكي إجمالي الناتج المحلي للبلاد -والذي بلغ حوالي 21 تريليون دولار العام الماضي– ولم نر أي أثر مدمر للاقتصاد.

بل، لقد انخفضت الفائدة لأرقام قياسية، لسبب غير معلوم، على حد قول أكبر خبراء الاقتصاد.

يقول الرئيس السابق لصندوق النقد الدولي، أوليفير بلانكارد: “كي أكون صريحاً تماماً، نحن لا نعلم -على الأقل أنا لا أعلم- أنا لا أريد أن أتحدث بالنيابة عن كل من هو خبير في الاقتصاد.. لدينا هذا الانخفاض المستمر في الفائدة منذ منتصف الثمانينيات. وهو مستمر إلى الآن. وليس لدينا أي تفسير لهذا”.

إلا أن بلانكارد يرجح أن يكون سبب هذا زيادة نسبة كبار السن في الاقتصادات الكبرى، بما فيها الصين، أو ارتفاع معدل الادخار في الصين.

ومع اختلاط الأمر على الخبراء، لا يمكننا أن نكوّن حكماً ثابتاً بخصوص وصول الدين الأمريكي مرحلة الخطر. علينا أن ننتظر، فلربما تقدم لنا السنوات القليلة القادمة إجابات واضحة.

في النهاية، لا يمكن أن نقول إن شهية الحكومة الأمريكية للاقتراض هي ظاهرة صحية، أو إنه لن يكون هناك عواقب لخروج الدين الأمريكي الضخم عن السيطرة يوماً ما.

عربي بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post مرسوم زيادة معايير الانبعاث الإشعاعي من 5g
Next post بريطانيا وازمات جديدة
%d مدونون معجبون بهذه: