الخوف من الذكاء

حسن مدن

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_الذكاء معطى اجتماعي – تربوي في المقام الأول قبل أن يكون أمراً وراثياً أو معطى بالفطرة. صحيح أن قدرات الناس الذهنية متفاوتة، ولكن حتى لو كانت هذه القدرة الذهنية عالية عند بعضهم بالفطرة، فإنها إن لم تجد الحاضنة الاجتماعية – التربوية، التي تبدأ من محيط العائلة الصغيرة لتشمل المدرسة والجامعة والمحيط الاجتماعي عامة، فإنها عرضة للتآكل والتلاشي، أو التحوّل إلى طاقة شريرة تتغذى على الجهل والتعصب.

وبالمقابل، فإن الأمر يكون مختلفاً حتى لدى من قدراتهم الذهنية أقل، فإن توفرت لهم البيئة الحاضنة الخصبة، المتفتحة والمتسامحة، فإنهم قابلون لتطوير هذه القدرات وبلوغ مراتب أعلى في حياتهم اللاحقة على الصعد التعليمية والمهنية والاجتماعية.

ذكر يوسف إدريس واقعة عاشها بصفته طبيباً وليس قاصاً، حين أشار إلى أن اختبارات للذكاء أجريت بمستشفى «هامر سميث» لطفل عربي يفحص من إصابة، فلاحظ الطبيب أن نسبة درجاته أعلى بكثير من المعتاد في هذه السن، حتى إن إدريس ظنّ أن هذا الطفل مشروع نابغة، لكن الطبيب خيب أمله حين قال له إن أطفالكم يظلون كذلك إلى حوالي الخامسة ثم تبدأ نسبة ذكائهم في الهبوط، بينما تأخذ نسبة أقرانهم الإنجليز أو غيرهم في الارتفاع بحيث يتفوقون عليهم بمراحل.

قدّم يوسف إدريس معطيات فحواها أنّ الذكاء الآسيوي، ويقصد به ذكاء شعوب الشرق الأقصى، هو ذكاء متوسط، ولكن الأفراد هناك ينشأون في مجتمعات ذكية تتيح لأذكياء كثر أن يعملوا معاً، ما ينشأ عنه التعاون الذكائي الكامل، الذي يصنع أية حضارة أو صناعة أو حتى فن، وبالتالي يصنع الإنسان ويدربه ليكون أذكى.

سلامة موسى تحدث بدوره عما أسماه “الخوف من الذكاء”، فمع أن دنيانا تحفل بالذكاء لكنها تفتقر إلى الشجاعة اللازمة للتطور، وغياب هذه الشجاعة هو الذي يحول بيننا وحرية الذهن والابتكار والتقدّم. ولو قارنا بين طفلين أحدهما رُبي على الخوف، فيما توفرت للآخر حوافز التشجيع سنجد الفرق واضحاً في شخصيتيهما عندما يكبران.

لو وسعنا دائرة النظر لنرى تجليات الخوف من الذكاء مجتمعياً وسياسياً، فلن نجد ما نستشهد به أفضل من مقابلة تلفزية مع القائد الوطني التونسي شكري بلعيد، أجريت قبل سنة من اغتياله، تناول فيها هذه المسألة بالذات، وهو يتحدث عن الوضع في بلاده تونس، وفيها رأى أن من أتوا إلى السلطة بعد حكم زين العابدين بن علي يشتركون معه في أمر أساسي هو عداؤهم لما وصفه ب”الذكاء التونسي”، وتفضيلهم للتسطيح وتعميم الجهل. وما تونس إلا مثال لحالات أخرى كثيرة.

الحوار المتمدن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post مكافحة الإرهاب في أوروبا ـ تدابير وقائية وإستباقية جديدة
Next post “ثورة نيوكاسل” في يناير
%d مدونون معجبون بهذه: