هل يصح قول إن لبنان مصاب بـ “فيروس حزب الله”؟

لينا بوب

ترجمة: يسرى مرعي

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_برنارد الحاج رسام كاريكاتير لبناني حقق شهرة في فترة زمنية قصيرة على المستويين المحلي والدولي، لكنه بات لا يرى لنفسه مستقبلاً في لبنان. الصحفية لينا بوب تواصلت معه وهو على وشك الانتقال إلى برلين.

لبنان بلد مناسب لرسامي الكاريكاتير بل إنه ملائم لهم أكثر مما يجب ربما. لكن برنارد الحاج، الذي يشرّح حياة لبنان السياسية والاجتماعية منذ ما يقارب ثلاثة أعوام (2021) برسوماته التي تُنشرُ كل سبت في صحيفة L’Orient – Le Jour (لوريون لوجور) اليومية، يشعرُ بالضغط. وبينما نتحدث في مقهى عصري بالقرب من الميناء، محاطين بضجيج مواقع البناء، يخبرني أنّ مهارته كرسام كاريكاتير تترافق مع قدرته على رسم سيناريوهات سريالية وعبثية لنقد الواقع.

لكن في بلد حيث يشكل العبث جزءاَمن الحياةِ اليوميةِ، يصبح هذا أمراً صعباً. كما حدّث مؤخراً، حين أصبح معروفاً أنّ رئيس وزراء البلاد (الذي استقال من منصبه لكنه بقي رئيس الوزراء في حكومة تصريف الأعمال لفترة من الزمن) تقدّم بطلب للحصول على وظيفة في قطر بسيرة ذاتية تتكون من 130 صفحة (وهي قصة نفاها ووصفها بأنها “سخيفة”). “هذا أفضل من أي كاريكاتير!” يصيح الحاج. “أحياناً يبدو الأمر كأنه منافسة، كما لو أنني ينبغي أن أخبرهم: أيها الناس، إنها وظيفتي أن أصنع هذه النكات، ليست وظيفتكم”.

اشتهر برنارد الحاج في فترة زمنية قصيرة جداً مؤخراً (2021)، حضر إطلاق كتابه الجديد حوالي الـ 300 شخص، وهو كتاب يضم مجموعة من رسوم الكاريكاتير من السنوات القليلة الماضية، وبعض هذه الرسومات مزوّد بهوامش من أجل أن يتمكن الناس خارج لبنان من فهمها. كما تلقى رسائل التهنئة من باريس، من “معهد العالم العربي”. يقول الحاج: “لم أحصل على مثل هذا الاعتراف من المؤسسات الثقافية في بلدي”. لكن رسومه الكاريكاتيرية البسيطة التي لا تخطئها العين وتتسم بالفكاهة السوداء وتتركُ لها الصحيفة الناطقة بالفرنسية صفحات كاملة أحياناً مانحة إياه حرية التصرّف، جعلت منه أبرز مؤرخ لوقت مدمّر للغاية للبنان.

الإطار الزمني للتحلّل

يوثّقُ كتابه هذا التدهور، من الأزمة الاقتصادية والتضخّم، إلى الوباء وانفجار مرفأ بيروت. لم يُغفل برنارد الحاج أياً من الأحداث التي سلبت الكثير من اللبنانيين مستوى معيشتهم -وغالباً الأمل أيضاً- في أقل من عامين. في واحد من رسومه الكاريكاتيرية، وضعَ “الطبقات الوسطى” داخل صندوق عرض في “متحف الأنواع المنقرضة”. وفي رسم آخر، يصور لبنان بوصفه رجلاً مريضاً يرقد في الفراش، بينما الطبيب يشخّص حالته: “أخشى أنك مريض بحزب الله”.

أصبحت فكاهة الحاج أكثر قتامة بمرور الوقت. تعود أحد الرسوم الكاريكاتيرية القليلة غير الساخرة إلى الأيام الأولى للاحتجاجات التي جعلت الشعب بأكمله، بغض النظر عن الانتماء الديني، ينزل إلى الشوارع في خريف عام 2019 لبضعة أسابيع على الأقل. في ذلك الوقت، طرح “رؤية الثورة 2030″، مع “الأشياء التي نود رؤيتها في المستقبل القريب”. ويصوّر الكاريكاتير مشاهد صغيرة، مثل أم تسأل طفلها إن كان يريد الذهاب وإطعام البط في الحديقة؛ شرطي يمنع أحد المشاة برفقة كلب من السير على ممر الدراجات؛ وصوت يعلن عن محطة المترو التالية. بيد أنّ هذه الأيام التي لم تكن تبدو فيها الحدائق والميترو وممرات الدراجات من الأمور الخيالية بعيدة المنال سرعان ما انتهت.

يمزح الحاج ويقول بوصفك لبنانياً فأنت تمضي معظم حياتك تخطّط لهجرتك بكل الأحوال. وقد سرّعت الأزمات الأخيرة المتعددة من تخطيطه للهجرة. ففي غضون أسابيع قليلة من كتابة هذا المقال، يخطّطُ للمغادرة إلى برلين، حيث تعرضُ بعض رسوماته موقعة باسمه الفني “فن بوو”، إلى جانب أعمال الفنانة باولا يعقوب في صالة عرض دي أيه أيه دي DAAD. لقد تعلّم الألمانية بالفعل. “بيد أنني لا أغادر الآن لكي أكتشف ثقافة أخرى- أنا أهرب. إنني أغادر بطريقة أقل كرامة مما أردت”.

غادر بالفعل ثلاثة من أصدقائه المقربين البلد، جميعهم في أعقاب انفجار بيروت (2020)، الانفجار الذي غيّر علاقة الحاج مع المدينة: “بالكأد أتعرّف على بيروت الآن، وكأن المدينة في حالة من عدم اليقين”. شارع غورو، حيث قضى شبابه، من ضمن الشوارع الأكثر تضرراً من الانفجار. “ذاكرتي مرتبطة بأماكن معينة، بمقهى معين، ببيت معين. رؤية كل هذا مدمَّرًا أشبه بشخص يقتحم حياتي الشخصية ويقول: كل هذا لا شيء”.

نشأ برنارد الحاج في عائلة مسيحية من الطبقة الوسطى، درس التصميم الغرافيكي وعمل في وكالة إعلانات حيث شحذ موهبته وصقل رسوماته. يختلف أسلوب رسومه الكاريكاتيرية اختلافاً كبيراً عن أعمال رسامي الكاريكاتير الأوائل الكبار في لبنان، مثل بيير صادق ومحمود كحيل (الذي سُمّيت جائزة محمود كحيل تيمناً به، وهي جائزة سنوية تمنح لأفضل الشرائط المصورة والكاريكاتير والرسوم في العالم العربي).

فقد علّقوا، لعقودٍ من الزمن، على الأحداث من خلال رسم السياسيين كشخصيات يمكن تمييزها، وهذا ما كان ممكناً دائماً في لبنان الليبرالي نسبياً. بينما كانت الأمور مختلفة في مصر على سبيل المثال، حيث لم يكن بوسع رسامي الكاريكاتير، منذ خمسينيات القرن الماضي وفي ظل حكم عبد الناصر على أقصى تقدير، إلا التعبير عن آراء عامة حول الفساد والفقر واستغلال السلطة، ولم يكن بمقدورهم تصوير شخصيات سياسية من دون تعريض أنفسهم للخطر. أو في سوريا أيضاً، حيث كُسِرت يدي علي فرزات من قِبَل أتباع الأسد بعد أن كان أول شخص تجرّأ على رسم كاريكاتير للديكتاتور الأبدي الأسد، بعد اندلاع الثورة في عام 2011. أو في الأردن، حيث تعرّض رسام الكاريكاتير عماد حجاج، في آب/أغسطس (2020)، للتوقيف لبضعة أيام بعد أن صوّر ولي عهد أبوظبي في رسم كاريكاتيري يسخر من التقارب بين الإمارات وإسرائيل.

أفواه مفقودة: دليل على العجز

شخصيات برنارد الحاج لا تصور أفراداً معنيين   في الواقع، تذكرنا شخصياته بشخصيات العصا (Stick Figures)، التي لا يمكن تمييزها إلا من خلال قامتها ولباسها. يرتدي السياسيون بدلات ممدودة على بطون مستديرة. بينما المواطنون العاديون قامتهم طويلة ونحيفة وغالباً ما تكون رؤوسهم منكّسة. لكن القاسم المشترك بينهم جميعاً النظرة الحائرة على وجوههم؛ إذ تملك شخصيات الحاج عيوناً، بيد أنها لا تملك أنوفاً أو أفواهاً. “لا يمكنهم الكلام، فقط يستطيعون مراقبة ما يحدث. هذا نابع من شعور بالعجز. فالوضع في لبنان فُرِض علينا، ولا يمكننا قول أي شيء من شأنه تغيير الوضع”.

وليس من التناقض أن ينطبق الأمر ذاته على السياسيين؛ بدا لوقت طويل أنهم سجناء للتقنيات التي استُخدِمت لحكم لبنان لسنوات طويلة، والتي تعتمد على المحسوبية والفساد وظاهرة “الواسطة”. للعثور على عمل، أو الحصول على رخصة بناء، أو على البراءة. وبعبارة أخرى، كل شيء.

“واسطة” هي أيضاً اسم لعبة ورق رسمها برنارد الحاج لمطور اللعبة إيلي كسرواني، الذي يدير مقهى لمحبي الألعاب اللوحية في ضواحي بيروت. وقد بيعت 500 نسخة عربية من اللعبة خلال أسبوعين، وكان الطلب كبيراً بحيث أنّ كسرواني صمّم أيضاً نسخة إنكليزية من اللعبة. وتهدف لعبة “واسطة” إلى رشوة اللاعبين الآخرين بأوراق ذات قيم مختلفة.

يلعبُ كل جانب من جوانب الحياة اللبنانية دوراً في لعبة “واسطة”: الجيران، ضباط الشرطة، القوى الأجنبية، المصارف والبلطجية. واللاعب الذي يبدأ أولاً هو الشخص الذي كان آخر من نجح في الحياة الواقعية في سحب الدولارات من حسابه البنكي، وهي مزحة ساخرة، إذ أنّ على العملاء بذل جهود كبيرة قبل أن تمنحهم المصارف المتضرّرة حق الوصول إلى دولاراتهم وذلك إن سمحت لهم بذلك أساساً.

وكما يحب الحاج أن يقول، فإنّ الفكاهة اللبنانية أشد قتامة من عالم السياسي. وقد اكتشف ذلك بنفسه حين كان في منطقة الجميزة حيث يقع منزله، وفي حوالي العام 2008 وبعد الانسحاب السوري (2005) حين كانت بيروت تتعرض للتفجيرات بانتظام. اعتاد الناس على ترك ملاحظات تحوي أرقام هواتفهم في سياراتهم، للتواصل معهم إن اعتقد أحدهم أنّ السيارة تبدو مشبوهة. ويتذكر الحاج بوضوح سيارة سيات SEAT بيضاء. مكتوب على قصاصة ورق وُضِعت على زجاجها الأمامي: “عزيزي الانتحاري، إذا أردت أن تقتل نفسك، فأرجوك افعل ذلك بعيداً عن سيارتي. لقد اشتريتها للتو وما زلت أدفع أقساطها”.

لحظة مهمة. يقول الحاج: “بيد أنّ الفكاهة السوداء هي سيف ذو حدّين”. لبرهة تجعل الأمور التي يصعبُ تغييرها أكثر احتمالاً. وفي الوقت ذاته، فإن تكلفتها هو التعاطف الذي من الممكن استخدامه لاغتنام أي فرصة صغيرة متبقية من أجل التغيير. لكن برنارد الحاج لم يعد يرى أي فرص كهذه بالنسبة له في لبنان. يقول ضاحكاً بالطبع: “أريد حياة أوروبية مملة”. من الممكن أن تكون روح الفكاهة لديه مناسبة لذلك.

قنطرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post فيلم «Cuties»: حين تصبح الإسلاموفوبيا مبررًا للبيدوفيليا
Next post السماح لشرطة هولندا بارتداء الحجاب
%d مدونون معجبون بهذه: