موقف حكومات أوروبا من نزع الجنسية للمقاتلين الأجانب

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_لا يزال ملف المقاتلين الأجانب في صفوف “داعش”، الأكثر إرهاقاً للقارة العجوز مع استمرار الضغوط الدولية لاستعادة مواطنيها الذين انضموا للتنظيم الإرهابي على مدار السنوات الماضية ومازالوا متواجدين بمخيمات في سوريا والعراق. وقد دفعت تلك الضغوط الدول الأوروبية للبحث عن سبل للتعامل مع هذا الملف في إطار تشريع لوائح وقوانين جديدة تحفظ أمنها القومي، نظرا لمخاوف تتعلق بعودة المقاتلين الأجانب لأوطانهم.  

مواقف الحكومات الأوروبية  من نزع الجنسية

رغم الانتقادات الموجهة من منظمات المجتمع المدني، فإنّ عدداً كبيراً من دول أوروبا والغرب، حسمت أمرها بنزع الجنسية، من مزدوجي الجنسية، محاولة منها لردع الشباب من الالتحاق بالجماعات المتورطة أو الانخراط في عمليات إرهابية. وهنا نذكر:شمل نص قانون الجنسية في ألمانيا، والذي تم تعديله في فبراير سنة 2009، على إمكانية سحب الجنسية من الشخص ومن “الجهاديين” ايضاً وبقرار غير رجعي. وفي أعقاب ذلك ناشدت رئيسة الحزب المسيحي الديمقراطي الشريك بالائتلاف الحاكم في ألمانيا سنة 2019، وزيرة العدل الاتحادية “كاتارينا بارلي” السماح بتمرير مشروع القانون الذي يُمكن من خلاله سحب الجنسية الألمانية من مقاتلي تنظيم “داعش” الألمان ذوي الجنسية المزدوجة. وهو نفس الاجراء الذي اتخذته هولندا في حالة ازدواجية الجنسية لمرتكبي الجرائم الإرهابية لحماية أمنها الداخلي والخارجي، والذي طبق في آذار 2017. 

اعلنت الحكومة البريطانية مؤخراً تقديم مشروع قانون لإدخال تحديث على قانون سابق يمنح وزارة الداخلية صلاحية سحب الجنسية من مثل هؤلاء المقاتلين دون سابق إنذار. نظراً لمخاوف تتعلق بعودة المقاتلين الأجانب لأوطانهم. كما أكدت أنّ تجريد الشخص من الجنسية حق للسلطات تنفذه ضد من يشكل تهديداً على البلاد، مشددة على أنّ الجنسية البريطانية ليست حقاً أصيلاً بل امتياز.
اما في بلجيكا فقد قام القضاء البلجيكي سنة 2019 بـ سحب الجنسية من 13 شخصاً بسبب انضمامهم لـ تنظيم “داعش”.

ويمكننا تناول حالة الأم البريطانية سارة والتي غادرت بريطانيا قبل عدة سنوات للعيش في ظل حكم “داعش”. والعالقة في معسكر اعتقال في سوريا، حول كيفية علمها بسحب جنسيتها بعد عام من حدوث ذلك، لأن حكومة بريطانيا فشلت في إبلاغها.وقد اثار هذا الاتجاه والتغيير القانوني المقترح القلق، الكثير من الجدل بين النشطاء والمنظمات غير الحكومية، والمشرعين البريطانيين، الذين طالبوا بريطانيا بأن تتحمل مسؤولية مواطنيها، بدلاً من تركهم في طي النسيان في الخارج. وفي حالة سوريا، هناك العديد من النساء والفتيات تم إعدادهن عبر الإنترنت وهن ضحايا الاتجار بالبشر ويحتجن إلى الدعم، كما يقولون. خاصة انه هناك مخاوف من أن تؤدي هذه الممارسة “سحب الجنسية” فعلياً إلى جعل العديد من النساء والأطفال في شمال شرق سوريا عديمي الجنسية.

إنقسام أوروبا حول إستعادة المقاتلين الأجانب

يشهد ملف عودة مقاتلي “داعش” الأوربيين من مخيمات الاحتجاز في سوريا انقساماً حاداً داخل دول أوروبا، إذ يرى البعض أنّ استعادة المقاتلي سيشكل تهديدات أمنية تتمثل في نشر التطرف وتسريع وتيرة الاستقطاب والتجنيد بهدف تنظيم هجمات إرهابية.وفي المقابل، يرى فريق آخر أنّ الخطر الأكبر هو ترك مقاتلي “داعش” في مراكز الاحتجاز ما يعد بمثابة قنبلة موقوتة تستهدف أوروبا

يرى خبراء في هذا الشأن: “أنّ عودة المقاتلين الأجانب إلى بلادهم بعد سنوات من القتال في صفوف “داعش” في سوريا والعراق، يمثل قنبلة موقوتة تهدد أوروبا بالانفجار في أي وقت، فيما تشير التحذيرات لمجموعات “الذئاب المنفردة” بأنها تمثل خطراً أكبر لأنها خلايا موجودة بالفعل داخل المجتمع الأوروبي”.

ويرى الخبير في القانون الدولي في معهد أسير والمركز الدولي لمكافحة الإرهاب في لاهاي “كريستوف باولوسن”: “ان الاتحاد الأوروبي يمكن أن يؤدي دوراً تنسيقي رئيسياً. فالتعاون، على سبيل المثال فيما يتعلق بتبادل المعلومات الاستخباراتية، سيكون ضرورياً، لأنه بعد فترة معينة، سيسير العائدون في شوارع أوروبا مرة أخرى، إما لأنه لا يمكن مقاضاتهم لعدم كفاية الأدلة أو لأنهم قضوا مدة عقوبتهم”.

صرحت الأمم المتحدة وفقاً لتقرير فرانس 24 الصادر بـ 18/04/2021: “انه هناك حالات تطرف وتدريب وجمع تبرعات في مخيّم الهول، وحوالي نحو 10 آلاف امرأة وطفل أجانب يعيشون في خيام في منطقة خاصة ملحقة بالمخيّم، ما سيتم تلقين بعض القصّر وتجهيزهم ليصيروا مستقبلاً مقاتلين في تنظيم “داعش”.كما صرحت مفوضة مجلس أوروبا لحقوق الإنسان، “دنيا مياتوفيتش” وفقاً لتقرير .dw.com الصادر بـ 02/07/2021 : “انّ مواطني دول المجلس البالغ عددها 47 دولة يدخلون ضمن الاختصاص القضائي لهذه الدول”. وجاء هذا كرد على خلفية طعنين قضائيين رفعتهما عائلات، برفض إعادة فرنسا أقارب معتقلين في مخيم الهول الشاسع في شمال شرق سوريا.

مواثيق وصكوك الإتحاد  الأوروبي 

ـــ “حق العودة” موجود بالفعل؛ هو حق قائم بالفعل. وهو مكرس في عدة صكوك دولية أو إقليمية، ويعتبره البعض جزءا من القانون الدولي العرفي. وتنص المادة 13-2 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على: “أنه يحق لأي شخص أن يغادر أي بلد، بما في ذلك بلده، وأن يعود إلى بلده”تنص المادة 3 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان “حظر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية أو المهينة” وهو ما يعكس الوضع الصحي والأمني السائد في هذه المخيمات والذي يعرض للخطر حياة المحتجزين هناك وصحتهم البدنية والعقلية، ولاسيما الأطفال وعلى الحكومات الاوربية تطبيق ما تنص عليه هذه المادة.

توالت الدعوات الأوروبية والأميركية إلى حكومات أوروبا من أجل استقبال مواطنيها من المقاتلين والنساء والأطفال الذين ينتمون لـ تنظيم “داعش”، وانقسمت مواقف دولها بين الرفض الشديد لتلك النداءات، والاستجابة البطيئة لاستعادة أعداد قليلة من المقاتلين من سوريا والعراق. وتبدو خطوة ألمانيا والدنمارك مغايرة للخطوات السابقة في ملف عائلات “داعش”، حيث استعادت الحكومتان 11 امرأة و37 طفلاً ينتمون للتنظيم من مخيم شمال شرق سوريا. وهذا راجع لسببين اثنين اولهما انه لا يمكن تحميل هؤلاء الأطفال أخطاء آباء وأمهات لم يختاروهم. ثانيهما كي لا يصبحوا إرهابيي المستقبل، على حد قول رئيس الوزراء البلجيكي “أليكسندر دي كرو”، حيث اعلنت بلجيكا في 05/03/2021 أنها ستعيد الأطفال المواطنين الذين عمرهم دون الـ12 عاماً إلى بلجيكا.

في حين هناك بعض المسؤولين الأوروبيين يصرون على أنهم غير قادرين على طرح فكرة إعادة العالقين من أطفال “داعش” أو من الذين غُرر بهم وانضموا إلى صفوفها وهم أطفال، خشية من أن يتحول هؤلاء إلى عناصر إرهابية مستقبلاً.

التقييم

إن استمرار احتجاز هؤلاء المقاتلين دون محاكمات وآليات واضحة لحل مشكلتهم واستخدام “سحب الجنسية” فعلياً، باعتبارها ألية أمنية للحد من العودة الى أوطانهم. سيكون سبباً في عودة التنظيم للنشاط، انطلاقاً من مراكز احتجاز مقاتليه الحالية ذاتها. ما زال التنظيم  نشطا رغم انكساره العسكري في سوريا والعراق.

يمكن لمراكز الاحتجاز الحالية أيضاً ان تتحول يوماً بعد آخرالى اكاديميات تغذي الفكر المتطرف بين المحتجزين، خاصة المراهقين، وهذا مؤشر خطر محدق، قد يعيدنا لنقطة البداية التي انطلق منها أساساً تنظيم “داعش”.

ما ينبغي العامل عليه، معالجة عنصرين رئيسين لحل هذه المعضلة الأمنية انطلاقاً من لم الشمل العائدين  وعائلاتهم، وإبطال الأفكار العقائدية المتطرفة التي غرست في عقولهم. فضلاً عن ذلك، تحتاج أوروبا اليوم إلى وضع سياسة مشتركة بشأن العائدين، فالسياسات الحالية متفاوتة نظراً لانقسام مواقف دولها بين الرفض الشديد لتلك النداءات، والاستجابة البطيئة لاستعادة أعداد قليلة من المقاتلين في سوريا والعراق.

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب و الإستخبارات 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post رغم اللقاح والدة الملك الهولندي تصاب بالكورونا
Next post نقاطُ الالتقاءِ والافتراقُ الأمريكيِ والإسرائيليِ حولَ فلسطين
%d مدونون معجبون بهذه: