hand touching glass

كيف تلغي العولمة خصوصيات المجتمع

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_بعد نهاية الحرب العالمية الثانية اقترح زعماء الدول الحليفة تنظيم العلاقات الدولية، من خلال تكتلات إقليمية تساعد الأمم المتحدة على حفظ الأمن والاستقرار الدوليين. وقد أشارت في المواد 52 و53 و54 إلى دور المنظمات الإقليمية في هذا المجال، أي حصول المنظمات الإقليمية على الشرعية الدولية في وجودها. وكون الجانب الأمني أثبت ضعفه في تكامل الدول وربطها، الأمر الذي دفع بصعود تيار التكامل الاقتصادي وظهور تكاملات ناجحة: (الاتحاد الأوروبي، منظمة التبادل الحر لأمريكا الشمالية، رابطة جنوب شرق آسيا… إلخ).

غير أن هذا النجاح تُهدده تحديات مختلفة، لعل أهمها العولمة والقومية والإثنية، وكل من هذه التحديات لها علاقة مباشرة بالتكامل ومساره، فإلى أي مدى تُشكّل هذه التحديات تهديداً لعملية التكامل؟

التكامل في ظل العولمة

حسب Gaillar Jean Michel في مقالته “كيف تتحول الأرض إلى قرية صغيرة”، فإن أول ما ظهر مفهوم العولمة كان في الولايات المتحدة الأمريكية، تحت اسم الشمولية، وبترجمة الكلمة إلى الفرنسية فإنها تعني شمولية الأسواق، باعتبارها فضاءً يترجم الحرية الكاملة للمبادلات المتنوعة، ولقد تطوّر المفهوم في التسعينات، وأخد معاني كثيرة تنطلق من:

· انهيار المعسكر الشيوعي، وانفتاح الاقتصاد الصيني، ما أدى إلى توحيد السوق العالمية وزوال الاقتصاد المخطط.

· تطور وسائل الاتصال في السبعينات، أي التقنيات الجديدة للإعلام والاتصال، التي تتجلَّى في ظاهرة الإنترنت.

· تطور العولمة بعد ذلك واتصافها ببعد ثقافي تغذيه عملية انتشار التكنولوجيا في العالم، ما أعطى الظاهرة تأثيراً آخر تجاوز الجانب الاقتصادي، ليطال الأشخاص والهويات والقيم.

أما الفيلسوفة (Simon Gui 1909_1949)، صاحبة كتاب “الجاذبية والدلال”، فقد أشارت إلى أن العولمة خطر يهدد البشرية، حيث تقول:

“إننا نعلم أن أمركة العالم أو أوروبا بعد الحرب ستصبح خطراً عظيماً، ونعلم أيضاً مدى ما سنخسره لو تم ذلك، لأن أمركة أوروبا سوف تُمهد دون شك لأمركة العالم بأسره، وحينئذ سوف تفقد الإنسانية جمعاء ماضيها”.

ومن هنا نجد أن العولمة قائمة على فرضية إلغاء الخصوصيات كلية باسم العصرنة، لتضع كل المجتمعات أمام إشكالية صعبة في كيفية التوفيق بين العصرنة والأصالة. أما التكامل فيقوم على وجود خصائص وقيم متشابهة بين الدول، أي يكون لكل تكامل خصوصية.

والعولمة كما أشرنا قائمة على إلغائها، وتكون عبر نشر الثقافة والنمط الأمريكي في كل المجالات، أي أمركة العالم، والولايات المتحدة الأمريكية تسعى كل السعي لترسيخ هذا، ويمكن القول إنها تستعمل التكامل لنشر العولمة، وربط اقتصادات الدول باقتصادها، كون الاقتصاد هو القلب النابض لأي قوة يمكن أن تُخلق في العالم من خلال تفعيل دور الشركات المتعددة الجنسيات.

وحسب هذا التحليل، نجد أن تكامل المجموعة الاقتصادية لآسيا والمحيط الهادي “APEC” يجسد هذا الاستغلال، حيث كيف نفسر ضم هذا التكتل أكبر تكتّلين، وزعيم أحدهما الولايات المتحدة الأمريكية، و3 اقتصادات كبرى في العالم (الصين، اليابان، أمريكا)، وهي كذلك الزعيم، حيث إذا مسّت العولمة الاقتصاد من السهل فيما بعد المساس بالمجالات الأخرى. وهنا تكون العولمة خطراً وتحدياً صعباً أمام هذا الحل الوحيد لحفظ الخصوصيات الإقليمية.

التكامل في ظل القومية والإثنية

إن القومية والإثنية يمكن أن يكونا مكمّلين للتكامل، ويمكن أن يُشكّلا مشكلة وتحدياً، وما يجب التطرق إليه لمعالجة هذا هو التفرقة بين المفهومين.

القومية:

هي حالة ذهنية تعبر عن وعي قومي وعقيدة سياسية واتجاه سياسي يعبر عن توجهات ومصالح جماعات معينة. عرّفها سنايدر -وهو من أبرز دارسي القومية- بأنها:

“حالة ذهنية أو مشاعر وعواطف عند مجموعة من الناس يعيشون في منطقة محددة، يتكلمون اللغة ذاتها، وذوي ثقافة مشتركة، تمثل تقاليد معينة، وتكون لهم ديانة واحدة أحياناً”.

الإثنية:

هي رابطة خاصة تجتمع بين أشخاص وتعطيهم شعوراً بأنهم جماعة متمايزة عن غيرهم. وتتكون تلك الرابطة من ثقافة مشتركة وقيم وتقاليد ومعتقدات أساسية مشتركة، تبلور الشخصية المختلفة لهذه الجماعة من الناس عن الجماعات الأخرى أو عن الآخرين بشكل عام.

وتقدم الإثنية للفرد الشعور بالانتماء إلى جماعة معينة، فالهوية الإثنية تنبع إذن عن إيمان وقناعة بوجود تاريخ مشترك للجماعة، يُعبر عنه في صفات مشتركة كاللغة والعادات والتقاليد والتراث، وأحياناً الدين، بحيث يُخلق نوع من الوعي الجماعي بالشخصية المميزة للجماعة، التي تحددها سمات عديدة، ويخلق لدى أفراد هذه الجماعة الرئيسية شعور “الـنّحن” و”الــهُم”؛ أي شعور الانتماء إلى جماعة معينة تُميزهم عن الآخرين. فترسم هذه الصفات المشتركة حدود الجماعة التي تتحدد على أساسها ثنائية “نحن” و”هُم”.

الفرق بين القومية والإثنية

لقد ميّز بعض الكُتاب بين الإثنية والقومية، معتبرين أن الأولى تقوم فقط على خصائص تنبع من روابط ثقافية، في حين أن الثانية هي أكثر شمولية. ومن جهة أخرى رأى بعض الكتاب أن الجماعات الإثنية تمتلك كثيراً من الصفات المشتركة مع الجماعات القومية، وأنها بالتالي قوميات كامنة، والمقصود عند أصحاب هذا الاتجاه أو التحليل أن الإثنية هي ظاهرة ثقافية واجتماعية وليست سياسية أو عقائدية كما هي القومية.

إن ما يدفع بهذه القومية والإثنية لأن يُشكلا تحدياً بالنسبة للتكامل، حينما لا يحقق التكامل أحد شروطه، وهي أن يكون هناك توافق بين العادات والثقافات في مجتمعات الدول المكونة للتكامل، هذا ما يدفع الجماعة -غير المتوافقين في العادات والثقافات- إلى الانطواء على الذات، والتمسك بالقيم والمعتقدات التقليدية التي تجمعهم، خوفاً على شخصيتهم الثقافية من الاندثار، نتيجة الشعور بالاغتراب، ما يخلق نوعاً من التوتر داخل التكامل.

ويبرز هذا التحدي بشكل واضح في التكاملات الموجودة في العالم كافة، وبالخصوص في الدول التي كانت تحت وطأة الاستعمار. حيث عزَّز هذا الأخير هذه الانتماءات بشكل عدائي، من خلال الحدود التي قسمت بها هذه الدول، حيث ضمّت داخل دولة واحدة مجتمعين مختلفين، وفرّقت بين المجتمع الواحد في دولتين، وفضلت جماعة على جماعة، فكثرت حركات الانفصال التي جعلت دول العالم الثالث عاجزة في تحقيق ولاء لدولة فوق قومية، وإقامة بنى سياسية وبنى اقتصادية متطورة.

من خلال هذا التحليل نجد أن تحدي العولمة أوسع من القومية والإثنية، ولكن هذا لا يجعل من هذين الأخيرين غير مؤثرين؛ كونهما المحرك الأساسي للحروب وعدم استقرار التكاملات. أما عن التكامل فموقعه كائن بين تحديات ملحة، تضغط عليه وتؤثر على مساره، ولا سبيل لنجاح التكامل في ظل كل هذا إلا إذا كانت الدول المكونة له مؤمنة بنجاحه، وتعمل لإنجاحه بكل الوسائل، وتحقيق ولاء فوق قومي لهذا الكيان هو الحل الوحيد للوقوف في وجه العولمة، والمحافظة على ثراء الإنسانية من خلال تنوع ثقافاتها. 

عربي بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post اللجنة الاستشارية البلجيكية وإجراءاتها من جدبد
Next post الأديب الكبير/ علي مصطفى المصراتي في ذمة الله
%d مدونون معجبون بهذه: