حكايا المدار الفنية ((فنان من المدرسة الفرنسية))

حكايا المدار ترويها للمدار نجاة الأسعد

شبكة المدارالإعلامية الأوروبية …_ الانطوائية والخجل الشديد اللذان صاحبا شخصية جميل راتب في صغره لم يمنعانه من التمرد على أفكار عائلته الأرستقراطية التي رفضت عمله في الفن.
بين سحر الفن الأوروبي في فرنسا وجاذبية السينما المصرية، خطف الفن الفتى جميل راتب صاحب الملامح الشرقية، وصاحب المشوار الفني الذي امتد أكثر من 70 عاما، والذي تمر 18 أغسطس/آب ذكرى ميلاده الـ95، إذ ولد عام 1926.
الانطوائية والخجل الشديد اللذان صاحبا شخصية جميل راتب في صغره لم يمنعانه من التمرد على أفكار عائلته الأرستقراطية، التي رفضت عمله في الفن، وإن كانت بذور التمرد داخله موروثة من تلك العائلة أيضا؛ فوالده وأعمامه شاركوا في ثورة 1919 ضد الاحتلال البريطاني لمصر، أما والدته -وأصولها من الصعيد- فعمتها هي الناشطة النسوية هدى شعراوي.

وجد الشاب الصغير نفسه على مسرح المدرسة والجامعة، ويكسر حاجز الخجل الشديد ويحصل على جائزة الممثل الأول على مستوى المدارس المصرية والأجنبية في مصر، ورشحه حينها المخرج توغو مزراحي لتقديم مشهد مع الفنانة ماري منيب في فيلم “الفرسان الثلاثة” عام 1941؛ إلا أن أسرته أصرت على حذف المشهد.

اضطر جميل راتب إلى الموافقة على قرار أسرته بدراسة السياسة في كلية الحقوق الفرنسية في مصر عام 1945، والسفر إلى فرنسا لاستكمال تعليمه، وهناك قرر أن يلفظ الحياة الدبلوماسية التي اختارتها العائلة، وأن يدرس التمثيل في معهد خاص، وحين حُرم من المصروف الشهري الذي يساعده على الحياة قرر أن يعمل “كومبارس” في بعض الأعمال ومترجما إذا تطلب الأمر، كما عمل نادلا في مقهى.
نشأة جميل راتب في عائلة أرستقراطية لم تتح له التعرف على الطبقات الفقيرة عن قرب، لكن قرار العمل حمّالا في سوق الخضار لتوفير نفقاته كانت من الدروس التي أضفت حالة من الثراء الإنساني على شخصيته، وساعدته في حياته المهنية، حيث تمكن من التنوع في تجسيد الشخصيات المختلفة بالبراعة نفسها.

وجود جميل راتب في فرنسا جعله يختلط بالفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر والمؤرخ الفرنسي بيير فيلار، فقد بدأ مشواره في باريس بالعمل في الفرق الصغيرة، حتى رشحه الفنان سليمان نجيب للفرقة الفرنسية المشاركة في عروض بدار الأوبرا المصرية بأن يكون راتب ضمن الفنانين الرئيسيين في العروض، وهو ما منحه فرص المشاركة في أدوار كبيرة ورئيسية في المسرح؛ فقدم عروضا في مصر ولبنان وسوريا وتركيا، وقدم مسرحيات أمام جمهور واسع ومختلف، بجانب مشاركته في تقديم أعمال شكسبير على المسرح.
رغم المساحات الكبيرة والأدوار الرئيسية التي حصل عليها في المسرح، فإنه ظل يشارك بأدوار صغيرة في السينما، حتى جاءته الفرصة ليقدم شخصية رئيسية في فيلم “ترابيز” (Trapeze) عام 1956، وفي العام نفسه كانت أول بطولة مطلقة له في فيلم مصري قدمت بطولته نجمة فرنسية وهى كلود جودار (أنا الشرق)، وقام مخرج الفيلم بعمل “دوبلاج” لصوتها باللغة العربية.

وبعدها شارك جميل راتب في أفلام عالمية منها “لورانس العرب” (Lawrence of Arabia)، كما شارك بالأداء الصوتي في فيلم “عمر المختار” لشخصية الضابط الإيطالي توميللي، والفيلم الفرنسي “ارتكاب جريمة قتل” (To Commit a Murder).
انشغال جميل راتب بالسينما والمسرح في فرنسا جعله يغيب عن مصر منذ الأربعينيات، ليعود عام 1974 لمتابعة بعض الأمور الأسرية، حيث قرر أن يمكث في مصر 6 أشهر غيّرت حياته حين عرض عليه المخرج المسرحي والفنان كرم مطاوع تقديم دور رئيسي في مسرحية “دنيا البيانولا”، بعدها رُشح راتب لتقديم فيلم تلفزيوني عن حياة كامل الخلعي منذ طفولته إلى وفاته، وهي الشخصية التي فتحت أمامه أبواب التلفزيون والسينما في مصر.
لم يقرر جميل راتب ترك فرنسا والاستقرار في مصر، لكن العروض التي انهالت عليه بعد مشاركته في المسرح والتلفزيون جعلته يُرشح لتقديم دور مهم في فيلم “الكرنك”، بعد أن أقنعه صديقه في هذا الوقت الشاعر صلاح جاهين، لكن قبل بدء العمل بأيام فوجئ باستبعاده واستبعاد أحمد زكي، ليحل بدلا منهما نور الشريف وكمال الشناوي، ليرشح بعدها للعمل في فيلم “الكداب” مع المخرج الكبير صلاح أبو سيف.
الأبعاد الإنسانية المختلفة التي تحمل الخير والشر كانت محور الشخصيات المختلفة التي نجح جميل راتب في تقديمها، فجاء مشواره محملا بأدوار شديدة التنوع والاختلاف؛ فهو المتسلط “نبيل بيه الأربوطلي” في فيلم “البداية” مع صلاح أبو سيف، وهو “فرط الرمان” في “الوداع يا بونابرت” مع المخرج يوسف شاهين، وهو “البهظ بيه” تاجر المخدرات في “الكيف”، والسفير المتقاعد “مفيد أبو الغار” الذي يحارب التشوه والفساد في مسلسل “الراية البيضاء”، و”لطفي بيه” في “سنبل بعد المليون” و”أبو الفضل” في “يوميات ونيس” و”الخواجة” في “زيزينيا”.
وشارك أيضا في “شفيقة ومتولي” و”البريء” و”ضمير أبلة حكمت” و”أحلام الفتى الطائر” و”طيور الظلام” وغيرها من الأعمال المهمة. فوجود جميل راتب في مصر كان عوضا عن ممثلين مهمين في تاريخ السينما، مثل محمود المليجي وزكي رستم.
استقرار جميل راتب في مصر لم يمنعه من المشاركة في أفلام عالمية مجددا؛ فشارك في الفيلم المغربي “كش ملك”، الذي تقاسم بطولته مع شريهان، والفيلم التونسي “شيشخان”، والفيلم المغربي “صيف حلق فريد”.
الانشغال بالفن جعل جميل راتب يرفض الإنجاب من زوجته الفنانة الفرنسية مونيكا مونتيفيير، التي اعتزلت التمثيل بعد الزواج وتفرغت للعمل مديرة إنتاج، ثم منتجة منفذة، ثم مديرة لمسرح الشانزليزيه، فقد كان يخشى على مستقبل أولاده بسبب عمله في الفن، وأنه غير مستقر. ورغم انفصاله عنها بعدها بسنوات فإنه رفض الزواج مجددا، وظل على علاقة طيبة بها.

التقدم في العمر جعل جميل راتب لا يتمكن من السير جيدا، فاستعان بكرسي متحرك، وقال في لقاء على إحدى الفضائيات إنه أيضا لم يعد يسمع بشكل جيد وإن صحته تأثرت، ولكن جميل راتب ظل لآخر لحظة يشارك في أعمال فنية، فقبل وفاته بأشهر قليلة ظهر ضيف شرف في مسلسل “بالحجم العائلي” وهو على المقعد المتحرك.
توفي بعدها في 19 سبتمبر/أيلول 2018 عن عمر ناهز 92 عاما، وكان أوصى بدفنه في مصر، كما أوصى مقربون له، ليحقق أمنيته.

ورغم وصيته بأن تقام له جنازة فقط، وألا يقام عزاء، فإن نقابة المهن التمثيلية أقامت عزاء له حضره عدد قليل من الوسط الفني، ومنهم أشرف زكي نقيب الممثلين.

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post الخطاب التاريخي الحديدي
Next post التوجه نحو الصين في العلاقات الخليجية .. الأبعاد والمحددات
%d مدونون معجبون بهذه: