الهجمات الحوثية على الإمارات.. السياقات والانعكاسات

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_

بعد سنوات من التهدئة غير المباشرة بين جماعة الحوثي والإمارات، أعلنت السلطات الإماراتية، الاثنين 17 يناير/ كانون الثاني الحالي، وقوع انفجار في صهاريج لنقل المواد البترولية في أبو ظبي أدى لمقتل ثلاثة أشخاص، وجرح ستة آخرين، واندلاع حريق قرب المطار، وقد أعلنت جماعة الحوثي مسؤوليتها عن الهجوم، وأنها نفذتعملية عسكرية ضد الإمارات بخمسة صواريخ وعدد من الطائرات المسيرة ، مستهدفة مطار أبو ظبي ومصفاة نفط وأهدافاً أخرى.

هذه العملية تحمل في دلالتها تحولاً جديداً في طبيعة المعركة بين التحالف العربي وجماعة الحوثي؛ بوصفه أول هجوم نوعي يطال منشآت صناعية ومدنية إماراتية، وتتهم الإمارات جماعةَ الحوثي بتنفيذه، كما أنه يمكن أن يغير قواعد الاشتباك بينالإمارات وجماعة الحوثي، ويمكن أن تكون له انعكاساته الإقليمية المباشرة، وتأثيراته الدولية غير المباشرة.

يبحث تقدير الموقف في سياقات هذا الحدث، وتأثير التصعيد الحوثي المباشر، وانعكاسات الهجمات السياسية والعسكرية والاقتصادية.

سياقات الهجمات الحوثية على الإمارات

الهجمات الحوثية على الإمارات تأتي بعد تطورات في المشهد العسكري في اليمن، وفي وقت يشهد فيه المجتمع الدولي والإقليمي تحولات مهمة وتفاهمات جديدة، سواء فيما يتعلق بالمفاوضات النووية أو في إطار الملف الإيراني الخليجي.

الهجمات الحوثية والمفاوضات النووية

بعد حوارات مكثفة بشأن الاتفاق النووي الإيراني في فيينا، يبدو أن المفاوضات وصلت إلى مراحل جديدة، ويظهر أن إيران حريصة على العودة إلى الاتفاق النووي كما هو، بعيداً عن الشروط الجديدة التي يحاول المجتمع الدولي فرضها، والمتعلقة بالسياسة الإيرانية في المنطقة والأسلحة، كما تشترط إيران وجود ضمانات سياسية لرفع العقوبات ومنع تكرارها، وضمان استمرار الاتفاق، في المقابل ترى كل من أمريكا والاتحاد الأوروبي عدم إمكانية تقديم ضمانات من هذا النوع، ويحذران من ضغط الوقت الذي تحرص إيران على بقائه مفتوحاً.

توقيت الضربة ربما له علاقة بسير المفاوضات، في إطار تعزيز الأوراق التفاوضية الإيرانية، وإرسال رسالة للمجتمع الدولي أنه في حال عدم تقديم تنازلات لمصلحتها فإن الوضع الأمني في الشرق الأوسط قد يتطور، وبمعادلات جديدة غير تلك المعروفة سابقاً، وفي هذا الإطار قد توظف إيران كل أدواتها في المنطقة في تحقيق هذه الضغوط.

التفاهمات الإيرانية الخليجية وتأثير الهجمات

في إطار المفاوضات السعودية الإيرانية ربما هناك تفاهمات أولية على تطبيع العلاقات الدبلوماسية تدريجياً، بعد قطيعة دامت أكثر من ست سنوات، ولعل وصول ثلاثة دبلوماسيين إيرانيين إلى السعودية لتمثيل طهران في منظمة المؤتمر الإسلامي يؤكد ذلك، لكن التحديات الجديدة في سير المعركة في اليمن قد ترجح الكفة لمصلحة السعودية.

وعلى الرغم من أن الأوراق الإيرانية بدت قوية قبل التقدمات الأخيرة في الجبهات اليمنية، فإن المعادلة ربما رجحت لكفة التحالف بعد التقدمات، لتأتي الهجمات الحوثية محاولة إعادة ترجيح كفة إيران، متجاوزة ضرب السعودية الذي ربما لن يحدث فارقاً، ومتجاوزة في نفس الوقت التفاهمات الإماراتية الإيرانية ، التي بدت ملامحها واضحة من خلال زيارة طحنون لإيران، والدعوة الإماراتية للرئيس الإيراني لزيارة أبو ظبي.

كما أن هناك شكوكاً مشروعة أن الإيرانيين هم من نفذوا العملية، لكن التحقيقات الإماراتية تقول إن مصدرها صنعاء، وإنهم استخدموا صواريخ باليستية وكروز وصواريخ مسيرة، وهناك احتمالية أن تكون إيرانية الصنع أو أن تصميماتها إيرانية. لكن الصمت الإيراني الرسمي، وحديث وسائل الإعلام الإيرانية، يوحيان بأن العملية مُرتَّب لها مسبقاً، حيث وصفتها وكالة أنباء تسنيم الإيرانية بأنها عملية مهمة ، وفي أول تعليق إيراني غير مباشر على الحادثة، أصدرت الخارجية الإيرانية بياناً تؤكد فيه استعداد طهران للتعاون والمشاركة لإنهاء الحرب في اليمن، ويبدو أن إيران لا تزال مصرة فيما يتعلق بالملف اليمني على تنفيذ رؤيتها للحل.

العمليات العسكرية في اليمن وعلاقتها بالهجمات

توقيت الهجمات بعد التقدمات العسكرية المدعومة من الإمارات في اليمن، والسيطرة على مديريتي بيحان وعسيلان بمحافظة شبوة، ومحاصرة مديرية حريب بمحافظة مأرب، يوحي بأن ثمة تفاهمات بين الجانب الإماراتي والحوثيين- وإن بطريقة غير مباشرة- بعدم تجاوز القوات المدعومة من الإمارات جغرافياً المحافظات الجنوبية، لكن التطور الجديد في سير المعركة له دلالاته على الأرض واستمراره قد يؤدي إلى فشل المخطط الحوثي في حصار مأرب، وإن كان للإمارات أهدافها الخاصة من هذه الخطوة، لكن يظهر أن الموقف الحوثي يتباين مع الموقف الإماراتي في هذا الموضوع، وأن هناك خشية حوثية من استمرار عملية اليمن السعيد التي أعلنها التحالف العربي من محافظة شبوة.

الخلاف الإماراتي الحوثي تصاعد أكثر بعد سيطرة الحوثيين على سفينة إماراتية في السواحل الغربية اليمنية، قال الحوثيون إنها محملة بأسلحة، في حين قال التحالف إنها مجهزة بأدوات طبية، وقبلها أعلنت القوات المشتركة التي تسيطر على أجزاء كبيرة من الساحل الغربي من اليمن انسحابها من مساحات واسعة كانت سيطرت عليها سابقاً، وهو ما سهل على الحوثي السيطرة على تلك المساحات من التساؤلات عن طبيعة التفاهمات الإماراتية الحوثية.

هذه الأحداث في جملتها تدل أن الحوثيين استفزتهم محاولة فك الحصار عن مأرب على الرغم من الوجود الإماراتي في اليمن من قبل، لأن هذه الخطوة ستؤثر في مسيرة أي خطة سلام قادمة، لأن الحوثي يبدو مصراً على إسقاط مأرب قبل أي حديث عن السلام، كشرط من شروط التفاوض.

انعكاسات الهجمات الحوثية

يعد الهجوم الحوثي على الإمارات الأول من نوعه منذ بداية عاصفة الحزم عام 2015، وعلى الرغم من استهداف الحوثيين المتكرر للسعودية، فإنهم لم يتبنوا أي استهداف للإمارات سوى بعض الضربات بين عامي 2017 و2018، وقد نفت الإمارات هذه الهجمات، وأعلنت عام 2019 انسحابها من اليمن ، ومن حينها لم تتلق أي هجمات حوثية، والاستهداف الأخير ربما له انعكاسه على عدد من المستويات:

الهجمات الحوثية على الإمارات وانعكاساتها الخليجية

الهجمات الأخيرة قد يكون لها أثرها في المفاوضات السعودية الإيرانية، وقد يوسع الحوثي، ومِن خلفه إيران، من ضرباتهم باتجاه الإمارات بوصفها ورقة للضغط الإيراني الإقليمي والدولي، وقد تكون ورقة أربح من ضرب السعودية، إذ إن مكانة الإمارات الاقتصادية، والاستثمارات الدولية فيها، وانفتاحها على السياحة الإقليمية والدولية، وصغر مساحتها، يجعل من الهجمات الحوثية أكثر تأثيراً.

يبدو أن حالة استقرار المشاريع الاقتصادية في الإمارات مهدَّدة أكثر بعد الهجمات الأخيرة، ولهذا حاولت الإمارات سابقاً تجنيب نفسها كلفة المواجهات المباشرة في اليمن، وعمدت إلى تدريب تشكيلات عسكرية تابعة لها، وإعلان انسحابها من اليمن، هروباً من ضريبة المواجهة المباشرة، وربما سيكون للأحداث الأخيرة في حال استمرارها انعكاس مباشر على الاستثمارات الدولية في أبو ظبي ودبي، وعلى البورصة الخليجية وأسعار النفط الخليجي عموماً.

قد لا يستطيع الحوثي التجاوز أكثر، لأن ذلك سيعقد التفاهمات الإماراتية الإيرانية، لأن الإمارات تعد متنفساً رئيساً لإيران، وتصعيد الهجمات ضدها سيضر بالمصالح المشتركة بين البلدين، وقد يضطر الإمارات إلى التصعيد السياسي والدبلوماسي ضد إيران، من قبيل طرد السفير الإيراني، ومقاطعة المنتجات الإيرانية، وتوقيف التعاون الاقتصادي، وهذه الأوراق ستؤثر تأثيراً سلبياً كبيراً على المصالح الإيرانية.

الهجمات الحوثية على الإمارات وانعكاساتها على العمليات العسكرية في اليمن

يبرر الحوثيون عدم استهدافهم للإمارات في الفترة الماضية أن الإمارات أعلنت انسحابها من اليمن، ويدرك الحوثيون جيداً أن الإمارات لا تزال باقية في عدد من المحافظات اليمنية من خلال الأسلحة والقيادات العسكرية الرفيعة والتشكيلات المسلحة التابعة لها، وأن وجودها في اليمن يفوق الوجود السعودي، وهذا الأمر يفيد أن هناك تفاهمات بين الطرفين الإماراتي والحوثي، غير أن هذا التطور الجديد له انعكاساته على المعادلة السياسية والعسكرية في اليمن.

الهجمات العسكرية نتيجة طبيعية لتأخر حسم المعركة في اليمن التي بدأت منذ ست سنوات، على الرغم من إمكانية حسمها، في ظل توجهات المجتمع الدولي حينها المؤيدة للتحالف بشكل كبير، وهي فرصة كان يمكن استثمارها جيداً لمصلحة المنطقة، لكن انحراف الإمارات عن أهداف التحالف أسهم كثيراً في إضعاف الشرعية في اليمن ومصادرة القرار السياسي للحكومة اليمنية، وتعطيل مواردها العامة، وهذا الأمر يعد خدمة مباشرة للحوثيين، مكنتهم من إعادة ترتيب أوراقهم وتعزيز قدراتهم العسكرية أكثر.

على الرغم من محدودية الخسائر البشرية والمادية للهجمات الحوثية ضد الإمارات، فإن الأثر المعنوي للحدث أشد عمقاً، في المقابل تعد الهجمات فرصة جديدة أمام التحالف، لأن المجتمع الدولي يضغط باتجاه استجابة الحوثيين للحوار، وفي هذا

الإطار هناك فرصة للتحالف لتغيير المعادلة على الأرض.

الهجمات الحوثية وانعكاساتها الدولية

الهجمات الحوثية لها أثرها في الموقف الدولي، لا سيما الموقف الأمريكي، خصوصاً بعد تصريحات مستشار الأمن القومي الأمريكي، جيك سوليفان، التي وصف فيها الهجوم على أبو ظبي بالإرهابي، وقال: “إن واشنطن ستتعاون مع الإماراتيين ومع شركائها الدوليين لمحاسبة الحوثيين”، وهناك مطالب إماراتية للمجتمع الدولي بإعادة تصنيف الحوثي جماعة إرهابية، ولعل إعادة تصنيف الجماعة قد تكون فرصة لمزيد من الضغط على إيران في ظل المفاوضات النووية.

هذه التحولات في الموقف الأمريكي ضد الحوثيين، وإن كانت بسيطة فإنها بدت مشجعة للإمارات، فأمريكا انتقلت من الانفتاح على الحوثيين ومحاولة رفع الحصار عن مطار صنعاء تشجيعاً لهم على الحوار، إلى تصعيد لغة انتقادهم، ومحاولة الضغط السياسي عليهم للجنوح للحوار، وهي فرصة للتحالف وربما تكون الأخيرة.

الكيان الإسرائيلي كذلك وجد فرصة من خلال هذه الهجمات، وأعلن استعداده لمساعدة الإمارات، وهذا الأمر يفسر حالة الفراغ الأمني في المنطقة، وطموح الكيان الإسرائيلي لملء هذا الفراغ، وحرصها على أن تكون عنصراً فاعلاً في المعادلة السياسية والعسكرية في المنطقة، التي تبدو مستباحة أمام إيران والكيان الإسرائيلي، وأن الخيارات العربية تبدو عاجزة حالياً عن تشكيل قوة ذاتية تقطع الطريق أمام التنافس المحموم على

المنطقة، والواقع أن الكيان الإسرائيلي يبحث عن فرص التدخل المباشر في المنطقة، وهذا الأمر سيوجد مبرراً أكثر لزيادة التوسع الإيراني.

خاتمة

يترتب على الهجمات الحوثية على الإمارات انعكاسات سلبية عدة، وعلى الرغم من تأثيرها على دول التحالف والملف العسكري في اليمن، فإنها قد تكون فرصة للتحالف لاستثمار الإدانة الدولية للحوثيين والضغط السياسي الأمريكي، وكذلك حالة الارتباك لدى الحوثي، والخسائر العسكرية الأخيرة على الأرض، والمأزق الإيراني السياسي والعسكري، لمواصلة التصعيد العسكري الميداني في اليمن. لكن في المقابل يبدو أن الإمارات حريصة على الأمن الداخلي جداً، ولا تمتلك قدرة على المخاطرة أكثر خوفاً على المصالح الاقتصادية، وتهرباً من مواجهة العمليات داخل حدودها، وهذا الأمر قد يكون مشجعاً للحوثي لتوسيع هجماته أكثر على الإمارات، وتحويل الهجمات من السعودية إلى الإمارات، لكونها ربما أكثر تأثيراً.

مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

crowd of protesters holding signs and kneeling Previous post احتجاجات في بلجيكا أمام مبنى المفوضية
Next post التعاون الأمني مابين بلجيكا وهولندا والشرق الأوسط لمكافحة الإرهاب
%d مدونون معجبون بهذه: