عزوف الحريري وإحباط السنة والورقة الخليجية

سناك الجاك

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_ثلاثة عناوين متداخلة تسيطر على المشهد اللبناني، وتسجل علامات مفصلية تساهم بإبقاء اللبنانيين في جهنم. وهي لا تقتصر على خصوصية كل منها كمحور له أبعاده، لتتجاوزها إلى تداعيات سوف تظهر تباعا مع التطورات الداخلية والإقليمية والدولية.

أول هذه العناوين عزوف رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري عن الترشح للانتخابات النيابية المرتقبة في مايو المقبل، وتعليقه العمل السياسي. وهذا العزوف ليس مقتصرا على ذات الحريري كشخصية سياسية لها وزنها في المعادلة اللبنانية، وعلى تياره.

وبالرغم من محاولات فريقه الإعلامي التأكيد أن الخطوة ليس موتا سياسيا، وإنما هي عابرة لا بد منها، ولها إبعادها الوطنية المبررة، وأهمها استحالة التغيير مع سيطرة محور إيران على لبنان بذراع “حزب الله”، إلا أن الفراغ الذي تسبب به، تشظى ولم تسلم منه قوى سياسية، كانت حليفة قبل التسوية التي أتت بميشال عون رئيسا للجمهورية.

وشظايا تداعيات العنوان الأول، تقودنا إلى الثاني وهو الإحباط السني، بواقعه المنطقي قبل العزوف وبعده. فقد بدأ هذا الإحباط منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، وتكرست معالمه شيئا فشيئا مع احتلال “حزب الله” وسط بيروت وغزوته المشهورة في السابع من مايو 2008، واستقوائه على رؤساء الحكومة المتعاقبين بالتكاتف والتعاضض مع رئيس الجمهورية ميشال عون وصهره جبران باسيل، ما استغرق تعطيل وشلل لرئاسة الحكومة التي تعرضت إلى أشنع أنواع التهميش والضغوط، وحوّلت مجلس الوزراء إلى عاطل عن العمل في ابتزاز متواصل منذ ذلك الحين.

ولم يتغير هذا الواقع مع عزوف الحريري. ما حصل هو مسارعة “حزب الله” إلى استغلاله بحيث يحقق من خلاله حزمة من الأهداف الداخلية والخارجية. وأول هذه الأهداف يبقى إنهاء لبنان الذي كان موجودا، وقويا بالرغم من عيوبه، لمصلحة لبنان آخر، نشهد عملية تركيبه مع الإفلاس والانهيار لكل ما يمكن أن يشكل دولة ومؤسسات.

من هنا، كانت مواجهة مرحلة ما بعد العزوف بالتخريب الذي يجيده الحزب وفق أساليب إعلامية مغرضة وخبيثة. وهذا التخريب بدأ بالتباكي على ضياع الساحة السنية بعد سعد الحريري، وبالتحذير من تبعات الفراغ على الصيغة اللبنانية والميثاقية التي يستغلونها بما يوافقهم، وبزيارة شكلية لرئيس الجمهورية، الذي يلتزم بأجندة المحور الإيراني، إلى دار الفتوى وإظهار التضامن والتعاطف.

وكأن مرتزقة إيران في لبنان يعملون حثيثا لاستقطاب المخيَّبين من الطائفة السنية إلى جانبهم، وإبعادهم عن مرجعياتهم التقليدية، ليس باتجاه تغيير يقود إلى إفراز طبقة من السياسيين ممن لا علاقة لهم بالفساد والاستزلام لقوى الأمر الواقع، وإنما بالارتماء في حضن المحور الإيراني لينقذوا أنفسهم من الانقراض، تماما فعلوا بالطائفة الشيعية ليحولوها إلى بيئة حاضنة لذراع الولي الفقيه ويستمد منه قوتها.

وعلى خط موازٍ كانت الآلة الإعلامية المغرضة التي يديرها الحزب تتفنن في زرع بذور الفتنة والتنابذ والخوف في صفوف جمهور “تيار المستقبل”، خصوصا، وأبناء الطائفة السنية عموما، لتفعيل ما تبثه، حتى يصار الى الاستفادة من هذا التشرذم.

والمفارقة أن هذه الغيرة الطارئة على الطائفة السنية، لا تمنع النشاط الواضح للاستثمار فيها. مع الإشارة إلى أن قرار الحريري لم يكن مفاجئا للحزب. فهو صنيعة مشاريعه، ومهما حاولت الأبواق الإعلامية الترويج لعكس ذلك.

وحاليا، تتركز جهود مرتزقة المحور الإيراني على تصوير رئيس حزب “القوات اللبنانية”، وكأنه يسرق القرار السني، أو هو يريد أن يصادره، على اعتبار أن الساحة خلت له.

كما يجري العمل على شيطنة حزب “القوات اللبنانية” بشكل عام، لترمى على كاهله كل خطايا الحرب الأهلية اللبنانية، وكأنه كان الفريق الوحيد وليس جزءا من قوى ميليشياوية كلها انتقلت إلى السلطة، كالزعيم الدرزي وليد جنبلاط ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وتحديدا ميشال عون الذي فتك بالساحة المسيحية، كما وسع عملياته إلى بيروت، يدكها بقذائفه، مع تصريحه الشهير أواخر ثمانينات القرن الماضي، بأنها تهدمت خمس مرات، ولا بأس بالسادسة، بغية بقائه في قصر الرئاسة.

كذلك الحزب الذي سجل حضوره الذهبي في الخطف والاغتيال والتفجيرات خدمة للخميني الذي كان قد بدأ تصدير ثورته، سواء في الحرب الداخلية أو عبر الخطف والتفجير ولعبة الرهائن التي تحمل لبنان وزرها وحصدت إيران وسوريا نتائجها. ومن ثم “صراع الأخوة” مع حركة “أمل” ليصل إلى ما هو عليه اليوم من قوة مسلحة خارجة عن الدستور اللبناني والشرعيتين العربية والدولية.

وهدف مرتزقة المحور الإيراني من الهجوم المركز على جعجع وكأنه المجرم الوحيد والمسؤول عن كل المذابح والويلات التي دمغت الحرب الأهلية، هو إضعافه تمهيدا لإزاحته، من خلال تحميله مسؤولية الغدر بحليفه، ليحرقه تماما كما أحرق الحريري وهو يدعي التمسك به، وأحيانا حمايته.

والهدف يبقى تنظيف الساحة لمصلحة الخانعين في المنظومة، ويقدم خدمة عظيمة لحليفه جبران باسيل. فالصهر المفجوع بخسارة الشعبية والمهدد من حرمانه نعيم الاستئثار بالتمثيل المسيحي وصولا إلى كرسي بعبدا، لا يملك المقومات الذاتية للاستمرارية.. وهو لم يكن يملكها يوما لولا فضل “حزب الله” عليه.

ولأن الحزب ماهر في اقتناص اللحظة، فلا بأس بأن يساعد الصهر والوريث في عملية تلميع الصورة من خلال تهشيم الحضور السياسي لجعجع، كونه الأقوى.

وبالطبع، تحت شعار الغيرة المزيفة على “الأخوة في الطائفة السنية”، يمهد الحزب للعنوان الثالث المتعلق بالورقة الخليجية، وينشط في محاولات توتير العلاقة بين السنة والسعودية التي تدعم جعجع، من جهة، والتي أوحت للحريري بتعليق عمله السياسي من جهة أخرى بهدف التحضير لمؤامرة خطيرة تقضي بالقضاء على “المقاومة”.

لذا تشكل العناوين الثلاثة فرصة ذهبية. يستغلها “حزب الله” لصرف الانتباه عن أن مصيبة لبنان هي في تسليمه إلى إيران.

ومهما حمل وزير الخارجية اللبناني عبد الله أبو حبيب من أجوبة إلى الكويت فيها من البهلوانيات الدبلوماسية ما فيها، ستبقى الأسئلة ذاتها في بيروت، وستبقى الأزمة ذاتها.. أزمة تصادر لبنان كله وتعتقله، وتضعه بمواجهة الشرعيتين العربية والدولية، وتبقيه في إقامة جبرية رهينة للمحور الإيراني.

سكاي نيوز عربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

low angle photography of building Previous post مشكلة الطاقة في ألمانيا
city storm vehicle technology Next post إدانات للحوثيين بسبب الإمارات
%d مدونون معجبون بهذه: