التوتر بين روسيا والغرب.. من المسؤول؟

فهد المضحكي

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_يصور الغرب روسيا ورئيسها بوتين على أنهما السبب في الأزمة الحالية مع أوكرانيا، لكن موقعا أمريكيا متخصصا «Responsible Statecraft» نشر تقريرا حول الأزمة بعنوان «4 استفزازات غربية ولدت أزمة أمريكية روسية اليوم»، تناول جذورها، التي ترجع إلى ما قبل 3عقود. ووفقا لموقع «arabicpost»، أشار التقرير إلى بعد تفكك الاتحاد السوفيتي في نهاية عام 1991، سعت روسيا، بصفتها الدولة الخلف الرئيسية للاتحاد السوفييتي، إلى الانضمام إلى الغرب، ورحبت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون رسميا بهذا الطموح. لكن بعد ثلاثة عقود، يخوض الغرب وروسيا صراعا حادا على نحو متزايد في أثناء الحرب الباردة. إنه تطور مأساوي، وقد يتصاعد إلى نزاع مسلح كارثي. ترفض روسيا والغرب تحمل اللوم في إشعال حرب باردة جديدة، ولكن هناك اختلاف جوهري في درجة المسؤولية. كانت استفزازات الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي أكثر عددا وافظع وبدأت في وقت سابق. يؤكد مسؤولو الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، وكذلك معظم وسائل الإعلام الغربية، أن روسيا هي المسؤولة عن المواجهة البشعة الحالية. وهي تسلط الضوء على أربعة إجراءات الكرملين أدت إلى تصعيد التوترات بين الشرق والغرب. الواقعة الأولى، وفقا للنسخة الغربية من الأحداث، وقعت عام 2008 عندما غزت القوات الروسية جورجيا وتقدمت إلى ضواحي العاصمة تبليسي. والواقعة الثانية، في عام 2014 عندما استولت روسيا على شبه جزيرة القرم من أوكرانيا وضمت الجزيرة الاستراتيجية بعد إجراء استفتاء. وجاءت الواقعة الثالثة بعد أشهر فقط عندما دبرت روسيا تمردا انفصاليا في منطقة دنباس الشرقية بأوكرانيا ثم أرسلت بعض القوات لمساعدة التمرد. خلال السنوات التي تلت ذلك، فاقمت روسيا الحرب الباردة من خلال التدخل في الشؤون السياسية الداخلية للعديد من الدول الغربية. وبحسب الموقع الأمريكي المذكور، تتضمن تلك الادعاءات الغربية بعض الحقيقة، لكنها تتجاهل السياق الحاسم. على سبيل المثال، لم يحدث غزو جورجيا عام 2008 إلا بعد أن أطلق الجيش الجورجي النار على قوات حفظ السلام الروسية التي كانت موجودة في منطقة أوسيتيا الجنوبية الانفصالية منذ أوائل التسعينيات، حتى أن تحقيقا اجراه الاتحاد الأوروبي خلص إلى أن القوات الجورجية بدأت القتال. وبدأ الصراع أيضا في جزء كبير منه لأن الرئيس جورج دبليو بوش شجع رئيس جورجيا، ميخائيل ساكاشفيلي، على الاعتقاد بأن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي سيدعمان بلاده إذا تورطت في صراع مع روسيا. كان استيلاء بوتين على شبه جزيرة القرم في الواقع انتهاكا للقانون الدولي، لكنه لم يحدث إلا بعد أن ساعدت الولايات المتحدة وحلفاؤها الرئيسيون في الاتحاد الأوروبي المتظاهرين بلا مواربة على إطاحة الرئيس الأوكراني المنتخب الموالي لروسيا، فيكتور يانوكوفيتش. أثار هذا الانقلاب المقنع مخاوف روسية من أن أوكرانيا على وشك أن تصبح منطقة انطلاق أمامية لقوات حلف الناتو العسكرية. ومن بين المخاوف الأخرى، كان الكرملين يشتبه في أنه سيفقد الوصول إلى قاعدته البحرية الحيوية في شبه جزيرة القرم وسيشهد تلك المنشأة وهي تتحول لقاعدة معادية تابعة لحلف شمال الأطلسي. تتجاهل الاتهامات أحادية الجانب، والتي تخدم مصالحها الذاتية لسلوك روسيا بشكل ثابت، الاستفزازات الغربية العديدة التي حدثت قبل وقت طويل من تدخل موسكو في إجراءات تخريبية. وفي الواقع، بدأ تدهور علاقات الغرب مع روسيا بعد الانهيار الاتحاد السوفيتي خلال إدارة بيل كلينتون.

في مذكراتها بعنوان «السيدة الوزيرة – Madame Secretary»، اعترفت السفيرة الأمريكية السابقة لدى الأمم المتحدة ووزيرة الخارجية مادلين اولبرايت بأن مسؤولي إدارة كلينتون قرروا في عام 1993 تأييد رغبات دول وسط وشرق أوروبا في الانضمام إلى الناتو. شرع الحلف في إضافة بولندا وجمهورية التشيك والمجر في عام 1998. واعترفت أولبرايت أن الرئيس الروسي آنذاك بوريس يلتسين ورفاقه كانو مستائين للغاية من هذا التطور. كان رد الفعل الروسي مفهوما، لأن ضم التشيك والمجر انتهك الوعود التي أعطتهتا إدارة الرئيس جورج بوش الأب لموسكو عندما وافق ميخائيل جورباتشوف ليس فقط على قبول ألمانيا ولكن أن تكون ألمانيا في الناتو أيضا. وكانت المقايضة الضمنية هي أن الناتو لن يتجاوز الحدود الشرقية لألمانيا الموحدة. ثم أدت الحرب التي شنها حلف شمال الأطلسي عام 1995 ضد صرب البوسنة الذين يسعون إلى الانفصال عن دولة البوسنة والهرسك الجديدة وفرض اتفاقيات دايتون للسلام، إلى إزعاج حكومة يلتسين والشعب الروسي الموحد إلى حد كبير. كانت البلقان منطقة ذات أهمية دينية واستراتيجية كبيرة لموسكو لأجيال طويلة، وكان من المهين بالنسبة للروس أن يشاهدوا عجز التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة يحقق النتائج هناك. قامت القوى الغربية باستفزاز أكبر بعد أربع سنوات عندما تدخلت لصالح تمرد انفصالي في إقليم كوسوفو المضطرب في صربيا. وفصل تلك المقاطعة عن صربيا ووضعها تحت سيطرة الأمم المتحدة لم يؤسس فقط لسابقة دولية غير صحية، ولكنه أظهر أيضا ازدراء تاما لمصالح روسيا وتفضيلاتها في البلقان. كانت قرارات إدارة كلينتون بتوسع الناتو والتدخل في البوسنة كوسوفو خطوات حاسمة نحو تدشين حرب باردة جديدة مع روسيا. يستشهد سفير الولايات المتحدة السابق لدى الاتحاد السوفيتي سابقا، جاك إف ماتلوك جونيور، بالتأثير السلبي لتوسيع الناتو والتدخلات العسكرية بقيادة الولايات المتحدة في البلقان على المواقف الروسية تجاه الولايات المتحدة والغرب: «كان التأثير مدمرا على ثقة الروس في الولايات المتحدة. في عام 1991، أشارت استطلاعات الرأي إلى أن حوالي 80% من المواطنين الروس لديهم وجهة نظر إيجابية تجاه الولايات المتحدة. في عام 1999، كانت لدى نفس النسبة تقريبا وجهة نظر غير مواتية».

دافعت إدارة جورج دبليو بوش، غير الراضية عن الطريقة التي أثارت بها إدارة كلينتون العداء مع موسكو من خلال نقل الناتو إلى أوروبا الوسطى، الحلفاء إلى منح العضوية لبقية حلف وارسو وجمهوريات البلطيق الثلاث. وقد أدى قبول جمهوريات البلطيق في حلف الناتو في 2014 إلى تصعيد كبير للزحف العسكري الغربي. لم تكن تلك البلدان الصغيرة الثلاثة جزءا من الاتحاد السوفيتي فحسب، بل قضت أيضا معظم تاريخها الحديث كجزء من أجل إمبراطورية روسيا القيصرية. كانت روسيا لاتزال أضعف من أن تفعل أكثر من احتجاجات دبلوماسية، لكن مستوى الغضب من الغرب المتغطرس للمصالح الأمنية لروسيا قد ارتفع. لم يكن توسيع الناتو إلى حدود روسيا هو الاستفزاز الوحيد. فقد كانت الولايات المتحدة منخرطة على نحو متزايد في عمليات نشر «دورية» لقواتها العسكرية في الدول أعضاء التحالف الجديد، حتى وزير دفاع جورج بوش، روبرت غيتس، أعرب عن قلقه من أن مثل هذه الأعمال تخلق توترات خطيرة. وأوضح خطاب بوتين في فبراير 2007 أمام مؤتمر ميونيخ للأمن السنوي أن صبر الكرملين على غطرسة للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي على وشك النفاد. حاول بوش أن يضمن عضوية الناتو لجورجيا وأوكرانيا، وهي سياسة واصل خلفاؤه دفعها، على الرغم من مقاومة فرنسا وألمانيا. لم يأخذ القادة الغربيون تحذيرات بوتين بجدية كافية. وفي المقابل، استمرت الاستفزازات على جبهات متعددة، بل وتسارعت في بعض الحالات. تجاوزت الولايات المتحدة وقوى الناتو الرئيسية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في أوائل عام 2008 لمنح كوسوفو الاستقلال الكامل. وبعد ثلاث سنوات ضللت إدارة باراك أوباما المسؤولين الروس بشأن الغرض من مهمة عسكرية «إنسانية» للأمم المتحدة في ليبيا، ما أقنع موسكو بالعزوف عن استخدام حق الفيتو، لكن المهمة تحولت على الفور إلى حرب بقيادة الولايات المتحدة لتغيير النظام بإطاحة الزعيم الليبي معمر القذافي. وبعد ذلك بوقت قصير، عملت الولايات المتحدة مع قوى في الشرق الأوسط في حملة للإطاحة بالرئيس بشار الأسد، حليف روسيا. تبع ذلك التدخل الفاضح للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في السياسة الداخلية لأوكرانيا. باختصار، يخلص الموقع الأمريكي إلى أنه ليس من العدل الحكم على تصرفات روسيا العدوانية والمزعزعة للاستقرار، بما في ذلك ضم شبه جزيرة القرم، والتدخل العسكري المستمر في سوريا، واستمرار دعم الانفصاليين في شرق أوكرانيا، ومحاولة التدخل في الشؤون السياسية لدول أخرى، دون الاعتراف بالتجاوزات العديدة السابقة من جانب الدول الغربية، وليست روسيا، هي المسؤولة إلى حد كبير عن شن الحرب الباردة.

الحوار المتمدن

Previous post قصة «دراكولا» الحقيقي ومحمد الفاتح
Next post الصين وروسيا بين الدعم والزعامة
%d مدونون معجبون بهذه: