إيران تجند اليهوديات، وضباط خائنون من الحرس الثوري.. تفاصيل صراع التجسس بين طهران وتل أبيب

أحمد مولانا

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_في ظل التنافس الإيراني الإسرائيلي استعرت حرب التجسس عبر استخدام مصادر بشرية تمكنت من الاقتراب من شخصيات رفيعة المستوى، ووصل الوضع إلى أن كشف موقع “بي بي سي” باللغة الإنجليزية، في فبراير/شباط الجاري، عن إعدام الضابط المسؤول عن “مكافحة التجسس الإسرائيلي” في وزارة الاستخبارات الإيرانية، بعد إدانته بالتجسس لصالح تل أبيب، فضلاً عن وجود عشرات الموقوفين من قادة وكوادر الحرس الثوري الإيراني في سجن إيفين بطهران على خلفية الاشتباه بالتجسس لصالح إسرائيل، وهو ما يشير إلى خروقات أمنية عميقة.

هجمات إسرائيلية جريئة

شهدت إيران خلال السنوات الأخيرة عدة عمليات إسرائيلية معقدة لا يمكن تنفيذها سوى عبر الاستناد لدعم تقدمه شبكات تجسس متغلغلة ونافذة على الأرض، من ضمنها بحسب كتاب “انهض واقتل أولاً” للكاتب الإسرائيلي رونين بيرغمان، اغتيال 6 علماء إيرانيين في حوادث منفصلة، فضلاً عن اغتيال لواء بالحرس الثوري مسؤول عن مشروع الصواريخ الباليستية الإيرانية. 

وخلال آخر عامين وقعت هجمات نوعية في الأراضي الإيرانية، من أبرزها اغتيال أبو محمد المصري القيادي البارز في تنظيم القاعدة، في 7 أغسطس/آب 2020، عبر إطلاق النار على سيارته من قبل رجلين يركبان دراجة نارية، وهو حادث يتضمن دلالات مهمة، فالمصري اغتيل في الذكرى الثانية والعشرين للهجومين المتزامنين على السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا في 7 أغسطس عام 1998، وهي الهجمات التي أشرف بنفسه على التخطيط لها وتنفيذها، وفق ما استفاض في ذكره قائد القاعدة في شرق إفريقيا عبد الله فاضل هارون في كتابه الضخم “الحرب على الإسلام”. وسبق أن وضع مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن المصري.

بعد رحيل أبو محمد المصري من أفغانستان إثر الغزو الأمريكي عام 2001 أقام في إيران تحت الإقامة الجبرية، ثم أطلق سراحه لاحقاً ليعيش متخفياً باسم آخر هو “حبيب داوود” تحت رقابة الحرس الثوري، وفق ما كشفه تقريرلنيويورك تايمز. وقد سارع وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف لنفي وقوع حادث الاغتيال على الأراضي الإيرانية، لكن العديد من الصحف الإسرائيلية والأمريكية نشرت تفاصيل وافية عن الحادث نقلاً عن مسؤولين أمريكيين أكدوا أن تل أبيب نفذت الهجوم بطلب أمريكي. وقد أشار اغتياله في ذكرى الهجمات في نيروبي ودار السلام إلى أن عملية رصده ومراقبته كانت لصيقة أتاحت للمنفذين اختيار موعد رمزي للتنفيذ بدلاً من اختيار أقرب فرصة سانحة، وهو ما يرجح اختراق الدائرة الأمنية الإيرانية المكلفة بالتواصل معه وتسريبها لهويته إلى الموساد الذي سارع لتوظيف قدراته العملياتية في العمق الإيراني لتنفيذ الاغتيال.

لم تكد تمر شهور على عملية اغتيال أبو محمد المصري في طهران حتى نفذت إسرائيل هجوماً آخر أكثر جرأة، فاغتالت في نوفمبر/تشرين الثاني 2020  أبرز عالم نووي إيراني، وهو محسن فخري زاده، وذلك بإطلاق النار عليه وسط طاقم حراسته، عبر استخدام أسلحة آلية متحكم بها عن بعد مثبتة على سيارة متوقفة قرب خط سير موكبه عقب ثمانية شهور من المراقبة الدقيقة. وهي حادثة لا تفوقها دلالة على اختراق الموساد للأجهزة الأمنية الإيرانية سوى تمكن عناصره في عام 2018 من الاستيلاء على الأرشيف النووي الإيراني الذي بلغ وزن وثائقه نصف طن، ونقل كافة الوثائق من طهران إلى إسرائيل ليستعرضها رئيس الوزراء نتنياهو في مؤتمر صحفي عالمي. 

 الهجوم الإيراني المضاد

من جهتها، تسعى طهران لتنفيذ اختراقات وعمليات تجسس ناجحة داخل المجتمع الإسرائيلي، وقد أعلنت تل أبيب الكشف عن عدة قضايا تجسس لحساب طهران، من أبرزها القبض في نوفمبر/تشرين الثاني 2021 على الإسرائيلي عمري غورين بتهمة تقديم مساعدة لمجموعة قرصنة إيرانية، عبر نقل صور وبيانات من منزل وزير الدفاع الإسرائيلي غانتس الذي يعمل فيه غورين مع زوجته كعاملي نظافة فضلاً عن عرضه زرع برنامج تجسس في حاسوب غانتس، وهو ما اعتُبر خرقاً أمنياً للدائرة المحيطة بغانتس.

ولم تكد واقعة اكتشاف غورين تنقضي إلا وكشف  جهاز الأمن العام الإسرائيلي “الشاباك” في يناير/كانون الثاني 2022 عن حادث تجسس خطير انتحل خلاله رجل إيراني يدعى “رامبود نامدار” صفة رجل أعمال يهودي، ونجح في تجنيد 4 نساء إسرائيليات لتنفيذ عمليات تجسس مقابل أموال. وقد بدأ المشغل الإيراني نشاطه عبر تأسيس مجموعة على الفيسبوك مخصصة لليهود من أصل إيراني، وعندما حاز ثقة بعض الإسرائيليات بدأ بالتواصل معهن عبر برنامج الواتس، وطلب من أربع منهن عدة مهام، شملت تصوير السفارة الأمريكية بالقدس ومجمع تجاري في جوش دان، ومقر ديوان رئيس الوزراء، كما طلب من إحداهن التواصل مع عضوة الكنيست عن حزب الليكود كيتي شتريت. وكذلك طلب منهن إنشاء ناد لليهود من أصول إيرانية في منطقة بيت شيمش، وطلب من إحداهن إلحاق نجلها خلال فترة تجنيده بالجيش في جهاز الاستخبارات العسكرية “أمان”. وقد عقب رئيس جهاز الشاباك سابقاً يعقوب بيري على الحادث قائلاً: “إنه لم يتفاجأ بالنشاط الإيراني ذاته، لكنه فوجئ بتجنيد النساء اليهوديات للتجسس لصالح إيران”. 

ويظل أبرز نجاح إيراني في مجال التجسس ضد تل أبيب هو التمكن في عام 2012 من تجنيد جونين سيجيف الذي شغل منصب وزير الطاقة الإسرائيلي لمدة عامين منتصف التسعينات، فضلاً عن عضويته في الكنيست. ففي عام 2005 أدين سيجيف بتهريب مواد مخدرة، وعقب إدانته تأثر نفسياً وتدهورت أوضاعه المالية، وهو ما وظفته طهران لاحقاً فجندته خلال تواجده في نيجيريا، وقدم لمدة 6 سنوات معلومات لطهران عن قطاع الطاقة في إسرائيل وبعض الخبراء الإسرائيليين العاملين في الأجهزة الأمنية ومجال البنية التحتية، وزار إيران مرتين بجواز سفر غير إسرائيلي، ولكنه انكشف خلال محاولته تجنيد أشخاص آخرين، فألقي القبض عليه في عام 2018، وحُكم عليه بالسجن لمدة 11 عاماً. 

وكذلك تكشفت في فبراير/شباط 2022 عمليات إيرانية عبر وسائل التواصل الاجتماعي تستهدف نشر الانقسام والفوضى وسط المجتمع الإسرائيلي عبر تأسيس صفحات ومجموعات على الفيسبوك تعيد نشر مقالات ومنشورات لسياسيين يمينيين إسرائيليين تدعو لطرد عرب 48 وتنظيم مظاهرات واحتجاجات ضد الحكومة الإسرائيلية.

إن الأوضاع الاقتصادية المتدهورة للإيرانيين في ظل العقوبات الدولية، ووجود خلافات ونزاعات بين مكونات نظام الحكم الإيراني وأطياف متنوعة من المعارضين الإيرانيين تمثل نافذة لعمليات التجنيد الإسرائيلية. وبالمقابل تسعى طهران لتجنيد الإسرائيليين من أصول إيرانية بأساليب غير مباشرة فضلاً عن تقديم إغراءات مالية لبعض الإسرائيليين من أجل اجتذابهم للعمل، لكن حتى الآن تميل الكفة لصالح الاستخبارات الإسرائيلية التي لم تكتفِ باختراق الجانب الإيراني إنما نفذت عمليات معقدة طالت العديد من الأشخاص البارزين، مما أوصل رسالة بأنه لا أحد داخل طهران في مأمن حال قررت تل أبيب تصفيته.

عربي بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post تحركات دبلوماسية سودانية
Next post من شخصية مكروهة إلى ملكة
%d مدونون معجبون بهذه: