contemplative doctor in uniform reading clinical records

بين قسوة البلاد واحتواء أوروبا.. لهذا يهاجر الأطباء التونسيون إلى الخارج بأعداد كبيرة

سليمان شعباني

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_”التونسيون الذين أعرفهم هم أطباء يعالجون الفرنسيين معي في المستشفيات”، هكذا ردّ الطبيب الفرنسي ماتياس وارغون في برنامج تلفازي على المرشح المتطرف للرئاسة الفرنسية إيريك زمور، حينما اعتبر الأجانب ومنهم التونسيون، عبئاً على المالية والصحة في فرنسا.

يبث هذا الرد في التونسيين شعوراً بالفخر، لكفاءة أبنائهم وجودة التعليم في بلادهم، ولكن يحيلنا في نفس الوقت إلى موضوع مهم، وهو هجرة الكوادر الطبية وشبه الطبية إلى الخارج.

خلال الأسبوع الماضي تداول ناشطون خبرين حول تنامي هذه الظاهرة، يفيد الأول أن أكثر من 20 شاباً وشابة من الكوادر شبه الطبية المختصين في التخدير غادروا البلاد في رحلة واحدة تجاه ألمانيا، والخبر الثاني مفاده أن أكثر من 900 طبيب قد اجتازوا بنجاح مناظرة

معادلة الشهادة الفرنسية.

في سياق متصل، وحسب تقرير نُشر في هذا الصدد، تصل نسبة أطباء العائلة الراغبين في البقاء في تونس إلى 4%   فقط، فيما يرغب 69% في مغادرة البلاد، و27% لم يقرروا بعد.

ويتخرج سنوياً في جامعات الطب في تونس 900 طبيب تقريباً، ويتجه العدد نفسه أو يزيد، مع انطلاق المناظرة الفرنسية لمعادلة الشهادات الطبية، إلى عمادة الأطباء في تونس للحصول على الوثائق الضرورية لإجراء هذه المناظرة.

كما تَعرف المناظرات المفتوحة من قبل وكالة التعاون الفني في تونس لتبادل الخبرات مع دول خليجية وكندا أساساً في المجالات الطبية أو شبه الطبية إقبالاً كبيراً، حتى من ذوي الخبرة، حيث تسجل المستشفيات التونسية سنوياً شغورات على مستوى رؤساء الأقسام في مختلف التخصصات بسبب انتقالهم للعمل في الخارج.

ويذهب علماء الاجتماع إلى اعتبار العوامل الاقتصادية والديموغرافية والسياسية من أكثر العوامل تأثيراً في دفع الناس إلى مغادرة أوطانهم واختيار الهجرة.

تهميش الأطباء الشبان

لم تغادر صورة الطبيب الشاب بدر الدين العلوي أذهان زملائه الأطباء وطلاب جامعات الطب في تونس، بدر الدين الذي اختار العمل في مستشفى عمومي داخل البلاد، ليلقى حتفه فيه بعد أن سقط به مصعد المستشفى الخرب، فقد كشفت حادثة الوفاة حجم المعاناة والظروف الصعبة وغير اللائقة التي يعمل بها الأطباء في المستشفيات الحكومية في تونس.

أيضاً وفي دولة لم تتجاوز نسبة الموارد المخصصة للصحة فيها 6% من مجموع ميزانية الدولة، أقل من عشرها يخصص لتطوير واقع المستشفيات وتجهيزاتها، حيث يشتكي الأطباء من البنية التحتية المهترئة في أماكن العمل وغياب التجهيزات الضرورية ونقص الأدوية، بالإضافة إلى ضعف الرواتب، حيث تعتبر أجرة الطبيب في تونس من أقل الأجور في المجال، مقارنة بزملائه في بقية دول العالم، حيث لا يتجاوز راتبه 400 يورو في الشهر، أي خُمس أجرة الطبيب في أوروبا. كما يعاني أطباؤنا، وخاصة الشباب منهم من طول فترة العمل، فالطبيب المتربص (طبيب مقيم) في تونس يعمل بمناوبة ليلية كل يومين لمدة سنة.

هذه المعطيات وغيرها، في بلد يعيش أزمة اقتصادية واجتماعية متفاقمة، وهزات سياسية متواصلة، جعلت الأطباء يختارون الهجرة بحثاً عن ظروف عمل لائقة توفر مقومات العيش الكريم لهم، ومستقبلاً أفضل لأبنائهم، خاصة أن المناظرة الفرنسية توفر لهم إمكانية الحصول على الجنسية الفرنسية، والاندماج في مسار مهني مستقر، فقط بعد سنتين من الممارسة. 

التعرض المتواصل للاعتداءات

ولا تتوقف الأخبار المتعلقة بالاعتداءات الحاصلة على الكوادر الطبية في المستشفيات العمومية، حيث تتواصل وفي كل مناطق الجمهورية تقريباً الهجمات والاعتداءات، من قبل مرافقي المرضى على الأطباء والممرضين.

المؤلم في الحكاية -حسب عديد من الأطباء- أن الطبيب التونسي من أكثر الأطباء كفاءة في المنطقة، حتى صارت تونس، وخاصة المصحات الخاصة وجهة لعديد من البلدان الشقيقة للتداوي، على غرار ليبيا والجزائر وموريتانيا، وجل الاعتداءات مردها غياب التجهيزات وتعطلها أو عدم توفر الظروف اللائقة في المستشفيات الحكومية.

تكرر الاعتداءات جعل الطبيب التونسي يعمل في مناخ غير آمن، دون أن تتخذ السلطات إجراءات مناسبة للحد من هذه التجاوزات، إما عبر توفير الأمن أو بسن قوانين رادعة، رغم تكرر مطالب الأطباء وهياكلهم النقابية في هذا الاتجاه. 

ضعف الاستقرار السياسي والاجتماعي

يتواصل نزيف هجرة الكفاءات التونسية للخارج منذ 2011 لأسباب عديدة، ويمثل ضعف الاستقرار السياسي والاجتماعي المتواصل الذي تعرفه تونس، الدافع الأهم للهجرة والبحث عن ظروف أفضل للاستقرار لهم ولأبنائهم.

وعمقَ انقلاب قيس سعيد في 25 يوليو 2021، وما رافقه من اضطراب سياسي وأزمة اقتصادية واجتماعية من ضبابية أفق العيش الكريم في البلاد، لتزيد بذلك رغبة التونسيين بمختلف فئاتهم في الهجرة.

فقد كشف المسح الوطني للهجرة  المعلن عنه في 7 ديسمبر/كانون الأول 2021، الذي أنجزه المعهد الوطني للإحصاء بالتعاون مع المرصد الوطني للهجرة وبدعم من المركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة، أن نحو 20 في المائة من التونسيين الذين فاقت أعمارهم 15 سنة -أي ما يعادل 1 مليون و700 ألف تونسي- يفكرون جدياً في الهجرة وانطلقوا في القيام بالإجراءات التحضيرية لها.

فعلى غرار الحروب، تؤثر الأزمات الاجتماعية والسياسية حتماً في أخلاق المواطنين ونفسياتهم، وتزداد خلالها وأثرها مظاهر العنف والجريمة وينتشر الإحساس باليأس والإحباط، ليتضاعف الطلب على الهجرة بكل طرقها وتصبح مغادرة البلاد نحو أماكن مستقرة الأمل الوحيد للباحثين عن مستقبل أفضل.

تونس أكبر المتضررين

وتدوم فترة دراسة خريجي كليات الطب في تونس -من الابتدائي إلى التخرج كطبيب مقيم (متربص)- عشرين سنة على الأقل، وتزيد الفترة بالنسبة لأطباء الاختصاص.

وكان من المفترض أن تجني البلاد ثمار هذا الاستثمار في أبنائها، وينعكس ذلك إيجاباً على نوعية الخدمات الطبية وتحسين جودة الصحة العامة وتوفير الرفاه لمواطنيها.

لكن الواقع يشير إلى أنه رغم تخرج تسعمائة طالب بكفاءة عالية سنوياً من جامعات الطب التونسية، تعرف البلاد نقصا واضحاً في عدد أطباء الاختصاص وغيرهم خاصة في المناطق الداخلية كما تعرف الخدمات الصحية في المستشفيات الحكومية تراجعاً.

كثيرة هي حالات الوفاة في المستشفيات الحكومية داخل البلاد التي حصلت بسبب عدم توفر طبيب اختصاص، خاصة في مجالات التوليد والجراحة. هذه الخسائر البشرية والمادية يتفق الجميع في تونس -سلطة ومعارضة- في تحديد أسبابها، ولكن يتواصل غياب الإرادة السياسية في مواجهتها.

وإثر الاستقلال وفترة بناء الدولة الوطنية، كانت الحكومة التونسية قد سنت قانوناً يمنع

الإطارات من خريجي الجامعات التونسية من العمل في الخارج دون موافقة الدولة بغاية الحفاظ على “ثرواتها”.

مثل هذه الحلول لم تعد ممكنة اليوم، ولكن توجد حلول للحد من تواصل هذا النزيف، وتقترح عمادة الأطباء وغيرها من الأطراف المتدخلة، عديد الاقتراحات، أبرزها توفير مقومات العيش الكريم للطبيب عبر تحسين راتبه ليتماشى مع غلاء الأسعار ومكانته المهنية وتوفير الظروف الملائمة في العمل.

لا خلاف حول تعلق هؤلاء الأطباء وغيرهم من المهاجرين  ببلادهم ولا اختلاف حول ما تخلفه الهجرة فيهم من ألم، خاصة وأن بعض الأرقام تشير إلى أن أكثر من خمسين بالمائة من الأطباء المهاجرين لديهم نية العودة بمجرد تحسن أوضاعهم وتوفر الظروف اللائقة في عملهم.

ويبقى أمام مؤسسات الدولة -إن كانت راغبة في استعادتهم والحد من تزايد أعداد المهاجرين- سوى المرور من التشخيص والتحسر إلى توفير الظروف المفضية لذلك ومعالجة المسببات بجدية.

عربي بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post فضيحة “حصان طروادة برمنغهام”..
Next post أخر فصول مسرحية الفيروس
%d مدونون معجبون بهذه: