«تقويم المايا» الذي تنبأ بنهاية العالم 2066؟

نهاد زكي

شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_جميعنا يتذكر ما انتشر عام 2012 في وسائل الإعلام والسوشيال ميديا عن نهاية وشيكة للعالم توقعتها «حضارة المايا» قبل آلاف السنين؛ إذ يسجل تقويم المايا العديد من التنبؤات والحوادث عن أحداث النهاية تلك؛ بسبب كوارث طبيعية مثل الفيضانات والزلازل والبراكين.

وعلى الرغم من مرور عام 2012 بلا أية نهاية تذكر؛ فإن علماء الآثار يؤكدون أن تقويم المايا يعد أحد أدق التقويمات القديمة التي اعتمدت على  تسجيل موقع الشمس في السماء، كما أنه اعتمد على تقنيات خاصة جدًّا في التنبؤ؛ إذن كيف أخطأت المايا «نهاية العالم»؟ للإجابة عن هذا السؤال نأخذك يا عزيزي في رحلةٍ إلى عصر المايا لنستكشف سويًّا مفهوم الزمن لديهم؛ ولماذا يرى بعض الباحثين أننا أخطأنا في التنبؤ بالتاريخ الفعلي لنهاية العالم؟

الزمن ليس واحدًا لدى الجميع.. هكذا عرف العالم الكثير من التقويمات

في عصرنا الحالي نرى الزمن وكأنه سهمٌ يتحرك دائمًا للأمام في اتجاه خطي، من الماضي إلى الحاضر ومن ثم المستقبل؛ وهي رؤية أوروبا بالتحديد للزمن التي تبنيناها، لكن هذه الرؤية تختلف تمامًا عن رؤى غيرنا من الشعوب والثقافات الأخرى، ففي الثقافات الآسيوية على سبيل المثال، تسود نظرة مختلفة تمامًا عن الزمن، فهو «زمن دوري»، بمعنى أنه يعيد ذاته في دوراتٍ، تمامًا مثلما يتعاقب الليل والنهار.

وفي الوقت الذي نرى فيه الزمن يتحرك دائمًا للأمام ولا فرصة لأن يتراجع أبدًا تعتقد بعض الثقافات أن الوقت تكرار للأحداث؛ فكما تتغير الفصول وتعيد ذاتها مرة أخرى في دورات، يمر الزمن بالطريقة ذاتها، مع احتمالية تكرار الماضي؛ تلك النظرة التي تجعلهم يظنون أن الفرص الضائعة والمخاطر تعيد ذاتها دوريًّا مع اختلاف المواقف، وبالتالي في تلك الحالة عليك أن تفكر جيدًا في اختياراتك لتتجنب أخطاء الماضي هذه المرة.

النظرة الدورية للزمن لم تكن وليدة الصدفة؛ بل ارتبطت بمقارنة بعض الثقافات للزمن الذي يعيد ذاته في دورات، بالفصول الموسمية؛ إذ اعتمد البشر الأوائل على ملاحظة موقع الشمس في السماء من أجل تحديد الاتجاهات ومعرفة الوقت وفهم الزمن، بالطريقة ذاتها تمكنوا من حساب مرور الأعوام، ما إن تُكمِل الشمس دورتها في السماء، ومن هنا نشأ المفهوم الدوري للزمن.

ويعد التقويم السومري هو أول تقويم مسجل في التاريخ، وقد قسم السنة إلى 354 يومًا، مقسمين على 12 شهرًا، وستلاحظ تغير عدد أيام السنة من حضارةٍ إلى أخرى بحسب التقويم الذي اعتمدته، إذ لم نصل إلى التقسيم الحالي لعدد أيام السنة الـ365 يومًا إلا في عهد يوليوس قيصر، الإمبراطور الروماني.

فقد أصدر يوليوس قيصر ما عرف تاريخيًّا باسم «التقويم اليولياني»، ليستبدله بالتقويم اليوناني الذي كان سائدًا حينها، وكان التقويم اليوناني يقسم السنة إلى 354 يومًا بالإضافة إلى شهرٍ ثالث عشر، كان يجري إضافته لمعادلة أيام السنة مع الفارق بين الدورة السنوية للشمس والقمر في السماء، والذي كان 11 يومًا.

 (التقويم)

للتغلب على تلك المشكلة، اعتمد يوليوس قيصر التقويم المصري القديم، والذي قسم السنة إلى 365 يومًا، وظلَّ هذا التقويم قائمًا حتى عام 1582، عندما حل محله التقويم الجريجوري»؛ وهو التقويم المعمول به في كافة أنحاء العالم حتى يومنا هذا؛ ويعد الأكثر دقة؛ إذ عالج مشكلة الاعتدال الربيعي في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، والتي كانت تجعل نصف الكرة الشمالي خارج نطاق الموسم وفقًا التقويم اليولياني.

أما أكثر التقاويم القديمة إثارة للجدل فهو تقويم «حضارة المايا»؛ والتي اعتمدت فيه على منظور دوران الزمن الدوري، لكنها استخدمته بطرقٍ خاصةٍ من أجل التنبؤ بالمستقبل، فكيف حدث ذلك؟ وكيف توقعت المايا نهاية العالم؟

زمن «المايا».. لهذا يقولون التاريخ يعيد نفسه

عاشت شعوب المايا في أمريكا الوسطى، بمنطقة جواتيمالا والسلفادور وجنوب المكسيك وهندوراس؛ قبل أكثر من 2000 سنة قبل الميلاد، وذلك حتى مجيء الإسبان في حركة الاستكشافات الجغرافية إلى الأمريكتين، وغزوهم أراضي المايا في القرن السادس عشر الميلادي، وما زالت آثار هذه الحضارة وتقاليدها حاضرةً لدى السكان الأصليين حتى وقتنا هذا.

وصلت حضارة المايا إلى أوج مجدها نحو عام 600 قبل الميلاد، وقد استمر هذا التوهج حتى عام 900 ميلاديًّا؛ إذ شهدت تطورًا كبيرًا في الزراعة وصنع الفخار والرياضيات والكتابة، وهو ما انعكس على العمارة الرائعة التي تجدها متجسدة في «أهرامات المايا» الموجودة حتى اليوم في المواقع الأثرية بوسط أمريكا. 

وعرفت حضارة المايا لغةً خاصةً بها، بعض كلماتها ما زالت مستخدمة بين شعوب أمريكا الوسطى الأصليين يتوارثونها عبر الأجيال؛ ومن تلك اللغة تستطيع أن تدرك كيف رأت شعوب المايا الزمن بمنظورٍ مختلف عما ندركه اليوم؛ فالتعبير عن مفهوم الماضي والحاضر والمستقبل لم يكن حاضرًا لديهم كما هو في اللغتين الإنجليزية والإسبانية، وذلك وفقًا لإحدى الدراسات الأنثروبولوجية المنشورة لـ«جامعة كامبريدج».

حضارة المايا

الزمن عند المايا كان مرتبطًا بالأفعال، ويجري التعبير عنه بمعايير ما إذا كان الفعل مستمرًّا أم مُكتملًا أم متكررًا، فعلى سبيل المثال، «أنت تأكل»، هذا فعل مستمر لأنه يحدث الآن؛ بينما «حصد الفلاح المحاصيل»، هذا فعل مُكتمل، وهكذا. 

كما أنك تستطيع أن تلمس في لغة المايا كيف نظروا إلى الزمن كونه متكررًا يعيد ذاته في دوراتٍ، والمثير للاهتمام أن الزمن عند المايا لم تكن دوراته دائرية، كما لدى الحضارات الآسيوية، بل حلزونية، مكونة من طبقاتٍ بعضها فوق بعض، يمكنك مقارنتها بما سبقها من دورات، ومن ثم التنبؤ بما قد يحدث في المستقبل من أحداث.

شهدت حضارة المايا تطورًا فلكيًّا كبيرًا، هو الذي مكنها من عمل حساباتٍ معقدة جدًّا للزمن بصفته دوريًّا، وتمكنوا من تسجيل وحساب درجات دوران الكواكب حول الشمس وزواياها، كما حرصوا على تسجيل أحداث السنين والدورات على الجدران؛ لتكون مرجعًا مستقبليًّا للتنبؤ؛ لاعتقادهم بتكرارها.

وفي حساباتهم الفلكية استخدم المايا أيضًا رياضيات مختلفة عما نعرفه اليوم، فقد كانت حضارة المايا لا تعد «الصفر» رقمًا بلا قيمة، بل كان له قيمة ثابتة تمثل «الأصل» أو «الجذر» للمعادلة الرياضية، كما كان الشهر وفقًا لحسابات حضارة المايا يستمر 20 يومًا، ولأن شعوب المايا بدأت العد من الرقم صفر، فإن رقم 19 بالنسبة إلينا هو رقم 20 وفقًا لحساباتهم.

ووفقًا لتقويم المايا، فقد كان للسنة 18 شهرًا، مدة كل واحدٍ فيهم 20 يومًا، بمجموع 360 يومًا، مضافًا إليهم خمسة أيام جرت الإشارة إليهم بـ«الأيام سيئة الحظ»، ليكون المجموع النهائي لعدد أيام العام 365 يومًا، وقد توصلت حضارة المايا مبكرًا إلى هذا التقويم قبل عهد يوليوس قيصر الروماني.

ولأن الزمن كان وفقًا لحضارة المايا دورات من الكواكب المختلفة حول الشمس، ما إن تنتهي حتى تعيد الكرة مرةً أخرى؛ في أشكالٍ حلزونية تعتمد على مواقع الكواكب في البروج المختلفة، فقد كانوا يحسبون التنبؤات الفلكية للمستقبل، من خلال مقارنتها بالزوايا الفلكية الشبيهة بها في الماضي؛ إذ من خلال مراجعة أحداث السنين الفائتة التي شهدت الزوايا نفسها؛ بإمكانهم التنبؤ بالمستقبل.

ومن ثم لم تكن أحداث العام هي التي تتكرر، بل أحداث الأعوام الماضية التي شهدت المواقع نفسها للشمس والكواكب والنجوم، وهي الطريقة التي تنبؤوا بها بنهاية العالم عام 2012، وبمجموعة من الكوارث الطبيعية التي من المفترض أن تحدث في ذلك الحين.

لأن الزمن اختلف.. إليك التاريخ الفعلي الجديد لـ«نهاية العالم»

في الفيلم الوثائقي الذي أعدته الباحثة والكاتبة إليزابيث ثيريوت، والذي تناول مفهوم الزمن لدى «حضارة المايا» وصدر عام 2019 على منصة «Timeline»؛ أشارت ثيريوت إلى أن اختلاف منظور الزمن بيننا وبين حضارة المايا، تسبب في أن نقرأ تنبؤاتهم المستقبلية بشكلٍ خطأ. 

وزارت إليزابيث أرض حضارة المايا في أمريكا الوسطى، وتواصلت مع الباقين منهم على قيد الحياة من السكان الأصليين، الذين ما زالوا يحتفظون بأسرار الجدود، كما أجرت مقابلاتٍ مع علماء الآثار والأنثروبولوجيا، وعلماء الفلك والمؤرخين، الذين أكدوا أن الزمن الفعلي لنهاية العالم، هو عام 2066؛ وذلك لاختلاف الحسابات الرياضية التي استخدمتها المايا، عن تلك التي نستخدمها في عصرنا الحديث، إذ «الصفر» لدينا رقم عديم القيمة، مشيرين إلى أن اختلاف الحسابات كان المسؤول عن التوقع الخطأ لتاريخ نهاية العالم عام 2012.

وبحسب إليزابيث فإن علماء الآثار  والأنثروبولجيين يربطون اليوم بين تنبؤ المايا المستقبلي بنهاية العالم، وبين التغيرات المناخية وأزمات البيئة وما نتوقعه مستقبليًّا من كوارث طبيعية على استعداد لأن تضرب الأرض.

تقويم حضارة المايا

«تقويم المايا» ليس بسيطًا كما تتخيل، فهو عبارة عن ثلاثة تقويمات متداخلةمعًا، مثل دوائر ذات تروس، كل واحدةٍ منها تحسب دورة زمنية مختلفة عن الأخرى، لنفهم ذلك بشكلٍ أكثر بساطة عليك التفكير في دائرة كبيرة تحسب دورة زمنية طويلة – فكر فيها كعصر أو حقبة – ومن ثمَّ فكر في دائرة أصغر تتماس مع تروس الدائرة الكبيرة من الخارج، دائرة تقيس دورة زمنية أقل عددًا من السنوات، وفي النهاية دائرة صغيرة جدًّا داخل الدائرة المتوسطة تتماس هي الأخرى مع الدوائر الأخرى، وفي كل عام تنفذ تروس الدوائر السيناريو المتوقع للأحداث وفقًا لمراجعة أحداث الماضي. 

صورة تخيلية لتقاويم حضارة المايا كما وردت في الوثائقي

ويمثل التقويم الأول، دورة الزمن الطويلة، وهو دورة كونية، كانت شعوب المايا تظن أن كل دورة من هذه الدورات تساوي مليونين و880 ألف يوم، أي نحو 7885 سنة شمسية، ومن ثمَّ يأتي التقويم الإلهي في الوسط وهو تقويم من 260 يومًا به 20 فترة، كل واحدة مكونة من 13 يومًا، ويجري من خلاله تحديد مواقيت الاحتفالات الدينية لشعب المايا، وأخيرًا التقويم المدني؛ والذي يقيس الأيام الحالية، والتقويمات الثلاث دورية. 

يمكنك فهم مدى تعقيد تقويم المايا الآن، فوفقًا لما خلفوه من نقوشٍ؛ فالزمن بالنسبة إلى المايا يمكن تقسيمه إلى دورات كبيرة وقصيرة تتماس بعضها بعضًا في دورة كونية كبيرة، ولإعادة التاريخ نفسه يجب أن تدور الدوائر عددًا معينًا من الدورات، بمعنى أنه ليمر يوم متطابق بين التقويمات الثلاثة يجب أن يمر نحو 52 عامًا.

ولذا قسَّم شعب المايا الزمن إلى دورات قصيرة وطويلة، كانت إحداها على سبيل المثال عبارة عن 19 سنة شمسية، وهي نتاج مرور 149 قمرًا و4400 يوم، وفي نهاية كل دورة كانوا يقيمون الاحتفالات الدينية ويشعلون النيران، لتوديع دورة زمنية واستقبال أخرى.

وبالنسبة إلى المايا كان الزمن مفعمًا بالحيوية، ويمثل رحلةً كونيةً عبر مجموعة من الأحداث؛ ولأن طريقة العد في التقويمات الثلاثة كانت مرتبطة الأيام؛ فقد كان لكل يوم شخصية معينة، تجعله مواتيًا أو غير مواتٍ للقيام بأفعالٍ معينة؛ وقد اعتمدوا على الفلك لتحديد شخصية اليوم بحسب مواقع الشمس في السماء؛ ومن خلال ذلك اختاروا أيام الاحتفالات الدينية والطقوس الخاصة بعاداتهم وتقاليدهم، كما رمزوا للأيام بشخصيات الآلهة وصور الحيوانات.

في 21 ديسمبر (كانون الأول) 2012، انتهى العد في التقويم الطويل لحضارة المايا، والذي امتد نحو 5125 عامًا، إذ بدأ العد من عام 3114 ق.م، ويمثل «الدورة الكونية» التي من المفترض أن ينتهي الكون عندها ليبدأ دورة كونية من جديد، وكان ذلك بحسب علماء الآثار هو الذي تسبب في الضجة حول نهاية العالم عام 2012.

وفي الوقت الذي تنبأ فيه البعض كما ورد في وثائقي «Timeline»؛ بأننا أخطأنا حسابات المايا لنهاية العالم وأن النهاية الفعلية هي عام 2066، أشار بعض الباحثين الآخرين إلى أن حضارة المايا ذاتها لم يرد فيها أية إشارة للنهاية الفعلية للعالم؛ وأن نهاية الدورة الطويلة لـ«تقويم المايا» لا يعني أكثر من مجرد نهاية دورة زمنية، وبداية دورة جديدة.

ساسا بوست

5 thoughts on “«تقويم المايا» الذي تنبأ بنهاية العالم 2066؟

  1. تنبيه: Netflix bez VPN

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post مركز الزيتونة يصدر ورقة علمية بعنوان “إسرائيل في مرآة تايوان”
Next post عمدة روتردام وأنتويرب يتفقان على مكافحة التهريب
%d مدونون معجبون بهذه: