battle black blur board game

إشكالية العقل النقدي وفقه العصور الوسطى في الفكر العربي المعاصر

عزة الدين معزة

شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_إن الغرض من هذا المقال المتواضع، ليس جلد الذات، فلا توجد ثقافة في عصرنا الحالي، يهرب أصحابها من الاعتراف بأخطائهم كما هو حال الثقافة العربية، ليس هناك من ثقافة في الدنيا قد اخترعت لها سبلا لتكريس الأخطاء وتبريرها كما هو حال ثقافتنا اليوم، ليس هناك من ثقافة في كل هذا العالم تحرّم النقد، وتستهجن أصحابه، وتلاحق رواده، وتحاكم من يمارسه إلا هذا الذي نجده في ثقافتنا العربية الإسلامية.
إن من أسهل الطرق والوسائل التي ابتدعها الفكر العربي المعاصر قطع الطريق على أي ناقد للسياسة والواقع، للدولة والمجتمع، للتاريخ والذات وذلك بإطلاق مقولة جلد الذات، من دون أن يفقهوا أنهم بعملهم هذا يعملون على إعادة إنتاج الأخطاء، ويحافظون على واقعهم الرديء، إن أي خطوات إصلاحية أو إجراءات تحديثية، أو تغييرات جذرية، لا يمكنها أن تتم من دون ممارسة للنقد بأنواعه، وبشكل صريح وعلني وجريء وواضح. وإن النقد الحقيقي لا يحتمل المجاملات ولا الانشائيات ولا اللف ولا الدوران، بل ازدادت قيمة النقد اليوم بأساليبه ومدارسه ومناهجه واتجاهاته. ومهما كان النقد منطقيا بتحليلاته، ومشخصّا بتفكيكاته، ومصيبا لأهدافه. كان موضع اهتمام وتقدير، خصوصا، إذا تناول الذات وعراها من كل أدرانها.
لقد تكّرس مفهوم جلد الذات وأخذ صفة قبيحة جدا، بحيث أوقف كل النقاد عن ممارسة أدوارهم في تعرية التناقضات، وكشف الموبقات، وتشخيص الداء والمطالبة بالتغيير الجذري بعد معالجة كل الأدران والقضاء على كل الأمراض.
كثيرا ما يتهم العديد من النقاد والكتاب أنهم يمارسون جلدا للذات، وكثيرا ما يأتي ذلك على لسان أناس لا يقبلون بالرأي أو الفكرة، فاستخدامهم لمثل هذا المصطلح عندهم، أو في تفكيرهم، هو بمثابة التهمة التي توجّه للنقاد كي يسكتوهم. وأنهم ما داموا يمارسون جلدا للذات، فانهم يطعنون بالذات المقدسة شبيهة بالإلهة التي لا يمكن لأحد انتقادها، إنهم لا يدركون أن النقد الحقيقي لا يعرف الشدة أو الارتخاء. إنهم لا يدركون أن ليس هناك مجموعة قيم ثابتة ستبقى منزهة عن كل الآفات والأمراض. إنهم لا يدركون أن واقعنا قد وصل إلى ما وصل إليه جراء انعدام أي ممارسة نقدية، سواء موضوعية كانت أم ذاتية. ففي ثقافتنا، لا نعرف ممارسة أي نوع من النقد الذاتي، وتشخيص كل إنسان لمثالبه كي يعالج أخطاءه، ويصحح تصرفاته . فإن كان الوضع هكذا لدى المسؤولين والساسة والمثقفين وكل النخب الفاعلة، فما الوضع الذي سيؤول إليه المجتمع؟ وما الحال التي ستصل إليها مجتمعاتنا مع الأسف؟
إن مصطلح جلد الذات لم يزل مصطلحا يستخدم في ثقافات أخرى، ومنها في الانكليزية، إذ نجده في معظم القواميس والمعاجم والانسكلوبيديات هو (Self-flagellation)، ولكنه يستخدم لا كما يستخدم في الثقافة العربية، إنه يعني بدقة: عقاب الإنسان لنفسه ضمن أشكال مختلفة منها: الضرب أو الحزن أو الإفراط في البكاء، أو اللطم، أو إيذاء الجسم باستنزاف الدم، الخ … تعبيرا عن تكفير أو غفران أو تعويض أو ندم أو اعتراف أو تطهير أو توبة أو قصاص أو وخز ضمير، أو تأنيب وجدان، أو تورع ذاتي( (self- castigationالخ … ، فثمة تجارب لإيذاء النفس لدى شعوب مختلفة سواء في تايوان والصين والهند والباكستان وإيران والعراق ولبنان وبعض مجتمعات أوروبا، وقد تصل الصور والأفلام والمناظر الحقيقية عن أناس تمارس جلدا وتعذيبا لذواتها إلى درجة مقززة من المشاعر المؤذية ولا يأخذ المصطلح أي مفهوم فكري أو فلسفي أو دعائي كما أصبح يجري في الثقافة العربية منذ أكثر من أربعين سنة، أي منذ العام 1967 وحتى يومنا هذا.
إن تعميم النقد لا يعني جلدا للذات، إننا لا يمكننا أن نغطّي على حالة دون أخرى، فالكل يعرف كم هي قدرة مجتمعاتنا على الإبداع والإنتاج، وكم هي منسحقة ومعطلة القدرات، والكل يعرف العوامل الداخلية والخارجية التي سحقتها، لا تريدون نقدا للذات .. لا تريدون نقدا لواقعنا البائس .. لا تريدون الاعتراف بالخلل .. هل نكذب على أنفسنا دوما؟ هل نبقى نكذب على بعضنا بعضا؟ هل نبقى نصفق لبعضنا بعضا نفاقا ورياء؟ إن مفهوم جلد الذات خطيئة عربية ترتكب بحق نقادنا ومثقفينا ومبدعينا .. اتركوهم حتى تتعلم الأجيال الجديدة كيف يتم وخز الضمير .. اتركوهم حتى يعملوا على إنعاش الذات بعد أن تستهدي بكل الوسائل الخيرة من أجل حياة جديدة .. اتركوهم حيث يؤدون أدوارهم من أجل الإصلاح الشامل والتغيير الشامل! اتركوهم بلا أوهام، وبلا شعارات، وبلا أكاذيب وادعاءات كي يعملوا على إنقاذ ما يمكن إنقاذه! اتركوهم أشداء على أنفسنا، كي نعرف الحقائق بلا أية تعميمات أو تغطيات تحت مسميات مفهوم اخترعتموه زورا وبهتانا، وسميتموه بــ: جلد الذات!
إننا نعاني من شوفينية أننا خير الأمم على وجه الأرض، النفخ في ” الأنا الجمعية ” كان دوما الوجه الآخر بالإحساس بالهوان والتخلف والدونية، حيث يتم ترقيع مفهوم الذات الجمعية بإنجازات كاذبة ومكاسب وهمية تجعلنا نتغنى بماض عريق ليس لدينا أي يد في مجريات أحداثه، لقد أصبح من الماضي ومات صانعوه، هكذا هي طبيعة الشعوب المتخلفة عندما تعجز عن معايشة حاضرها تتقوقع على ماضيها، للأسف هناك جهات تستغل تخلفنا لغايات أيديولوجية وتبريره بأسباب غيبية لها منطق المجاز وخديعته مثل القول أن من أسباب تخلفنا الاستعمار أو البعد عن الدين وكرم الاخلاق.
إن التخلف والتصلُّب والتثاقل في البنى الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية في العالم العربي، واللبس والاختلاط الواقع في العديد من المفاهيم أبرزها قضايا بناء الدولة، الأمة والحريات العامة ومفاهيم المواطنة والديمقراطيَّة والمشاركة في الحكم والتعددية، إضافة إلى سيادة الأنظمة الأبوية والعشائرية بفكر بدائي متخلف متعصب، والنزعة الاستبدادية الجائرة والقمع والظلم، وغياب النقد وتخوين كل من ينتقد أنظمة الحكم وعدم وضوح الرؤى المستقبليَّة، وعدم وجود مشاريع جيو استراتيجية، وإشكالية الإصلاح والتغيير والتحديث والتنميَّة المستدامة، جميعها- إضافة إلى عوامل أخرى- أدَّت إلى فشل مشروع النهوض العربي، وشكَّلت سدًّا منيعًا أمام دخول العرب إلى عصر الحداثة والتقدُّم حتى ولو من الأبواب الجانبيَّة.
لابد من تفكيك الموروث العربي والإسلامي ودراسته وتحليله ثم نقده، وبهذا فقط نستطيع إعادة قراءة هذا التراث بصورة نقديَّة مختلفة، لا بطريقة استعراضيَّة، لفهم ومعرفة دور هذا الموروث ومكانته في العقل والفكر العربيين. موروثنا ليس كله سيء وفيه إيجابيات كثيرة، لكننا لم نعرف كيف نستفيد منه، إن الحفاظ على التراث وتفسيره في إطار علمي ومنطقي يمكن أن يأخذ دورًا بارزًا في التطور الاجتماعي للدول وبناء المجتمعات، إن أيَّة أمة من الأمم ترغب في النهوض، وتوفر لها أسباب ذلك، لا بد أن تعود لتراثها، تنشره محققًا مدروسًا، مع الأخذ بالعلوم الحديثة؛ ذلك أن نهضة الأمم لا تبتدئ –عادة- من الصفر، بل تكمل ما انقطعت عنه، وتصل ما توصلت إليه في السابق.
في القرنين الخامس والسادس الهجريين سعى عدد من المفكرين الإسلاميين مثل “ابن عربي” إلى تأسيس البيان العربي الإسلامي على العرفان، وبذلك مهَّدوا الطريق أمام تجميد العقل العربي، وصار المتصوف يهزم الفيلسوف. فيما فعل “ابن رشد” العكس في المغرب حيث بنى البيان على البرهان. وهذا ما نلمسه في الواقع الثقافي العربي الراهن، إذ لا وجود ولا أثر ومكانة للفلسفة، بينما ما زال التصوّف الأكثر حضورًا .. واقع يؤكِّد عقلانيَّة ابن رشد وصوفيَّة ابن سينا.
معضلة العقل العربي في علاقته المربكة الملتبسة مع الدين والسياسة التي جثمت فوقه عبر قرون، وابتعاد هذا العقل عن النقد والتحليل والتفكيك، ما زالت أهم المعوقات لقيام مشروع إصلاحي نهضوي تحديثي يمتلك إمكانيات لدفع الأمة نحو التقدم والتطور.
اتسمت العلاقة ما بين العقل العربي والسلطتين السياسيَّة والدينية بالخشونة والنفور غالباً، لكن هذه القسوة من جانب السلطة السياسيَّة في علاقتها الحذرة مع العقل العربي، لم تصل إلى درجة تعرقل الحركة الفكريَّة إلا بمقدار قيام الفكر بتوجيه النقد المباشر والواضح للأنظمة السياسيَّة، أو حين -بصورة أقل – يتم توجيه النقد للمؤسسة الدينيَّة بثوبها المتحالف مع السلطة السياسيَّة الحاكمة.
في بداية القرن التاسع عشر بدأ احتكاك العقل العربي بصورة مباشرة مع الفكر والثقافة الغربيتين، لكن حذر الدولة العثمانيَّة من الأفكار القادمة من أوروبا، ونتيجة الريبة التي كانت تبديها تجاه المثقفين العرب -على قلتهم- حيث كانت تجري محاولات تتريك الثقافة والفكر في الأقاليم التابعة للدولة العثمانيَّة، كانا عاملان أعاقا أي تطور للفكر العربي، لكن في النصف الأول من القرن العشرين أمكن للعقل العربي أن يكون حركياً وأن يكون منتجاً، حيث نشطت حركة الترجمة، وتوسعت عمليات التأليف، وظهرت نخبة من المفكرين والمثقفين العرب، اشتغلت بموضوع الأدب والتراث والقوميَّة العربيَّة، ونجحت تجربة “عباس محمود العقاد” وغيره من الرواد في مصر بالبحث والتحليل العقلي وفي تنشيط وتحفيز الأدوات العقليَّة دون أن يفقد العقل مكانته أمام الدين، ودون أن تُمس قداسة الدين.
الفكر العربي المعاصر أدرك الشرط الموضوعي لعلاقته مع المؤسستين السياسيَّة والدينيَّة، وتمكن من قراءة واقع المرحلة، فكان نقده للخطاب الديني والسياسي متوازنا وعقلانيا دونما شطط، وهكذا تعايش العقل العربي مع المؤسستين بمناخ ليبرالي استمر لغاية نهاية اربعينيات القرن العشرين. إن العقل الأوروبي الذي أحدث النهضة تحلل من قيد الدين وهدم سلطة الكنيسة، بينما الفكر العربي في تلك المرحلة لم يكن مشككاً، وتعامل مع الفقه باحترام كونه جزء من التكوين الفكري العقلاني العربي.
بعد القرآن الكريم والحديث الشريف، تم اعتماد العقل في الاجتهاد الفقهي، من قبل المؤسسة الدينيَّة التقليديَّة في فجر الإسلام قبل أن يتم تسييسها. إن العقل العربي حين أقبل على الفلسفة الإغريقيَّة كانت غايته ردم الفجوة الفكريَّة بين الدين والعقل، وحين احتك بالفكر الأوروبي الحديث كان هدفه هو وصل الجسور بين الدين والعلوم الحديثة. وهكذا فإن مشروع “ابن رشد” الفلسفي كانت غايته إثبات عدم التعارض بين الشريعة والتفكير والتحليل والتأمل، ومشروع “ابن خلدون” كان هدفه تحليل وتفكيك البنية الاجتماعيَّة ومقاربتها.
لكن حين شرع الغرب في بناء مشروعه، كان الاجتهاد الديني في الحالة العربيَّة قد أغلق نوافذه على نفسه وانكفأ بعد خمسة قرون من تطور الحركة الفكريَّة والتقدم، لقد ظن فكر المؤسسة الدينيَّة أن لا فكر جديد ولا اجتهاد جديد ولا استنباط جديد يمكن لها أن تُقدم عليه بعد اجتهاد السلف والأجداد، ” ليس في الإمكان أبدع مما كان”، الامام أبو حامد الغزالي، ومقولة «ما ترك الأولون للآخرين شيئا» هي جزء من التراث، وهي أخطر ما فيه؛ لأنها تُزكيه، وتعصمه، وتبعده عن النقد، وتجعل المتأخر محل الزلة، ومظنة الخطأ حين ينأى عنه؛ إنها جملة حاكمة، وكلمة مقيدة، تُخدّر العقل، وتسلب قواه، وتضعف صاحبه.
من أكبر الأخطاء التي ارتكبت في التاريخ العربي والاسلامي قضية اغلاق باب الاجتهاد، وما تعنيه من تجميد للعقول ومنعها من التفكير والابداع حتى في الأمور الشرعية المستجدة، وبالتالي يجب العودة الى آراء المجتهدين القدامى في قضية لم يرد لها ذكر لا في الكتاب ولا في السنّة، لكن المشكلة تنبع إذا لم يرد لها ذكر في اجتهادات القدامى، وقضية اغلاق باب الاجتهاد صاحبها تجميد العقول، حتى أن الباحثين يكادون يجمعون أن ابن خلدون هو آخر من أنتج فكرا وعلما من بين العرب والمسلمين، واغلاق باب الاجتهاد مخالفة للشرع لأن القاعدة الفقهية تقول “المجتهد إذا أصاب له أجران وإذا أخطأ له أجر واحد” وهذه القاعدة الفقهية فيها تحريض كبير على الاجتهاد والتفكير واستعمال العقل وعدم الخوف من التجريب. وفي أيامنا هذه هناك من يحاول الاجتهاد، لكنه مقيد بسلاسل تمنعه من حرية الحركة الفكرية، وتجعله يراوح في مكانه إذا لم يجد لقضيته قياسا يقيس عليه في قضية مشابهة عند الأقدمين. لكن أخطر ما ينتج عن اغلاق باب الاجتهاد هو عقلية التكفير والتخوين، وهي التٌهم الجاهزة لكل من يحاول ان يجتهد في الدين أو ينتقد النظام السياسي. توقف الاجتهاد في العقل العربي رافقه تغيرات وتحولات سياسيَّة واجتماعيَّة، جعلت من المؤسسة الدينيَّة التي تمَّ تسييسها تضيق على العقل العربي وتحاصر الفكر وتمنع النقد.
تحالفت السلطتان الدينيَّة والسياسيَّة على قمع العقل العربي وتخوين وتكفير كل من ينتقدهما، الذي غالباً ما كان المجتهد والمصلح السياسي يتراجع وينعزل طلباً للسلامة مما أوصله لحالة التصلب والجمود الفكري، وهكذا بينما كان العقل الأوروبي يحقق تطوره ويحطم القيود التي تحول بينه وبين العلوم والمعارف، كان العقل العربي في حالة من الخمول والخوف والتردد، واكتفى بالنقل والنسخ والتقليد والتكرار للموروث ولفكر السلف الصالح. كان الفكر العربي منشغلاً في إذكاء روح التنافس بين الفكر ونفسه، وكان العقل العربي غارقاً في شرح وتفسير وتحليل وتفكيك المفكّك والمفسر. أي كان العقل والفكر العربيين يعيدان إنتاج نفسيهما دون تحقيق أي تطور ولا تقدم، دون أي تغيير ولا تبديل، دون أي نقد أو اجتهاد، أي كانا يراوحان مكانهما فأصيبا بالوهن والضعف والتصلب.
منذ منتصف القرن العشرين واجه العقل العربي قمع السلطة السياسيَّة الوليدة، وعانى من استبداد الأنظمة العربيَّة التي تحررت حديثاً بعد طي صفحة الاستعمار الأوروبي، حيث سعت هذه السلطات إلى السيطرة على العقل العربي وقولبته، وقامت بصياغة مفاهيم الفكر بعيداً عن شرط تطوره وهو شرط الحريَّة. لقد نصبت الأنظمة العربيَّة نفسها وصيَّة على العقل العربي وتحكمت بروافد تغذيته. ضيقت عليه وطوعته لإخضاعه وإخضاع الفكر والأفراد لإرادتها ورؤيتها، أحاطته بالأجهزة الأمنيَّة التي تعد له عدد مرات الشهيق، وأرهقته بضنك الحياة والبحث عن لقمة العيش التي تضمن حياة شبه كريمة.
في الألفيَّة الثالثة، عصر الثورة المعلوماتيَّة والجيل الرابع من التقنيات الحديثة، تقوم في المشهد العربي تحالفات بين المؤسستين السياسيَّة والدينيَّة التقليديَّة ضدّ العقل العربي، وضدّ حريته وحقوقه في البحث والتحليل والنقد والمقاربات والإنتاج والإبداع والتواصل مع الآخر. إن محاولة قراءة وتفكيك وتحليل بنيَة العقل العربي تحرّض على إثارة أسئلة إشكاليَّة أبرزها سؤال الحريَّة الذي يُعتبر المكون الأهم في قيام أيَّة نهضة وتقدم. في الحالة العربيَّة ما زال سؤال الحريَّة معلقاً دون توفر أي من شروطه المرتبطة بالحريَّة الفكريَّة واستقلال العقل العربي وتطويره وتحديثه كي يصبح عقلاً نقدياً يواجه الاستبداد واللاعقلانيَّة والايديولوجيات الثابتة.
بالرغم من أن الإسلام قد كرّم العقل ودعا إلى استخدام العقل في القرآن الكريم، إلا أن الفكر الإسلامي بأبعاده ومفاعيله اللاهوتيَّة مكث فوق الوعي الاجتماعي قروناً عديدة أدَّت إلى تراجع وانحسار دور العقل، فانفصلت الثقافة العربيَّة عن السؤال والنقد. مع أن علم المنطق والفلسفة قد تطورا في القرن التاسع الميلادي، واستمرّ هذا التقدّم لغاية القرن الحادي عشر، حيث عرفت تلك الفترة انتعاشاً للفكر العقلاني العربي الذي دخل في مواجهة العقل والفلسفة الاغريقيَّة لأول مرة. إلا أن الفلسفة بثوبها العربي خسرت رهانها ومعركتها التاريخيَّة في مواجهة الجهل والاستبداد والأفكار الظلاميَّة، فعلت أصوات التكفير بدلاً عن التفكير، وشاعت الأساطير والخزعبلات وانكمشت الحقائق .. تم اغتيال حريَّة التفكير فتوقف كل شيء مكانه وتحجر، وأصيب العقل العربي بالضمور، ثم تراجع الفكر العربي فتراجعت الأمة كاملة لأن الفلسفة في بنيتها ومكانتها ضد الخنوع والإذعان والأوهام.
إن الحريَّة باعتبارها أهم وأول شرط لتحقق الذات، هي أبرز مبادئ الديمقراطيَّة بصيغتها المعاصرة، وهي أصل الصراع في أن حريَّة اختيار الأفراد لنظامهم السياسي والاجتماعي، في أن يكونوا أحراراً أو عبيداً. إن الوصايَّة على الدين وعلى الفكر الإسلامي لدى بعض المفكرين لضبط الحريَّة كما هو حاصل في الراهن العربي، هو أمر يتعارض مع استخدام العقل والفكر النقدي، ويعيق النهوض والتطور، إذ لم يكن الدين يوماً يتعارض مع سعي البشر نحو تحقيق الحقوق الوضعيَّة التي تضمن حياة كريمة للناس وترفع عنها المظالم.
لقد فشلت جهود الرواد من عصر النهضة التي بذلت لتأسيس مشروع عربي على أسس حديثة بسبب غياب العقل النقدي، ولم تتمكن النهضة من تشكيل أدواتها العقليَّة الخاصة، ولا هي قامت بمقاربات موضوعيَّة مبنيَّة على فهم سليم لتجربة العقل الغربي الذي كان قد تجاوز تراثه وتحرر من قيوده.
عانى مشروع النهضة من السلطة القمعيَّة التي كانت بمثابة معول يهدم كل بناء في اتجاه حداثي تنويري، ولذلك فإن هذا الفشل إنما يعود إلى أسباب موضوعيَّة أسهمت في تغييب العقل النقدي، لا إلى قصور في بنيَّة الفكر العربي.
كان رواد النهضة ينادون بالحريَّة ويدعون إلى سلطة العقل، ولذلك ظل سؤال الحريَّة كسيحًا لأنه لم يتم تحقق شرط استقلاليَّة العقل الذي بقي خاضعًا لسلطة الأيديولوجيا السلفيَّة، وبهذا تم خلع الفاعليَّة النقديَّة عن العقل العربي. مع غياب النقد أضاع المشروع النهضوي أحد أهم أسلحته وأدواته التي تمكنه من تحليل ومقاربة الواقع بعلميَّة، وأن يوظف النقد الذاتي ونقد الآخر، وكذلك النقد الفكري في عمليَّة تحديث وتطوير الوعي الجمعي. لكن الموروث المتخشب بفهمه والمؤطر غيبياً سيطر على العقل الاجتماعي وأنتج ثقافة صوفيَّة تمددت على حساب انحسار حركة العقل، مما أدى إلى زوال هامش الحريَّة، لهذا تماماً فشل المشروع النهضوي لأنه عجز عن إحداث أي تقدم علمي يدفع للنهوض والتطور، كما أخفق في الانعتاق من السيطرة التامة للموروث الذي فرض سطوته ولا زال.
إن كافة الأمم التي حققت ازدهارا تمكنت من ذلك بفعل طي صفحة الماضي وتجاوز القيود التي تكبل العقل والفكر.
كما قال العالم الفقيه المحدث “ابن الصلاح الشهرزوري” ذات واقعة أن “من تفلسف قد تمنطق، ومن تمنطق فقد تزندق” وأعادها بعده شيخ الإسلام “ابن تيميَّة” في العصر العباسي حين نشطت حركة ترجمة كتب الفلسفة اليونانيَّة. وأعتقد أن تاريخ الفلسفة وتأويل المصطلح المقترن بالمنطق والفهم الخاطئ قد تسببوا بالربط الذهني لدى البشر بين الفلسفة والكفر والعصيان وبين المنطق والإلحاد، وهو في الحقيقة موروث ثقافي لا صلة له بالمعرفة.
ما وقع تاريخياً من جدال وإشكاليات إنما يعود بظني إلى الاختلاط واللبس بين الوحي والوعي والعلاقة بينهما في اتصالهما وانفصالهما. بلا شك أن الوحي قضيَّة سماويَّة إلهيَّة، بينما الوعي شأن وضعي للإنسان فيه حريَّة الاختيار والقرار، أن ينفصل أو يتصل.
لقد وفدت الفلسفة اليونانيَّة لبلاد العرب والإسلام في عصر خلفاء بني أميَّة في القرن الأول الهجري، لكنها لم تنتشر لأن السلف كانوا يتحفظون عليها، وسميت علوم الأوائل، أي الفلسفة والمنطق. وفي العصر العباسي نشطت حركة الترجمة وازدهرت، فتم نقل الفلسفة اليونانيَّة للعربيَّة ابتداء من عهد الخليفة المهدي حتى وصلت إلى قمتها في عصر الخليفة المأمون، واعتمد المسلمون الأوائل على فلسفة أرسطو وأفلاطون بصورة خاصة، ثم مزجوها بالعقائد الدينيَّة فتشكل خليط فكري جديد.
من أهم أسباب انتشار الفلسفة في تلك الحقبة من التاريخ الإسلامي كانت سعة الأفق الفكري لدى الخلفاء العباسيين الأوائل، وشيوع ثقافة التسامح الديني والانفتاح على غير المسلمين، وهذا أتاح قيام مناظرات حواريَّة فكريَّة صقلت وتطورت القدرات العقليَّة للمسلمين، مما شكل دافعًا مهمًا في إسهامهم بالحركة العلميَّة والفكريَّة والثقافيَّة التي وصلت ذروتها في ذاك العصر. لكن هناك تيارات فكريَّة إسلاميَّة دعت إلى الأخذ فقط بعلوم العرب وإسقاط أي علوم أخرى وما تشتمل عليه من علوم رياضيَّة وطبيعيَّة وفلك وموسيقى وغيرها، الإمام “أبو حامد الغزالي” اتخذ موقفاً وسطياً واعتبر أنه ليست كل علوم الأوائل ضارة، فهناك الرياضيات وعلم المنطق مثلاً وهما علمان لا يتعارضان مع فلسفة العقيدة الدينيَّة.
كان “الغزالي” كفيلسوف يتمتع بالجرأة والذكاء في مواجهة التيارات الفكريَّة بعصره، وقام بنقد تطرف بعض الفرق بدافع إخلاصه للإسلام، وقد اتبع في فلسفته منهجاً عقلياً يعتمد الشك والحدس الذهني ثم تحول من الفلسفة إلى التصوف لكنه لم يهمش العقل في تصوفه، وظل العقل عنده حجة على غلاة الصوفيَّة، فهو يؤمن أنه لا يمكن أن ينكشف للصوفي ما لا يمكن للعقل إدراكه، فالعقل هو المعيار في صدق وحقائق المعارف، أما الغيبيات فلا بد من التسليم بها ولها. مع ذلك فإن بعض الفرق الإسلاميَّة لم تكن راضيَّة عن دخول أي فكر أو علوم دخيلة على الإسلام، فالعلوم عندهم هي فقط العلوم المتوارثة عن النبي “محمد ﷺ” وباستثناء ذلك فهو ليس علمًا، وإنما معرفة لا تستحق التحصيل، بل أنها قد تكون معرفة ضارة تدفع بحاملها إلى الاستهانة بالدين.
إن كان “الغزالي” حاول بعقلانيَّة التصدي لإسراف بعض الفرق المتطرفة في الإسلام التي كانت ترفض مطلقاً الفلسفة اليونانيَّة، حتى أنه لم يستخدم مصطلح منطق كعنوان لأي من مؤلفاته الكثيرة لعدم إثارة حفيظة هذه الفرق، إلا أن المحافظين اعتبروا دراسة الفلسفة ضرباً من الزندقة، وقيل في هذا الشأن أن من تمنطق تزندق. وما زال الموقف الشائع عند أئمة الفقه أن منهج البراهين التي تعود إلى فلسفة “أرسطو” تشكل خطرًا على الفكر الإسلامي والعقيدة. الفقيه “الشهرزوري” اعتبر أن الفلسفة “سفه وانحلال، ومادة حيرة وضلال، وتثير الزيغ والزندقة” واعتبر المنطق مدخلاً للفلسفة ومدخل الضلال ضلال.
حين تم نقل الفلسفة اليونانيَّة وعلم المنطق على اعتبارهما يمثلان النظرة العقلانيَّة، استخدما كأداة في مواجهة التيار الفكري الإسلامي اللاعقلي الذي كان سائداً، ثم انشق العقلانيون على أنفسهم، فخرج منهم فقهاء هاجموا الفلسفة، وتركوا خلفهم المعتزلة وحدهم في الميدان الذين حافظوا على منهج العقل، وبعضهم تحولوا إلى أشاعرة الذين تركوا للإيمان الصرف قسطاً وللعقل قسطاً آخر.
الإشكاليَّة تكمن في انحسار الفلسفة والتيار العقلاني في الفكر العربي الإسلامي وتحجيم دور العقل الذي دخل إلى منطقة مظلمة، وتبدلت الظروف الاجتماعيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة، وضاق العقل كثيراً بحيث أصبح ينظر لكل فكر فلسفي على أنه كفر، ثم انحاز العقل للطوائف والمذاهب منذ القرن الحادي عشر. بعد ذلك توقف التفكير العقلاني وتوقف النقد، وتوقف كل إنتاج فكري وفلسفي جديد، ولم يتجدد أي عنصر من مكونات الفكر العربي والإسلامي، واكتفى الفكر بالنقل الذي توسع واشتد وأصبح ذا سلطة واسعة مؤثرة في بنيَّة الفكر العربي لقرون مديدة، حيث كان الفكر العربي يعيد إنتاج نفسه دون أي تطور وإبداع وتحديث.
يعتبر الدكتور “محمد أركون” صاحب مشروع تجديد الفكر العربي أن الصوفيَّة هي تمرين فردي للتواصل بين المؤمن وخالقه، بصورة مستقلة عن الشعائر والفرائض والعبادات التي تؤديها الجماعة، ويرى أن سلطة العقل لا تعني مطلقاً تجاوز سلطة النص بقدر ماهي قراءة ومقاربة مختلفة في ضوء المعارف والعلوم الحديثة.
إن العلوم لم تكن منفصلة عن الفلسفة عند الإغريق ولا عند العرب في القرون الوسطى، حيث أكد الفيلسوف والطبيب “ابن سينا” على ارتباط الطب بالفلسفة في كتاب “الشفاء” مثلما اعتبر الكيميائي “جابر ابن حيان” الذي وضع الأسس العلميَّة للكيمياء الحديثة والمعاصرة، أن الكيمياء مرتبطة بالفلسفة. كما أن القرآن الكريم قد شجع وحث على العلم وتحصيل المعرفة، حتى أن المسلمين نمت لديهم مختلف العلوم وازدهرت لدرجة أن الغرب قد بدأ ينقل هذه العلوم عن العرب والمسلمين، لكن هذا الازدهار في الحركة المعرفيَّة العلميَّة توقف لأسباب ترتبط بالتغيرات السياسيَّة والاجتماعيَّة التي حدثت بدايَة من القرن الثاني عشر الميلادي، ولا تعود إلى سلطة الضبط والهيمنة اللاهوتيَّة. وهكذا تراجع البحث العلمي ليخلو الميدان للخطاب التعبوي الأيديولوجي، الذي كلما اشتد وأصبح أقوى كلما تقلصت مكانة العقل والفكر العلمي النقدي في البنيَّة العربيَّة. هذا التراجع أضحى مرعباً في القرنين الأخيرين، حيث اعتمد العرب والمسلمون التصلب الأيديولوجي لمقاومة الحملات الصليبيَّة، ثم ظهرت حركة سلفيَّة إصلاحيَّة في القرن التاسع عشر لكنها فشلت، لأن القطيعة مع العقل العلمي كانت قد ترسخت في الفكر العربي، ثم ظهرت الأيديولوجيَّة القوميَّة في القرن العشرين التي أعاقت في نضالها التحرري كل محاولة لدراسة العلوم التي ظلت وما زالت الأقل تحليلاً من كافة جوانب التراث الإسلامي. وهكذا استمر العقل العربي مشتتاً بين التراث والحداثة، وفي كل مرة يتم فيها محاولة إعادة قراءة التراث وفق العقل الاستبدادي يتواصل إعادة إنتاج التخلف. ورغم أن العقل العربي قد صدم بالحداثة عبر احتكاكه مع العقل الغربي في القرن التاسع عشر، إلا أن تحديث الفكر العربي ظل حبيس أطر ومفاهيم أيديولوجيَّة، ولم يتجدد بذاته كممارسة نظريَّة عقلانيَّة، لأن المثقفين العرب الذين رفعوا لواء النهضة لم ينعتقوا من قيد الأيديولوجيا، ولم يتمكنوا من صياغة فكر نقدي لهويتنا ولعلاقتنا مع الآخر، ومكث العقل العربي في صندوق الأنثروبولوجيا مما شكل حائلاً دونه والتجديد والإبداع.
بعض رواد مشروع النهضة العربيَّة وظفوا الدين لصالح السلطة السياسية، والبعض جعل السياسة في خدمة الدين، لذلك فشل هذا المنهج في تحقيق أي إصلاح في البنيَّة الفكريَّة العربيَّة، وكانت الفلسفة ماديَّة برهانيَّة تقوم على الحجة والأدلة في المغرب العربي، فيما كانت الفلسفة في المشرق مثاليَّة لاهوتيَّة تقوم على التأمل.
نظريات ومذاهب وأفكار وفدت على المنطقة العربيَّة من كل صوب وحدب، عبر روافد متعددة ومتنوعة ومتشابكة، دون أي تأصيل ومن غير تهيئة البيئة العربيَّة لهذه النظريات، ولا الاشتغال على الفكر وتعديله ليكون متوافقاً مع الحالة العربيَّة، مثل النظريَّة الماركسيَّة التي نقلها اليساريون العرب، فكانت محنة العقل اليساري العربي حالة من الفصام الفكري، حيث تجد يساريين وأحزاباً يساريَّة لكن من دون فكر ماركسي.
العقل العربي تجاذبته المفاهيم والنظريات والأفكار المعاصرة منها والموروثة، وعانى من السلطة الدينيَّة المتشددة، ومن الاستبداد السياسي، ومورس عليه التهميش والتضييق والإلغاء والقولبة والقهر والاعتقال بل والقتل، تمت مصادرة حقوقه في التفكير الحر المستقل وفي التحليل والنقد والإنتاج دون قيد.
إننا نحتاج عقلا جديدا ورؤية أخرى وقراءة هادئة ومقاربة مختلفة لتاريخنا العربي والإسلامي ولتراثنا الثري. العقل العربي يحتاج أدوات مغايرة للبحث والتحليل والدراسة.
إن العقل العربي ليس عقلاً قاصرًا ولا فاشلاً ولا عاجزًا بل يحتاج إلى معلمين وملهمين ونماذج متميزة عما هو سائد، ولا يحتاج العقل العربي إلى مزيد من الكراهيَّة والطائفيَّة والمذهبيَّة والعرقيَّة التي فتكت به.
ففي عصرنا هذا، أصبح غياب المنطق والعقل والعقلانية يستحوذ على المخيلة ويحرف الحقيقة ويشوه السمعة وينصب الأخ عدوا، والعدو أخا، لخدمة جهة ما على حساب الوطن والأمة والكرامة ويمنع أي فرص محتملة للخروج من كهوف الظلام والاستبداد تفرضه علينا قوى الشر التي تربت على التفنن في التفريط في الأمة، وكيف لا تفعل ذلك وهي التي تحكمها المصالح لا الصالح العام.
يمتعض الكثير من الشباب العربي من واقعه البائس الذي أصبح لا يطاق، يتشابه لديه النهار بالليل، اليوم بالأمس، والعام الحالي بالماضي وربما القادم، يجد نفسه بين واقع سياسي مزري، واقتصادي مفلس، واجتماعي مخرب ويتمنى أن يستيقظ ويقول “الحمد لله أنني أحلم”.
تمر الأمة العربية اليوم، بواحدة من أدنى نقاط الحضيض التي وصلنا إليها في تاريخنا، وبهذا، فإن توصيف أبعاد أزماتنا وأغوار معضلاتنا، يغدو، أحيانا كثيرة، مما لا يلزم، فالواقع أصدق إِنْبَاءً من الصُحُفِ.
لقد تحولت الشعوب العربية إلى أقوام مستهلِكة لإنتاج الآخر، والسؤال الكبير: لماذا تقدم الآخرون وتخلف العرب؟
إن التخلف والتصلب والتثاقل في البنى الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية في العالم العربي، واللبس والاختلاط الواقع في العديد من المفاهيم أبرزها قضايا بناء الدولة والحريات العامة ومفاهيم المواطنة والديمقراطية والمشاركة في الحكم والتعددية، إضافة إلى سيادة الأنظمة الأبوية والعشائرية بفكر بدائي متخلف ظالم وتابع للآخر، والنزعة الاستبدادية الجائرة والقمع والظلم، وغياب النقد وعدم وضوح الرؤى المستقبلية، وعدم وجود مشاريع جيو استراتيجية، وإشكالية الإصلاح والتغيير والتحديث والتنمية المستدامة، جميعها -إضافة إلى عوامل أخرى- أدت إلى فشل مشروع النهوض العربي، وشكلت سدًا منيعًا أمام دخول العرب إلى عصر الحداثة والتقدم حتى لو من الأبواب الجانبية.
إن ما يقاسيه العالم العربي، على الرغم من كل التعقيدات التي تشوبه، يرجع إلى المفاهيم المغلوطة والازدواجية في المعايير غياب العقل والعقلانية.
لم تكتسب العقلانية في الفكر العربي المعاصر شرعيتها كمفهوم على المستوى الفكري الفلسفي والسياسي، والتساؤل بالتالي عن مستقبل نمط التفكير العربي، وعن مدى إمكانية تطوير “عقل عربي” مبدع منتج؟ وأيضا عن إمكانية تأسيس عقلانية عربية استشرافية مجابهة لزخم التحولات التي تشهدها الساحة الفكرية العالمية خاصة؟
كثيرا ما يتم الحديث هنا وهناك عن قضية الدين والعقل، وخاصة بعدما انتهى القدماء من مصطلح النقل والعقل، حيث لا تكاد تنتهي الدراسات حول موضوع الدين والعقل إلا وتظهر نداءات أخرى تدعو إلى فتح النقاش من جديد في هذه المسألة. في العالم العربي والإسلامي، حدث نقاش حاد في مثل هذه المسائل لدى الفرق الإسلامية التي خاضت في هذا المجال، وخاصة المعتزلة والأشاعرة، ووقفوا طويلا عند قضية العقل، باعتباره مناط التكليف والثواب والعقاب، فعلى “أساس العقل شرعت الشرائع وسنت القوانين وقامت الحضارات وامتدت المدنيات”. لهذا، لا عجب إذا ورد في كتاب الله وعلى لسان نبيه الكريم، فقد شرف الله العقل وأعلى مكانته، وعظم الرسول العقل وقدس حرمته، ومجده الفلاسفة والحكماء والعلماء، فصرفوا جهودهم إلى إعلاء شأنه والبحث فيه.
اعتقد المعتزلة أن العقل هو الأساس في فهم الشرع، حتى قالوا بسلطان العقل وآمنوا به، فأطلقوا له العنان وجعلوه حَكَمًا في كل شيء، وبحثوا على ضوئه في جميع الموضوعات دينية كانت أو علمية؛ فالعقل عندهم هو المرجع وهو الأساس، فإذا تحاكموا فإلى العقل، وإذا حاجوا فبحكم العقل يقررون ما يرشد إليه في المقابل، رأى الأشاعرة أن النقل لا يخالف العقل وإنما يوافقه، ولم يحصل اتفاق في هذا الموضوع، بل اختلفوا فيه، وعندما تنامى الخلاف عند فلاسفة المشرق تم تهجير هذا النوع من الفلسفة إلى الغرب الإسلامي، حيث وجدت بيئة مناسبة لها، وخاصة الفلسفة التي كانت لدى الكندي والفارابي وابن سينا والرازي وغيرهم فعندما تعرف المسلمون على المدارس الأساسية في الفلسفة اليونانية القديمة، وإن كان أرسطو محط اهتمامهم الأول، وإلى أواخر القرن التاسع قد نقلت إلى العربية الأعمال الأرسطية الرئيسة، إما مباشرة من اليونان أو بتوسط السريانية مع أن أغلب الترجمات السريانية تمت بعد الفتح الإسلامي، وبعد ذلك أجبرها الغزالي على الهجرة إلى الغرب الإسلامي، فانتعشت من جديد مع ابن طفيل وابن رشد وموسى بن ميمون.
فالاهتمام بالعقل أصبح أمرا ضروريا لما له من أهمية في فهم إنسانية الإنسان وتفكيك عقله ومحاولة فهم أفعاله؛ حتى قال أحدهم: يجب أن نبتدئ بدراسة العقل؛ لأن الظواهر العقلية تشكل الجسر الذي يربطنا مع بقية العالم، ولهذا أولى بقية الفلاسفة أهمية قصوى للعقل، وخاصة الفلاسفة المعاصرين.
معضلة العقل العربي في علاقته المربكة الملتبسة مع الدين والسياسة التي جثمت فوقه عبر قرون طويلة، وابتعاد هذا العقل عن النقد والعقلانية والتحليل والتفكيك، ما زالت أهم المعوقات لقيام مشروع إصلاحي نهضوي تحديثي يمتلك إمكانيات لدفع الأمة نحو التقدم والتطور.
يقوم العقل بادراك نفسه أولا، ثم يدرك الحقائق والقواعد المنطقية، ويحدد الخير والشر والحق والباطل، لذلك فهو عقل عملي فعال، ثم يدرك العالم الخارجي من المحسوسات، وذلك بوساطة الحواس التي تشكل أحد اعوانه، ثم يدرك «اللامرئي» من المشاعر والاحاسيس والمعاني الباطنية عبر القلب. وان نظرنا الى الموضوع من زاوية ثانية، نرى أن أفعال الانسان معلولة ومسببة عن هذه المركزية العقلية، فكل ما يصدر سوف يتأثر بها.
القرآن الكريم أولى اهتماما كبيرا لبيان حقيقة العقل ومراتبه وكيفية تأثره وتأثيره، ولكن عبر اهتمامه بالعقل العملي، وهو العقل القابل للتطور والاشتداد والترقي، الذي يؤدي الى ادراك الحق الواجب اتباعه، وادراك الباطل اللازم اجتنابه، فالعقل في القرآن يمثل الجانب التطبيقي في الوعي الانساني، وهذا لا يعني اهمال العقل بوصفه مملكة للتفكير قبال الوهم والخيال، كما لا يعني اهمال المدركات الاولية للعقل، كيف والقرآن من خلال محاجته مع الكفار والمنافقين وجميع البشر انما يرتكز على العقل بوصفه آلة ادراكية عامة يشترك فيها الجميع وتكون حجة على الناس بلا تفاوت.
يوضح القرآن الكريم، اولا، اهمية العقل، فيمتدح العقلنة والفهم والتفكير، ثم يبين علامات العقلانية عند الانسان، ثم يوضح مخاطر السفه وعدم الفهم، ويذم الجهل والجهلاء، ويبين الاثار الناتجة عن عدم العقلانية، من خلال بيان علامات تركها. ويبين القرآن الكريم، ثانيا، ضرورة الاعتماد على العلم واناطة المعرفة بالدليل في المساحة المعرفية للإنسان كلها، فيوضح مخاطر متابعة الظن والشك، وانهما يبعدان الانسان عن الحق والواقع. ويعرج، ثالثا، على مراتب العقلانية، ليشرح الاسباب التي تقوي العقل وتربيه وتعضده سواء من داخل الانسان او من خارجه، وفي ذلك يؤكد القرآن على تهذيب النفس، ويبين من ثم وجود حلقة ثلاثية تربط العقل والنفس والعمل، ليصير كل منها مؤثرا على الاخر، ويجمع بذلك المنطق القرآني،
فقد بين القرآن الكريم ان العقلنة والفهم متوقفان على العلم بوصفه شرطا اساسا﴿ وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾[العنكبوت/43]
وكذا قوله تعالى: ﴿ أفلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الإبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾[الحج/46].
وقد ورد، في الدعاء المأثور، عن رسول الله (ص): «اللهم إني اعوذ بك من علم لا ينفع» والتعوذ يكون عادة من الشر لا من الخير، والحال ان العلم هو علم، وهو خير بالطبع، ولكن بما ان الشريعة تنظر الى الواقع البشري العملي، فطبقا لأولويات هذا الواقع، يصير تضييع العمر بغير الانفع خسارة وهباء، فيكون بمنزلة الشر النسبي حينئذ.
العقلانية التي هي محل حديثنا هنا في هذا المبدأ أمر مصرح به على ألسنة أهل الحداثة كأساس لنظريتهم، يعرض أحد الحداثيين العرب بعض فكر الحداثة وأسسها عند أحد فلاسفة الحداثة الغربيين فيقول: “تعد العقلانية مبتدأ الحداثة وخبرها ولا توجد حداثة من غير أساس عقلاني كما يؤكد آلان تورين A. Tourain ، فالحداثة كما يرى تورين هي عملية انتشار المنتجات العقلية والعلمية والتكنولوجية وهي بالتالي حالة رفض للتصورات القديمة التي تقوم على أساس ديني طوباوي وتمثل في الوقت ذاته حالة قطيعة مع الغائية الدينية التقليدية، إنها انتصار للعقل في مختلف مجالات الحياة والوجود، في مجال العلم والحياة الاجتماعية، وغاية الحداثة هي بناء مجتمع عقلاني. وهذا يعني أن الحداثة هي حالة ولادة جديدة لعالم يحكمه العقل وتسوده العقلانية، وبعبارة أخرى الحداثة وضعية اجتماعية وحضارية تجعل من العقل والعقلانية المبدأ الأساسي الذي يعتمد في مجال الحياة الشخصية والاجتماعية، وهذا يقتضي وجود حالة رفض لجميع العقائد والتصورات وأشكال التنظيم الاجتماعي التي لا تستند إلى أسس عقلية أو علمية. وهذا هو التصور الذي اعتمدته فلسفة التنوير في القرن الثامن عشر والتي نادت بوجود الإنسان على أساس التوافق مع العقل والعقلانية، وذلك سعيا إلى تحرير الإنسان من العبودية والظلم ومن المخاوف الأسطورية والجهل والعبودية والتسلط وقد اتجهت هذه الحركة إلى إزالة العقبات التي تقف في وجه المعرفة العلمية. وتأخذ الحداثة ملامحها الأساسية في الفلسفة الوضعية التي أحدثت نوعاً من القطيعة مع التصورات الأبوية والكنسية التقليدية مؤكدة أهمية المعرفة العلمية والعقلانية في شتى مناحي الحياة الاجتماعية واتجاهاتها. وفي هذا السياق تتبدى الحداثة أيضا في عطاءات المنهج العلمي التجريبي الذي أخذ هيئة العقلانية الأداتية التي اتسمت بالموضوعية والتماسك والتي بدأت تسجل حضورها العارم في مختلف مجالات المعرفة العلمية بفروعها المختلفة ، وأن الدين محكوم عليه بهيمنة العقل، ذلك عند أهل الغرب فقط، لكننا وجدنا الترجمة شبه حرفية عند أولئك الحداثيين الأقزام من العرب فهذا “محمد محفوظ” يجعل الحداثة تستند إلى عدة خصائص منها “العقلانية حيث يتجلى العقل بسيادته وهيمنته في مختلف جوانب الوجود الاجتماعي والسياسي تجلياً لمبادئ التنوير وقيمه” ويرى “قسطنطين زريق” أن الحداثة تنطلق من عدة مواقف منها: “الإيمان بأن العقل هو مصدر تفوق الإنسان وتفرده في مملكة الكائنات الحية، ومن ثم الإيمان بأن الإنسان يستطيع عبر هذا العقل أن يطور العلوم والمعارف باتجاه السيطرة على الوجود والمصير”. هذه بعض أقوال الحداثيين حول كون العقلانية أساسا من أسس الحداثة، وواضح عند التحليل أن الدين قضية ذات حساسية شديدة لدى هؤلاء فهو في نظرهم مناقض للحرية والعقل معا، بينما العلمانية هي العقلانية والحرية معا.
هل يتعارض الإسلام مع الحداثة ؟ إنه لا يوجد تصادم بين الإسلام والحداثة بل هناك تصادم بين أشكال من التدين الإسلامي والحداثة. ومنذ القرن السادس الهجري قام التدين على حجية النصوص وخصوصاً عند الحنابلة، وهذا تدين يصطدم حتماً بالحداثة المبنية على العقلانية، ومسؤولية الفرد، ومن المهم أن نوضح هنا أن القول بأن الحداثة منافية للأديان أمر غير صحيح، فالحداثة نمط حضاري سائد في الدنيا كلها، والقيم الجديدة التي أتت بها الحداثة مثل الحرية، والمساواة، والعدل ليست منقطعة عن تراثنا بل هي موجودة ولكنها مهمشة ومغيبة. ويتفق الدكتور النعيم مع هذا الطرح حيث يؤكد أنه من واجبنا اليوم أن نقيم خطابًا حداثيًا مستقى من خطابنا التراثي الذي كان يحوي قيم الحكم الصالح، والعدل الاجتماعي، والمساواة والكرامة.
أن من أسباب تأخر العرب المسلمين بعد أن كانوا في الصدارة خاصة خلال القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، هو بُعدهم عن صحيح الدين الإسلامي، مع العلم أن الاجتهاد هو مبدأ الحركة في الإسلام، ومقولة المطهري في اعتبار أن الاجتهاد من معجزات الإسلام، أن الاجتهاد هو المفهوم الذي يعادل أو بإمكانها أن يعادل مفهوم الحداثة، هذه المقولات وغيرها تكشف عن تأمُّلات جديدة تفتح آفاق النظر في مفهوم الاجتهاد وحقله الدلالي، وتعبّر عن منظور فكري حديث لمفهوم الاجتهاد في ساحة الفكر الإسلامي المعاصر.
منطق الاجتهاد يتعامل مع النص بوصفه نصًّا مفتوحًا على المعنى، وغير قابل للانسداد والانغلاق في كل زمان ومكان وحال، ويتحقَّق ذلك لكون أن الاجتهاد يتطلَّب شدّة الفحص، وعمق البحث، وإعمال النظر بصورة دائمة ومستمرة، والتخلِّي عن ذهنية التبعية والتقليد.
ولا شك أن هذه الطريقة من التعامل مع النص، هي طريقة حداثية بامتياز، وليست هناك حداثة أكثر من هذه الحداثة.
كان الهاجس منذ زمن الفتنة والمحنة ثم النّكسة: كيف يتم بناء إنسان جديد يحمل بعض خصوصيات نموذج إنسان المدينة؟ وكيف يمكن إبداع نماذج إنسانية تُحقق أمل النهضة…؟ وما سمات الإنسان المستقبلي؟ ونحن اليوم إذا لم نفكر في مشروع متكامل لبناء إنسان فإننا لن نتغير أبدا، فالسياسة لا تحل مشكلة التخلف كما يعتقد الكثير، وأغلب القادة والساسة الذين يراهنون على تغيير العالم الإسلامي من خلال العمل السياسي هم مخطئون بالضرورة، فالتغيير الحقيقي هو تغيير الإنسان الكتلة وتحويله إلى إنسان شاهد.
] إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد : 11

معضلة العقل العربي في علاقته المربكة الملتبسة مع الدين والسياسة التي جثمت فوقه عبر قرون طويلة، وابتعاد هذا العقل عن النقد والتحليل والتفكيك، ما زالت أهم المعوقات لقيام مشروع إصلاحي نهضوي تحديثي يمتلك إمكانات لدفع الأمة نحو التقدم والتطور.
وهل نستطيع التغلب على هذه العقلية ومنهجية تفكير العصور القروسطية ؟ أم أننا سنعيش عشرات السنوات نناقض فيها أنفسنا ولا نعترف بالحقيقة ولا نضع يدنا على الجرح النازف؟ كم أتمنى أن أرى عقولا تترسخ فيها فكرة العقلانية والاختلاف والتنوع وأن نرزق نعمة الحوار والنقاش والاعتراف بالآخر، والاستماع له ونتحلى بعقلية غير قروسطية تستمع لمخالفها لتتعلم منه، فقد يكون على صواب بالفعل ونحن على خطأ، وبالذات أن النتائج التي نعيشها في عالمنا العربي والإسلامي تدلل بشكل قاطع أن هناك خللا ما وعلينا أن نعترف به.

الحوار المتمدن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post رئيس الوزراء في لوكسمبورغ وتردد واضح بخصوص خروج روسيا من النظام  المصرفي
Next post الصراع الروسي-الأوكراني والفهم المتناقض للأمن القومي
%d مدونون معجبون بهذه: