الدين والسّياسة.. حواضِن السِّر والعْلَن

ياسر محجوب الحسين

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_منذ ما قبل الدولة المدنية الحديثة، لم يكن حكم دولة من الدول أو التحكم في فضاء إقليمي أو دولي، ليتم بالبندقية وحدها؛ إذ كان وما يزال أنه ليس من بُدٌّ من وجود حاضنة دينية أو سياسية تتوكأ عليها البندقية، فيسري مارد السلطة بين الناس مختالاً آمراً. وعندما فسدت وأفسدت الحواضن الدينية، لاسيما الكنيسة في عهود تاريخية بعيدة، استبدلت بحاضنة سياسية أسموها العلمانية. وكان للكنيسة قبل ذلك خاصة في العصور الوسطى، سلطة كبيرة على الناس وكانت الأكثر مالا ونفوذا وتهدد الملوك وتعين الوزراء وتوزع المناصب أو تطرد وتمنع من يعارضها من حضور الطقوس الدينية وحتى يصل الأمر إلى الاتهام بالهرطقة ثم الإعدام والموت حرقاً.


ولما بلغ سيل الكنيسة الزُبى قام الثورات ضدها، فجاءت فكرة فصل الكنيسة عن الدولة وهو ما عرف بـ”العلمانية” أو فصل الدين عن الدولة. فغدت العلمانية بعد ذلك عقيدة وحاضنة سياسية للحكومات والدول. فالدولة العلمانية، دولة ذات نظام حكم عَلماني، وهي رسمياً تضمن كونها محايدة تجاه القضايا المتعلقة بالدين.

لكن العلمانية التي قصد منها حياد السلطة تجاه المؤمنين وتحريم الرموز الدينية في إطار أجهزة السلطة وأدواتها، استخدمت بقصد وبشكل غير منصف تجاه المجتمع من خلال تضخيم مبدأ الحيادية، ما أدى إلى تحييد المجال العام وليس تحييداً للسلطة فحسب، بمعنى تطور الأمر إلى منع عامة الناس وليس السلطة من ممارسة طقوسهم الدينية ولعل ذلك قصد به أقليات دينية بعينها، ولذلك أطلقوا على ذلك ـ”العلمانية الرادعة” المناعة للتعابير الدينية.


لكن عودة أخرى للحواضن الدينية قد بدت؛ ولم يبدأها الرئيس الروسي فلادمير بوتين، فهو ليس رجلا متدينا أو أن اهتمامه بالكنيسة الأرثوذكسية نابع من ذلك، بل أن بوتين جاء متأخرا جداً. فعلى سبيل المثال تبدو صورة بريطانيا لدى الناس أنها دولة علمانية مدنية تفصل تماماً بين الدين والدولة، لكن ذات الوقت نجد أن الملكة هي رأس الكنيسة، وهي تتصرف بوصفها الحاكم الأعلى والقائد الأعلى للجيش. وتحمل الملكة في بريطانيا لقب “حامي الإيمان”، و”حامي العقيدة”.

ويوجد في مجلس اللوردات 26 أسقفاً أعضاء في المجلس تعتمدهم الملكة، ويمارسون دوراً أساسياً في عمليات التشريع وسنّ القوانين. حتى ممارسة السياسة على مستوى الحكومة البريطانية نجد أن للدين حظا وافرا في إسباغ الشرعية على قراراتها الكبيرة؛ ففي العام 2003 عندما كان توني بلير رئيساً للحكومة البريطانية، أيد الاجتياح الأمريكي للعراق، وشارك فيه على خلفية دينية. وقد منحته الملكة الأسبوع الماضي وسام الفروسية ولقب “سير”.

أما رئيس الحكومة الأسبق دافيد كاميرون، فوصف بريطانيا بأنها “دولة مسيحية” في مقال نشره في الصحيفة الإنجليكانية “تشرش تايمز” قال فيه: “يجب أن نكون على ثقة أكبر كدولة مسيحية، وبصراحة، أن نكون انجيليين أكثر”. بالطبع ليست بريطانيا وحدها التي عادت سرا للحاضنة الدينية، فقد أجرى مركز بحوث بيو الأمريكي دراسة تبيّن فيها أنّ 31 دولة مسيحية تحوي أعلامها عنصراً دينياً، منها النمسا والدانمارك وفنلندا واليونان والنرويج وإيسلندا وإسبانيا والسويد وصربيا وجمهورية الدومينيك.


وكذلك كان حال مع دونالد ترامب وجورج بوش الابن، فمع كونهما رجال سياسة بالدرجة الأولى فلم يترددا في استخدام أدوات مختلفة لتحقيق خططهما ومن هذه الأدوات الأيدولوجية الدينية لا سيما في أوقات الأزمات والشدة. وهذا ما فعله ترامب وبوش. فالناس كانوا مستغربين من علاقة ترامب المنفلت أخلاقيا حتى بمعايير القيم الغربية، وبين ما عرفوا بالإنجيليين البيض لأنهم لطالما ربطوا أنفسهم كحماة للقيم العائلية والأسرية، بيد أن ترامب كان أبعد ما يكون نموذجا لهذه القيم الأخلاقية أو الأسرية.

ومن يفكر بعمق لا يجد أن هذه العلاقة مجرد علاقة نفعية، فالإنجيليون يعتقدون في فهم قومي مسيحي لما يسمى بالعظمة الأمريكية، وقد أخذوا على عاتقهم استعادة هذه العظمة ورأوا في ترامب بحماقته رجلا لا يخشى استخدام القوة العسكرية أو الأدوات السياسية القاسية لتحقيق النظام والأمن. والإنجيليون كانوا خارجين من حقبة باراك أوباما، حيث شعروا بتهميش فكرة العظمة الأمريكية. وكم رأينا كيف صاغ ترامب خططه السياسية وصبغها بالدين والمسيحية. أما بوش فقد بدأ حملته الانتخابية بقوله إن السيد المسيح هو أفضل فيلسوف سياسي لديه لكونه أنقذه من طريق الضلال ودله على الصراط المستقيم.

ولاحقا برر بوش حربه على العراق بأنها تفويض إلهي. وعندما قال إن “منطقة الشرق الأوسط تمر بمرحلة تاريخية ومفصلية يتوجب على شعوبها الاختيار بين الديمقراطية والحرية وبين الاستبداد والتطرف” فكانت رسائل مشفرة وليس كما يفهمها الشخص العادي على أنها تنم عن حسن نية والتزام الرئيس بوش بالمبادئ الأمريكية في الدفاع عن الحرية وحقوق الإنسان.

أما المتدينون المسيحيون من أتباع الكنائس الإنجيلية، وعليه فإن فك الشفرة يبين لهم التزام بوش بتطبيق حكم الله في الأرض وتحقيق الرؤية التي نص عليها الإنجيل والعهد القديم ووردت في سفر الرؤية أي تخليص منطقة الشرق الأوسط من قوى الشر الذي هو شرط أساسي لعودة المسيح وتحضير المنطقة لخوض المعركة الأخيرة التي سينتصر فيها الخير على الشيطان وبالتالي إقامة دولة الله على الأرض.

المدهش أن المتمسكين المتشددين بالعقيدة العلمانية تجد أكثرهم في الدولة الإسلامية، ويجدر هنا ذكر ما حدث للرئيس التركي رجب طيب أردوغان في عام 1998 عندما كان عمدة لمدينة إسطنبول حيث اتهم بالتحريض على الكراهية الدينية، لأنه خالف علمانية الدولة التركية وتسبب ذلك في سجنه وعزله من منصب عمدة إسطنبول ومنعه من العمل في الوظائف الحكومية ومنها الترشيح للانتخابات العامة. وكل ذلك لأنه اقتبس أبياتاً من شعر تركي أثناء خطاب جماهيري يقول فيه:

مسـاجـدنـا ثكناتـنـا
قـبـابـنـا خـوذاتـنــا
مـآذنـنـا حـرابـنـــا
والمصلون جنودنا
هذا الجيش المقدس يحرس ديننا

عربي 21

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post قصص المدار التاريخية (( البئر النابع منذ 14 قرنًا))
Next post الحل الوحيد أمام الرئيس الأوكراني …….
%d مدونون معجبون بهذه: