أزمة أوكرانيا والاتحاد الأوروبي، سبل الدعم والمواجهة

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_تتصاعد المخاوف الأوروبية بشأن حرب محتملة على أوكرانيا، حيث تصعيد الأزمة على طول الحدود الروسية الأوكرانية لن يقتصر تأثيرها على القارة العجوز فقط، بل سيكون له آثار مضاعفة وكبيرة على المستوى الإقليمي والدولي. وكانت قد وقعت روسيا والولايات المتحدة الأمريكية ودول حلف الناتو عدة معاهدات واتفاقات أمنية منذ عام 1963.

من أبرز المعاهدات والاتفاقيات الموقعة

  • معاهدة منع التجارب النووية في 5 أغسطس 1963معاهدة مع أمريكا والمملكة المتحدة حول منع التجارب النووية تحت البحار و الغلاف الجوي والفضاء.
  • معاهدة الحدّ من انتشار الأسلحة النووية في 1 يوليو 1968: دخلت حيز التنفيذ في عام 1970 كان من المفترض أن تكون مدتها 25 عاماً ولكن في العام 1995 تم تمديدها لمدة غير محددة.
  • اتفاق “سالت 1” في 26 مايو 1972: اتفاق الحد من الأسلحة الاستراتيجية الأول.
  • اتفاق “سالت 2” في 18  يونيو 1979:  للحد من الأسلحة الاستراتيجية الثاني الذي حدد هذا الاتفاق عدد  الطائرات الحربية وقاذفات الصواريخ المسموح بها.
  • معاهدة حول إلغاء الصواريخ المتوسطة المدى في 8 ديسمبر 1987: دخلت حيّز التنفيذ في  مايو 1988.
  • معاهدة “ستارت 1” في 31  يوليو 1991: لخفض الأسلحة الاستراتيجية وعدد الرؤوس النووية الأمريكية من (9986) إلى (8556)  وحلّت هذه الاتفاقية محل “سالت1و2”. وانتهت مدّتها في  ديسمبر 2009.
  • معاهدة “ستارت 2” في 3  يناير 1993: نصت على تخفيض كل من روسيا وواشنطن لترسانتهما النووية بمعدل الثلثين، إلا أنها لم تُطبق أبداً.
  • معاهدة”سورت” في 24 مايو 2002: حلت محل معاهدة “ستارت 2”. وتعهدت كل من واشنطن وروسيا تخفيض عدد الرؤوس النووية بمقدار الثلثين للصواريخ الطويلة المدى قبل نهاية عام 2012.
  • ·         نيو ستارت” في 8 أبريل 2010: خلفت معاهدة “ستارت 1″ و”سورت”. وتضمنت  تحديد عدد الرؤوس النووية بـ(1550) وعلى القيام بعمليات تحقق متبادلة أكثر شفافية. ودخلت حيّز التنفيذ في فبراير 2011، لمدة (10) سنوات ويمكن تمديدها لخمس سنوات كحد أقصى.
  • في 2 أغسطس 2019: أوقفت واشنطن وموسكو التزاماتهما بموجب معاهدة حول إلغاء الصواريخ المتوسطة المدى.

غزو روسي محتمل لأوكرانيا

أفادت وزارة الدفاع البريطانية في 17 فبراير 2022، أن معلوماتها الاستخباراتية تفيد بأن الجيش الروسي لديه الإمكانية لغزو أوكرانيا دون سابق إنذار. وأضافت أن هناك (7) محاور روسية للدخول إلى أوكرانيا، (2) منها من بيلاروس التي لا تبعد كثيراً عن كييف. أما المنطقة الثالثة فهي من أقصى شمال أوكرانيا، على الحدود الغربية لروسيا. المحور الرابع هو من شمال شرق أوكرانيا، والدخول بالقرب من مدينة خاركيف الأوكرانية. أما المحوران الخامس والسادس فهما بالقرب من منطقة دونباس المتنازع عليها، شرقي أوكرانيا. والمحور السابع ينطلق من شبه جزيرة القرم جنوبي أوكرانيا.

الاتحاد الأوروبي، حزمة من المساعدات وإجراءات عقابية 

اتفق قادة الاتحاد الأوروبي في ديسمبر 2021 من حيث المبدأ على فرض إجراءات عقابية ضد روسيا إذا تم غزو أوكرانيا، لكنه كان هناك اختلافاً حيال ماهية هذه الإجراءات. خاصة وأن  بعض الدول الأوروبية لديها روابط اقتصادية مع روسيا، فعلى سبيل المثال ترتبط ألمانيا والنمسا والمجر بشكل وثيق بالاقتصاد الروسي أكثر من البرتغال أو هولندا. قرر قادة بلدان الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو والمفوضية الأوروبية في 11 فبراير 2021 مضاعفة جهودهم الدبلوماسية لتسوية الأزمة الأوكرانية. كما تعهد الاتحاد الأوروبي بدعم أوكرانيا في “المجالات الرئيسية” بما في ذلك مواجهة الهجمات الإلكترونية والتهديدات المختلطة، مثل حملات التضليل الإعلامية. وأعلنت “فون دير لاين” رئيس المفوضية الأوروبية عن حزمة مساعدات جديدة بقيمة  (1.3 مليار دولار) لأوكرانيا.

يرى “جاك روبنيك” رئيس قسم الأبحاث في معهد الدراسات السياسية بباريس في 15 يناير 2022 أن المعطيات الجارية تفرض على الاتحاد الأوروبي الخروج من عباءة “القوة الناعمة” التي تقتصر على الجوانب الاقتصادية والتجارية إلى أن يصبح “قوة صلبة” من الناحية الجيوسياسية. بيد أن هذا التحول يتطلب الوصول إلى إجماع أوروبي بالغ أهمية وتجاوز الخلافات بين بلدان الاتحاد. وأضاف “لا يزال هناك تبايناً في رؤى دول الاتحاد الأوروبي حيال التهديدات التي يواجهها التكتل فعلى سبيل المثال لا يساور إيطاليا نفس القلق الذي ينتاب بولندا حيال الوضع الأمني ​​شرقاً”.

الدعم الأوروبي لأوكرانيا 

أكد” جان إيف لو دريان”  وزير الخارجية الفرنسي في 14 فبراير 2022 إن كل شيء جاهز لقيام القوات الروسية بغزو سريع لأوكرانيا، مضيفاً أن أوروبا مستعدة لفرض عقوبات ضخمة إذا حدث ذلك. وأضاف “إذا كان السؤال هو هل هناك عناصر قائمة لشن القوات الروسية هجوماً ضخماً في أوكرانيا، فعندئذ نعم هذا صحيح. إنه ممكن وبسرعة”. بينما تستعد الحكومة الألمانية لدعم كييف اقتصادياً ومالياً، ورفضت الطلبات المتكررة من قبل أوكرانيا بالحصول على أسلحة دفاعية و اكتفت برلين بإرسال (5) آلاف خوذة واقية فقط بدلاً من (100) ألف كانت قد طلبتها كييف.

سحبت المملكة المتحدة كل قواتها من أوكرانيا، ويجري نشر حفنة فقط من العسكريين البريطانيين في الدولة الأوروبية الشرقية للقيام بمهمام تدريبية من أجل “عملية أوربيتال” التي أطلقت في 2015 على سبيل الرد على ضم روسيا لإقليم القرم الأوكراني. ومن الممكن اللجوء إلى (1000) جندي بريطاني موجودون حالياً في وضعية تأهب من أجل تعزيز وجود “الناتو” في أوروبا الشرقية، ومن المتوقع أن يلي ذلك  استخدام جنود آخرين للغرض نفسه. ويمكن حتى لرئيس الوزراء البريطاني أن يصدر أوامره بتنفيذ عمليات من هذا النوع لنشر الجنود من دون الحاجة إلى موافقة البرلمان.

وافقت الحكومة التشيكية في 26 يناير 2022 على تزويد أوكرانيا بأكثر من (4000) قذيفة مدفعية من عيار (152) ملم، و تقدر قيمة الأسلحة (1.7) مليون دولار أمريكي. أكدت بولندا في 9 فبراير 2022 تزويد  أوكرانيا بمنظومات دفاع جوي محمولة وطائرات مسيرة وغيرها من الأسلحة الدفاعية مثل صواريخ ” Grom” وأنواع مختلفة من الطائرات بدون طيار التي تستخدم للأغراض الدفاعية.

أرسلت إسبانيا فرقاطة إلى البحر الأسود، أو الدنمارك، التي نقلت طائرات مقاتلة إلى ليتوانيا وحرّكت فرقاطة إلى شرق بحر البلطيق، وأكدت الدنمارك أنها لن ترسل في الوقت الراهن جنودا إلى أوكرانيا”. ونقلت السويد مئات القوات إلى جزيرة جوتلاند ذات الأهمية الاستراتيجية – والتي تقع في بحر البلطيق.

**

أزمة أوكرانيا مابعد أعتراف روسيا بإقليمي “دونيتسك ولوغانسك” هل من حرب محتملة ؟

أثارت قضية توسع حلف شمال الأطلسي “الناتو” شرقاً قلق روسيا التي طالبت الحلف بسحب قواته من أوروبا الشرقية، بل والتعهد بعدم انضمام أوكرانيا وجورجيا إلى التحالف كشرط مسبق قبل انسحاب القوات الروسية من الحدود الأوكرانية. في المقابل، أكد الحلف على أن قرارات الانضمام إلى التحالفات والتكتلات الدولية هي محض قرارات سياسية وسيادية خاصة بكل دولة، مشدداً في الوقت نفسه على عدم تغيير سياسة “الباب المفتوح” الخاصة بانضمام أعضاء جدد إليه.

ورغم ذلك، ما يدور خلف الأبواب المغلقة قد يختلف عن المواقف المعلنة في الحقيقة، هناك القليل من الحماس داخل حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي بشأن انضمام أوكرانيا إلى الناتو، إذ يرى البعض أن الالتزام تجاه أوكرانيا هو التزام أمني.

حذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أن موسكو سترد فوراً على أي محاولة من الخارج للحيلولة دون العملية العسكرية التي شنتها فجر يوم  24 فبراير 2022 ضد أهداف في أوكرانيا.وقال بوتين في رسالة توجه بها إلى الشعب الروسي بمناسبة إطلاق العملية العسكرية الخاصة: “أوجه الآن بعض الكلمات المهمة جدا إلى الذين قد تسول لهم نفسهم التدخل في الأحداث الجارية: أيا كان من سيحاول الحيلولة دون إجراءاتنا ناهيك عن تشكيل خطر على دولتنا وشعبنا، يجب عليه أن يعلم أن رد روسيا سيكون فوريا وسوف يؤدي إلى نتائج لم تواجهوها أبداً في تاريخكم”.وتابع: “نحن مستعدون لأي تطورات وقد تم اتخاذ كافة القرارات المطلوبة في هذا الخصوص، وآمل أن يُسمع كلامي”.

أعلنت وزارة الدفاع الروسية يوم 24 فبراير 2022 في أعقاب العملية العسكرية، أن الأسلحة عالية الدقة تقوم بتعطيل البنية التحتية العسكرية، ومنشآت الدفاع الجوي والمطارات العسكرية وطيران الجيش الأوكراني.وأكدت وزارة الدفاع الروسية أن القوات المسلحة الروسية لا تنفذ أي ضربات صاروخية أو جوية أو مدفعية على مدن أوكرانيا، وأن “البنية التحتية العسكرية ومنشآت الدفاع الجوي والمطارات العسكرية وطيران القوات المسلحة الأوكرانية يجري تعطيلها بأسلحة عالية الدقة”، مشددة إلى عدم وجود ما يهدد السكان المدنيين.

مساعي أوكرانيا للانضمام للحلف

أكد الرئيس الأوكراني الحالي فولوديمير زيلينسكي أن الانضمام إلى حلف الناتو أمر بالغ الأهمية لأمن أوكرانيا، والتزم بإتباع مسار استراتيجي نحو العضوية. تضمنت هذه الدورة الإستراتيجية الانضمام إلى مجموعة شركاء “الفرص المعززة” التابعة لحلف الناتو في يونيو 2020، وفتح الباب أمام “المشاورات السياسية المنتظمة بشأن المسائل الأمنية” ، و”برامج التشغيل البيني المعزز”، و”الارتباط الوثيق” في أوقات الأزمات.

 البرلمان الأوكراني مدد في 14 ديسمبر 2021 وجود قوات الناتو على الأراضي الأوكرانية. التمديد الأخير أضاف تعديلات لقانون انتشار القوات الأجنبية يسمح بانتشار (4000) جندي من قوات حلف شمال الأطلسي، من بينهم (2000) جندي أمريكي. وسيتم زيادة عدد طائرات الناتو المقاتلة من (10 – 40) مقاتلة. وكذلك سوف تزيد عدد سفن الناتو في المياه الإقليمية الأوكرانية إلى (20) سفينة.على أن تُجرى (9) مناورات عسكرية باشتراك عدد من دول الحلف على أراضي أوكرانيا عام 2022. وبالطبع سوف تستمر الإمدادات اللوجيستية التي يقدمها الناتو للقوات الأوكرانية، والمتمثلة في التدريب لمواجهة الانفصاليين الذي يسيطرون على مساحات واسعة من شرق البلاد. 

الحسابات والمطالب الروسية

تتخوف روسيا من انضمام أوكرانيا التي ترتبط معها بحدود مباشرة إلى حلف الناتو، وهو ما تراه موسكو تنصلاً غربياً وتحديداً من الولايات المتحدة وحلف الناتو عن تعهداتهم الشفهية لها خلال القرن الماضي بعدم التمدد شرقاً، ما يشكل تهديداً للجانب الروسي، وذلك بإمكانية نشر أسلحة هجومية لدول حلف شمال الأطلسي في أوكرانيا تهدد موسكو. وهذه هي الرواية الرسمية التي تروجها موسكو للتخوف من انضمام كييف للاتحاد الأوروبي. فيما التخوف الأكبر من أن تستفيد أوكرانيا من بند مهم في اتفاقية حلف الناتو؛ وهو بند الدفاع المشترك الذي يفرض على الحلف التدخل في حال الاعتداء على أي عضو فيه. حسبما جاء في الفقرة الخامسة من ميثاق تأسيس الحلف والمتعلقة بالدفاع الجماعي.

تُعتبر أوكرانيا “حديقة خلفية” بالنسبة لموسكو، ترفض التخلي عنها، كما ترفض تَحولها إلى وصاية الغرب، كما تشكل أوكرانيا لروسيا البناء الأساسي لمجالها الجيوستراتيجي الأوروبي. وبالتالي، إن غياب كييف عن الطوق الروسي يشكل فجوة كبرى في جدار الأمن الاستراتيجي الروسي – الأوراسي .

ويرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنّ أوكرانيا هي امتداد طبيعي لروسيا، حتى وإن كانت غير خاضعة للسيادة الروسية، ويصرّ على أن تبقى تحت نفوذها، إذ يعتبر أنه من الضروري وجود منطقة عازلة بين روسيا والغرب. وخلال مؤتمره الصحافي السنوي في 23 ديسمبر 2021، انتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتن بشدة توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، متسائلاً بوضوح شديد: “كيف قد تكون ردة فعل الولايات المتحدة لو وجهنا صواريخ بالقرب من حدودها مع كندا أو المكسيك؟”.

رفض الاتحاد الأوروبي والجانب الأمريكي تقديم تعهد مكتوب للجانب الروسي وبوتين بعدم التوسع شرقاً والتراجع عن فكرة ضم أوكرانيا أو جورجيا إلى حلف شمال الأطلسي “الناتو”، إذ شدد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي “الناتو”، ينس ستولتنبرغ  في 17 يناير 2022 على أن “الناتو” لن يقدم تنازلات إلى روسيا مبدياً قناعته بأنه ليس لدى موسكو أي حق في اتخاذ قرارات بشأن انضمام دول ذات سيادة مثل أوكرانيا إلى الحلف.

 وبالتالي تحركت روسيا وحشدت ما يقرب من 130 ألف مقاتل على الحدود الشرقية لأوكرانيا، والانتشار بشكل كبير في قواعد عسكرية لها في بيلاروسيا من شمال أوكرانيا، فضلاً عن دفعها بحدات من المدفعية والدبابات من الجنوب وتحديداً في القرم وهي بذلك تمكنت من تطويق أوكرانيا من ثلاث جهات.

سياسة الباب المفتوح” مشروطة

تشير المادة العاشرة من معاهدة حلف الناتو إلى السماح لأي دولة أوروبية بالمساهمة في تعزيز “أمن منطقة شمال الأطلسي” بما يمهد الطريق أمام انضمامها فيما يُطلق عليه “سياسية الباب المفتوح”. ويشدد الموقع الإلكتروني لحلف الناتو على ذلك بقوله: “يُتوقع أن تحقق الدول الطامحة للانضمام إلى الحلف، حزمة من الأهداف السياسية والاقتصادية والعسكرية لضمان مساهمتها في تعزيز أمن الحلف وأيضا الاستفادة من مردود ذلك”. وهذه المعايير هي كالتالي:

  • نظام ديمقراطي عامل يستند إلى ركائز اقتصاد السوق.
  • المعاملة المنصفة والعادلة للأقليات الموجودة فيها.
  • الالتزام بتسوية النزاعات سلمياً.
  • القدرة والإرادة على المساهمة عسكرياً في عمليات الناتو.
  • الالتزام بالعلاقات العسكرية المدنية والمؤسسات الديمقراطية.
  • وقرار قبول عضو جديد يتعين أن يكون بالإجماع.

وبالنظر لهذه الشروط، يجب على اوكرانيا إظهار التزامها بالديمقراطية والحرية الفردية ودعم حكم القانون. وبينما يقول القادة الأوكرانيون إنهم قد استوفوا هذا الحد، يجادل بعض المسؤولين الأمريكيين والأوروبيين بخلاف ذلك. في تحليل عام 2020 منظمة الشفافية الدولية، أوكرانيا في المرتبة (117) من بين (180) دولة على مؤشر الفساد الخاص بها. وقال بهذا الصدد بايدن، في ختام قمة الناتو ببروكسل في 14 يونيو 2021: “ان على أوكرانيا أن تقنع الناتو بأنها تستحق العضوية في الحلف والقيام بكل الخطوات الضرورية لذلك خاصة التخلص من الفساد. 

نص شروط الانضمام الخاصة بحلف الناتو من بين عدة أمور أخرى، على ضرورة عدم وجود نزاعات داخلية أو خارجية للدولة المرشحة لنيل العضوية، وهو ما دفع موسكو عام 2014، بدعم الانفصاليين في إقليم دونباس بشرق أوكرانيا، واستعادة -حسب الروس- أو احتلال -حسب الأوكرانيين والغرب- شبه جزيرة القرم، وحالياً يدعم الكرملين الإنفصالين في إقليمي دونيتسك ولوغانسك وعليه أصبح طلب أوكرانيا نيل عضوية الحلف غير قابل للتحقق.

يؤكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي “الناتو” ينس ستولتنبرج أنه لا جدال فيه أنه لن يكون هناك إجماع بين الأعضاء الثلاثين، على الرغم من أن جميع الحلفاء يتفقون على أن أوكرانيا لها الحق في أن تطمح لأن تصبح عضواً في الناتو، بقوله في تصريحات إعلامية في 15 نوفمبر2021: “لكي تكون عضواً في الناتو، يجب أن تكون لديك معايير الناتو، ويتعين أن يوافق (30) عضو من الحلفاء وليس لدينا اتفاق جماعي الآن بشأن دعوة أوكرانيا لتصبح عضوا كامل العضوية”. كما كشف في 17 يناير 2022 أن “المفهوم الاستراتيجي الجديد” الذي من المقرر أن يتبناه “الناتو” في قمته المقبلة في مدريد عام 2022 يخص “الشراكة “مع أوكرانيا، من دون التطرق إلى إمكانية انضمامها له.

اختلاف داخل أعضاء الناتو

 هناك اختلافاً داخل أعضاء الناتو حول قبول عضوية أوكرانيا، وخطورة تعديل ميثاق الحلف، وما قد يشكله حال حدوث مواجهة مباشرة مع روسيا، حيث طرحت صحيفة “يوتارنجي ليست” الكرواتية سؤال: “ماذا لو طلبت أوكرانيا تحرير القرم أو دخلت في حرب مع روسيا لأجل استعادة السيطرة على الأقاليم المتمردة المدعومة من موسكو: هل الناتو مستعد للدخول في حرب مع روسيا لأجل أوكرانيا؟“؛ أجاب الرئيس الكرواتي زوران ميلانوفيتش على هذا السؤال في 25 يناير 2022  بالقول: إن “بلاده ستسحب قواتها من حلف الناتو في أوروبا الشرقية إذا كان هناك تصعيد في التوترات مع روسيا بشأن أوكرانيا”.

وسارع رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان إلى زيارة موسكو في الأول من فبراير 2022، وسط العاصفة مع الغرب للتأكيد على موقف بودابست المتفهم لمخاوف روسيا! وتأكيد وزير الخارجية بيتر سيارتو في 10 فبراير 2022 بأن “المجر لن تقبل المزيد من قوات الناتو على أراضيها”، وما تبعه من تصريح في الثالث عشر من الشهر نفسه لأوربان، بالقول: إن “سياسة حلف الناتو فاشلة وأوروبا ستعاني من فرض أي عقوبات على روسيا”.

قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ  يوم 24 فبراير 2022 ردا على الغزو الروسي لأوكرانيا إن الحلف سينشر قدرات وقوات على أراضيه، وإنه وضع أكثر من (100) طائرة حربية في حالة تأهب قصوى .وأوضح ستولتنبرغ في مؤتمر صحفي بعد أن ترأس اجتماعا طارئا لسفراء الحلف أن “لا خطط بشأن إرسال قوات من التحالف إلى أوكرانيا”، قائلا “يجب أن نرد بعزم متجدد ووحدة أقوى.. ما نفعله هو إجراء دفاعي”.

 المادة (4) من اتفاق الناتو تشاورت الأطراف معًا، بطلب أي من الدول الأعضاء، حول سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي أو أمن أي من الدول الحلفاء. وكانت كل من بولندا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا، أعلنت  يوم 24 فبراير 2022 . إن تفعيل المادة رقم (4) من اتفاق حلف شمال الأطلسي “الناتو”، والتي تجتمع هذه الدول تحت مظلته.واتفق أعضاء الحلف على تعزيز قوات الحلف البرية والبحرية والجوية على جانبه الشرقي بالقرب من أوكرانيا وروسيا.

اختلاف كبير بالداخل الأوكراني

بالإضافة إلى أن مسألة الانضمام للحلف؛ يوجد حولها اختلاف كبير بالداخل الأوكراني نفسه، حيث أظهر استطلاع للرأي أجرته مجموعة علم الاجتماع (RATING) الأوكرانية المستقلة في يوليو 2021، أن: “(55%) من الشعب الأوكراني يعتقدون أنهم والروس شعب واحد”، وأُظهِر في الاستطلاع الانقسام على أساس مناطقي وعرقي وثقافي في البلاد، حيث رأى (60%) من سكان شرق أوكرانيا الذين تشكل مناطقهم الحزام الحدودي مع روسيا أنهم والروس شعب واحد ولا وجود لروابط بينهم وبين الغرب، وأكدوا على تبعيتهم للكنيسة الأوكرانية الأرثوذكسية التابعة لبطريركية موسكو. بينما أيد أطروحة الشعب الواحد “فقط (22%) من سكان غرب أوكرانيا، وفي الوسط (36%)”. يظهر هذا الاستطلاع أن دخول أوكرانيا للناتو يهدد بتفجير عدة صراعات داخلية يصعب السيطرة عليها، وهو ما يهدد كيان ووحدة الأراضي الأوكرانية التي تعاني بالفعل من عدة نزعات انفصالية من الشرق إلى أقصى الغرب.

 يقول رافائيل لوس من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية  إن أوكرانيا لا تفي حقاً بمعايير الانضمام إلى عضوية الناتو، ويضيف قائلاً: ” بالنظر إلى الجانب السياسي، يحتاج الأعضاء إلى تنفيذ إصلاحات في إطار خطة العضوية وعلى الجانب العسكري، من المفترض أن تهدف الإصلاحات إلى تعزيز أمن الحلف وليس تقويضه”. وذلك على الرغم من تلبية أوكرانيا مجموعة ثانية من المعايير: المساهمة في الدفاع الجماعي لدول الناتو. لكن أوكرانيا أرسلت جنوداً إلى الحربين بقيادة الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان. كما طورت من منظومتها الدفاعية، فمنذ عام 2013، قفز الإنفاق العسكري لأوكرانيا من (1.6%) كحصة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد إلى ما يزيد قليلاً عن (4%) 2021، وفقاً لبيانات من معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، مما يعني أن البلاد تجاوزت هدف (2%) الذي يمثل تركيزاً رئيسياً للهدف الذي حدده الناتو. إلا أن الشكوك لا تزال حول إن كانت تساهم هذه الخطوة بالفعل في الاستقرار في أوروبا، أم أنها ستساهم في زعزعة الاستقرار؟

بوتين من “رد الفعل” إلى “الفعل

حسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمره، وقرر الاعتراف بإقليمي دونيتسك ولوغانسك “الانفصاليين” شرقي أوكرانيا، باعتبارهما دولتين مستقلتين وارسل قواته هناك. وجاء ذلك في خطاب ألقاه بوتين بعد اجتماع لمجلس الأمن القومي الروسي في 21 فبراير 2021. كما أصدر بوتين مرسومين أمر بموجبهما وزارة الدفاع بأن “تتولّى القوات المسلحة الروسية مهام حفظ السلام على أراضي الجمهوريتين الشعبيتين” لوغانسك ودونيتسك.

وبهذا تدخل الأزمة الأوكرانية وما يترتب عليها من المواجهة الروسية الغربية غير المباشرة، منعطفاً جديداً يشكل إخفاقاً نهائياً في تحقيق اتفاقات مينسك للتسوية، التي تعدّ روسيا، إلى جانب فرنسا وألمانيا، دولاً ضامنة للاتفاقات، وليس أطرافاً بها، ويخلق واقعاً مغايراً مستوحى من تجربة اعتراف موسكو باستقلال إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية عن جورجيا عام 2008. وفي حالة تواصل التصعيد العسكري وفقاً للسيناريو الجورجي وتوغل القوات الروسية في الداخل الأوكراني، فهذا قد يؤدي إلى تغيير توازن القوى في البلاد كلها، وهو أمر لم يحدث في الحالة الجورجية.

 القرار ممكن أن يعرض موسكو لخطر تشديد العقوبات الغربية وتفاقم متاعبها الاقتصادية. إذ أدان “الناتو” والمستشار الألماني أولاف شولتس والرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والأمريكي جو بايدن قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الاعتراف باستقلال المنطقتين الانفصاليتين في شرق أوكرانيا واعتبروه “انتهاكاً واضحاً.

ويبدو أن كييف تتحسّب فعلاً لهذا السيناريو أكثر من غيره، وهذا قد يفسر ما تضمنته تقارير إعلامية سابقة عن أن نصف جيش أوكرانيا النظامي نحو (120) ألف جندي منتشر حول مناطق سيطرة الانفصاليين في إقليم دونباس، وفي مناطق مجاورة.

أزمة الطاقة

تعتمد ألمانيا وأوروبا إلى حد كبير على واردات الطاقة من روسيا. وهذا ينطبق بشكل خاص على الغاز الطبيعي والنفط والفحم الحجري. وفي ضوء تدهور العلاقات مع روسيا، تتعالى التحذيرات بأنه ربما تستخدم الحكومة الروسية إمكانية وقف الإمدادات كسلاح سياسي على نطاق واسع.الأمر الخطير هو أن اعتماد ألمانيا على واردات الطاقة الروسية قد ازداد بشكل كبير خلال السنوات العشر الماضية. فمنذ عام 2012 ارتفعت حصة إمدادات الغاز الطبيعي الروسي وحدها من (40 – 55%)، بزيادة تربو عن الثلث. بل حتى في حالة واردات النفط، ارتفعت في نفس الفترة حصة الواردات من روسيا (10%) فبعدما كانت (38%)  أصبحت (48%). إن أزمة أوكرانيا، تعتبر ضربة الى اقتصاد ألمانيا وبعض دول أوروبا في مجال الطاقة.

**

أزمة أوكرانيا ـ “غزو” القوات الروسية إلى شرق أوكرانيا ـ هل من مواجهة محتملة مع الناتو؟

أعلنت روسيا في الساعات الأولي من صباح يوم 24 فبراير 2022 عن شن هجوما عسكرياً على الأراضي الأوكرانية بهدف حماية مصالحها، في إقليم دونباس شرق أوكرانيا، والذي اعترفت روسيا باستقلاله قبلها بيومين وأبرمت مع قادته اتفاقية صدقة، بالتزامن مع بدء التحرك البرى العسكري في مدن أوكرانية.

وكانت القوات الروسية قد حشدت في الأيام الأخيرة السابقة للهجوم ما يصل إلى (200) ألف جندي روسي على مقربة من حدود أوكرانيا الذي تتبعه الغرب بقلق بشأن تحركات القوات الروسية والمناورات الحربية التي تجريها في بيلاروس، ورصد أي مؤشرات قد توحي بقرب قيام موسكو بغزو  أوكرانيا، وهو ما طرح احتمالية انفجار الوضع وتحوله إلى حرب كبرى، ويشير التصعيد الحالي بين روسيا وأوكرانيا من جهة، وحلف الناتو من جهة أخرى، إلى أن الأمور مقبلة نحو مزيد من التوترات، وسط حملة دعائية تقودها واشنطن ضد موسكو، تروج لحشود عسكرية روسية على الحدود مع أوكرانيا، وبدعم أميركي لأوكرانيا على تصعيد الموقف إلى أقصى مدى.

 سبق ونشرت روسيا قواتها خلال الاسابيع السابقة على حدود أوكرانيا في ييلنيا حيث  تتمركز في هذه المنطقة وحدات مختلفة من الجيش الميداني الروسي المختلفة. وفى معسكر بوغونوفو للتدريب ظلت في هذا المعسكر قوات ضخمة، محطة سكة الحديد في ماسلوفكا أظهرت لقطات نشرت في ديسمبر 2021 على شبكات التواصل، دبابات ومدافع،.يعتقد أنها جزء من نظام صاروخي على سكك حديدية بالقرب من المنطقة، منطقة معسكر التدريب شرق كورسك جرى نشر وحدات الجيش الروسي السادس في هذه المنطق.

وفي منطقة فولغوغراد نشر في هذه المنطقة لواء مشاه من القوات المحمولة جوا، حيث أظهرت لقطات مركبات تقل عناصر اللواء في 28 نوفمبر 2021  باتجاه غرب روسيا. في مسافة تبعد (700) كيلومتر عن ثكناته، مواقع عسكرية في شبه جزيرة القرم  نشرت عدة وحدات عسكرية منذ بداية التعزيزات في هذه المنطقة منذ أكتوبر2021، بينها كتائب دبابات وأنظمة صواريخ، كما جرى إنشاء معسكري ضخم في المنطقة، ونقلت روسيا مئات الدبابات وقطع المدفعية وحتى الصواريخ البالستية القصيرة المدى من مناطق بعيدة مثل سيبيريا إلى حدود أوكرانيا.

وتحركت القوات الروسية في 24 فبراير إلى غزو أوكرانيا ، وأسفرت عمليات اليوم الأول من “الغزو” عن  تدمير (74) منشأة عسكرية في أوكرانيا، وإخراج (74) منشأة عسكرية برية أوكرانية من الخدمة، من بين المنشآت المستهدفة (11) مهبط طائرات، كما دمرت أيضاً (3) مراكز قيادة عمليات عسكرية أوكرانية.

اجراءات الناتو في ظل الأزمة الأوكرانية

لا يستطيع الناتو التدخل عسكرياً في أزمة أوكرانيا التزاماً بالقوانين الدولية والتزاما بالمبادئ العامة للحلف والمادة (5) من معاهدة الناتو والذي تنص على تدخل الدول الناتو عسكرياً في حالة ما اذا حدث هجوم علي احدي الدول الأعضاء، ولا تعتبر أوكرانيا عضوا بالناتو وكل ما يقوم به ما هو الا إجراءات دفاعية عن دول أوروبا الشرقية ولم يتم الإعلان عن أي خطط لإرسال قوات إلى أوكرانيا سواء قبل الهجوم الروسي او بعد ذلك، فقط قدم الحلف لأوكرانيا بعض النصائح على المستوى الاستراتيجي.

 وسبق وأن قام الحلق بإرسال  المزيد من السفن والطائرات المقاتلة إلى دول أوروبا الشرقية، وذلك مع حشد روسيا لعشرات الآلاف من قواتها بالقرب من الحدود الأوكرانية ووسط مخاوف متزايدة من إمكان حصول غزو روسي وشيك لأوكرانيا

وهناك أربع مجموعات قتالية متعددة الجنسيات بحجم كتيبة في إستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا، وبولندا، وهذه المجموعات القتالية بقيادة المملكة المتحدة وكندا وألمانيا والولايات المتحدة، هذه المجموعات القتالية بقيادة المملكة المتحدة وكندا وألمانيا والولايات المتحدة، وقال الناتو في 7 يناير عام 2022 إنها قوات قوية ومستعدة للقتال، وأضاف الأمين العام للحلف ينس ستولتنبرغ، إن الحلف مستعد لتعزيز هذه القوات بسرعة من خلال إرسال قوات وقدرات إضافية..
وكانت الإدارة الأميركية وضعت ما يصل إلى (8500) جندي أميركي في حالة تأهب قصوى لاحتمال انتشارهم في أوروبا الشرقية، وبدأت دول في “الناتو” بإرسال أسلحة وذخيرة إلى أوكرانيا، حيث  أرسلت الولايات المتحدة شحنتين من الأسلحة إلى أوكرانيا، بما في ذلك (300) صاروخ مضاد للدبابات، و (800) قنبلة خارقة للتحصينات، ومئات الآلاف من طلقات الذخيرة، وزودت المملكة المتحدة أوكرانيا بأسلحة خفيفة جديدة مضادة للدبابات، ووافقت الحكومة التشيكية الأمريكية على التبرع بأكثر من (4000) قذيفة مدفعية  إلى أوكرانيا.

وبعد الهجوم الروسي على أوكرانيا في 24 فبراير 2022 أكد الأمين العام لحلف الناتو رداً الغزو الروسي لأوكرانيا أن الحلف سينشر قدرات وقوات على أراضية، وأنه وضع أكثر من (100) طائرة حربية في حالة تأهيب قصوي، موضحا انه ليس هناك خطط بشأن ارسال قوات من التحالف إلى الناتو.

موقف دول أوروبا تجاه الهجوم الروسي على أوكرانيا

أثار الهجوم الروسي على شرق أوكرانيا  يوم 23 فبراير 2022 غضب بعض الدول الأوروبية الذي يقف بجانب أوكرانيا في ظل الأزمة ، حيث حذر الرئيس الأمريكي جو بايدن من خسائر فادحة في الأرواح،  وقال إن حلفاء الولايات المتحدة سيفرضون عقوبات صارمة على موسكو وأضاف أن الولايات المتحدة ستلتقي بالحلفاء لفرض عقوبات اقتصادية. وقال البنتاغون أنه الهجوم الروسي علي أوكرانيا يستهدف بالأساس البنية التحتية العسكرية ، وانه من المتوقع فرض عقوبات قاسية علي روسيا.

وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن هذه “نقطة تحول في تاريخ أوروبا واضاف ان العقوبات على روسيا ستكون عقوبات عسكرية واقتصادية وانه سيتم الرد علي روسيا بوحدة وقوة وصرامة تجاه الهجوم على روسيا. ودعا الرئيس الفرنسي ماكرون إلى عقد قمة سريعة للناتو، وأعرب عن تضامن فرنسا مع أوكرانيا. وهو رأي ردده كثيرون ومنهم رئيس الوزراء الإيطالي، ماريو دراغي، الذي وصف هجوم روسيا بأنه “غير مبرر”. ولكن كان هناك قلق كبير بشأن ما يمكن أن يحدث بعد ذلك. وسبق وأجرى الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والروسي فلاديمير بوتين في 20 فبراير 2022 مكالمة هاتفية في محاولة لتجنب حرب كبرى في أوروبا. 

أما رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، قال “إن بوتين اختار طريق إراقة الدماء والدمار بهجوم غير مبرر”، فيما قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، إن بوتين مسؤول عن إعادة الحرب إلى أوروبا.. ومن شأن العقوبات أن تضعف القاعدة الاقتصادية لروسيا وقدرتها على التحديث”.

وقال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إنه يقف إلى جانب حلفائه في أوروبا الشرقية، قائلاً إن بوتين سيدفع “ثمناً مريراً” بسبب “خطأه الخطير”. كما قالت وزيرة الداخلية، نانسي فيسر، إن ألمانيا ستساعد الجيران إذا كان هناك “تدفق واسع النطاق” للاجئين. وتحدث وزير ألماني عن “حرب على الأراضي في أوروبا اعتقدنا أنها موجودة فقط في كتب التاريخ”.

 وقالت بيلاروسيا، حليفة روسيا، إنها لن تشارك في العمل العسكري لكنها ستنظر في الأمر إذا طُلب منها ذلك. واستضافت بيلاروسيا القوات الروسية خلال الأزمة، وعبرت القوات الروسية من البلاد إلى أوكرانيا كجزء من الهجوم.

وطلبت أوكرانيا من تركيا، العضو في الناتو، إغلاق مضيقي البوسفور والدردنيل أمام السفن الروسية. وقالت تركيا إنها ستنظر في الطلب ودعمت وحدة أراضي أوكرانيا. وكان قد صرح الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلنسكي في 21 يناير 2022 عن استعداد بلاده كلياً لأي تصعيد عسكري محتملٍ مع روسيا، وأن على الأوكرانيين الاعتماد على أنفسهم والثقة بقوة جيشهم،. وكانت أوكرانيا قد استعدت من أيام قليلة  دول الحلف لوضع قوات احتياطية في حالة تأهّب وأنها أرسلت سفناً ومقاتلات لتعزيز دفاعاتها في أوروبا الشرقية ضدّ الأنشطة العسكرية الروسية على حدود أوكرانيا، وعززت الولايات المتحدة وبريطانيا وبقية دول الناتو شراكاتها مع أوكرانيا، وزودت الولايات المتحدة الجيش الأوكراني بأسلحة أمريكية. وأكدت بريطانيا على أنها سترسل أسلحة دفاعية إلى أوكرانيا ضمن برنامج يهدف إلى مساعدتها على ضمان أمن حدودها.

تداعيات الأزمة الأوكرانية على أوروبا 

يثير الغزو القائم في أوكرانيا من قبل القوات الروسية قلق العالم أجمع وقلق دول أوروبا حيث أننا ما زلنا أمام المراحل الأولي من الغزو، ولا أحد يعلم إلى أين سينتهي أو متي،  ولكنه من المتوقع أن يتنهي إلى عواقب وخيمة مدمرة ليس فقط بالنسبة إلى أوكرانيا وروسيا فحسب، بل يكون له تأثيرات لا يمكن حتى التنبؤ بها. وهذا ما حذر منه رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة الجنرال مايك في 29 يناير 2022 من أن الغزو الروسي المحتمل لأوكرانيا ه سيكون مروعاً وسيؤدي إلى عدد كبير من الضحايا.

إضافة إلى أن الأزمة الأوكرانية بدأت تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي الذي لم يكد يلتقط أنفاسه بسبب جائحة كورونا، حيث ارتفعت أسعار النفط في يوم الغزو لأعلى مستوياتها منذ ثمان سنوات، بسبب التخوفات من  إقدام الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا على فرض عقوبات على روسيا  ما سيؤدى إلى تعطيل صادرات الطاقة، فضلاً عن حدوث اهتزاز أسواق المال العالمية.

**

التقييم 

تتصاعد المخاوف الأوروبية بشأن الغزو الروسي لأوكرانيا وتتعلق المخاوف بأن تسعى موسكو لتقسيم أوروبا وزعزعة استقرارها، وأن تتجه أوروبا نحو أسوأ أزمة أمنية منذ عقود. وتزايد القلق الأوروبي بشأن إمدادات الغاز من روسيا إلى التكتل لاسيما إذا لجأت روسيا لخفض إمدادت الطاقة كردّ محتمل في حال تعرضها لعقوبات مالية واقتصادية تستهدف “أفراداً أو شركات” روسية، حيث تورد روسيا أوروبا نحو (40%) من إمدادات الغاز الطبيعي.

تنص معاهدات الاتحاد الأوروبي على أنه لا يمكن للتكتل التدخل عسكرياً سوى دفاعاً عن دولة عضو أخرى تعرضت للعدوان . كما نجد أنه لا يوجد حتى الأن موقف أوروبي موحد تجاه روسيا فهناك تباين في ردود أفعال الدول الأوروبية. فهناك دول تسعى لتوفير حزمة من المساعدات العسكرية وأخرى تسعى لتقديم مساعدات مالية واقتصادية.

إن موافقة إى دولة أوروبية في القتال سيتطلب على الأرجح إجراء تصويت في برلمان كل دولة. لذلك يبقى الخيار السياسي والحل الدبلوماسي هو الحل الأمثل لنزع فتيل التوتر بين الغرب وموسكو، وذلك من خلال سحب الجنود الروس من على الحدود الأوكرانية والأسلحة الثقيلة تحت إشراف منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، والعودة إلى إحياء “صيغة نورماندي” الرباعية.

**

تطمح أوكرانيا للانضمام إلى حلف الناتو، لكن الحقيقة تبقى أن أوكرانيا ليست عضواً في الناتو. ان حلف شمال الأطلسي لم يستطع أن يضم أوكرانيا لصفوفه خلال هذه العقود، ولا أن يوفر لها حماية من فقدان شبه جزيرة القرم بعد السيطرة الروسية عليها عام 2014 ، ولا من الدخول في حرب شرقي البلاد. وأغلب الظن أن الحلف ظل متردداً من اتخاذ هذه الخطوة حتى لا يثير غضب موسكو وفضل سياسة النفس الطويل.

في الواقع، إن معظم تقييمات الخبراء حول آفاق انضمام أوكرانيا إلى المنظمة – حتى على المدى المتوسط ​​- متشائمة،  ويرجع ذلك جزئياً إلى الفساد الرسمي لأوكرانيا، وأوجه القصور في مؤسستها الدفاعية، وافتقارها إلى السيطرة على حدودها الدولية، ومن غير المرجح أن تعود إلى جدول الأعمال حتى تكون هناك تغييرات في البيئة الاستراتيجية. لذلك لفترة طويلة.

كشفت الأزمة الحالية عن هشاشة البنية السياسية والدفاعية للاتحاد الأوروبي، فليس للاتحاد دور فاعل في الأزمة الحالية رغم أنها تتم في فضائه الاستراتيجي وتهدده بشكل مباشر. ومما يزيد الأمر سوءً أن الأزمة كشفت عن الانقسام التقليدي لدى دول الاتحاد.

يبدو ان روسيا تعمل بنظرية فرض أمر الواقع وذلك بارسال قوات عسكرية الى جمهورية دونستيك ولوغستاك الشعبية الانفصالية عن كييف، ويبدو ان بوتن حضر الى هذه العملية”غطاء شرعي” بتوقيع اتفاق مع الجمهوريتين قبل ايام، ويدعي الرئيس “بوتن” ان العملية من أجل حماية الجمهوريتين.من المستبعد ان يجتاح الرئيس بوتن أوكرانيا بالكامل،. اما الحديث عن ردود فعل الغرب ، والناتو فاكتفى لحد الان بفرض عقوبات اقتصادية شديدة لحد هذه الحظة، وهذه العملية يمكن اعتبارها الغاء الى اتفق مينسك وربما “نورماندي”.

العملية العسكرية الروسية ممكن أن تدفع الغرب أكثر للحوار مع موسكو بالتوازي مع تشديد العقوبات الاقتصادية.

الضغوطات الأميركية على ألمانيا كانت واضحة بتعليق مشروع نورد ستريم (2) والذي كانت تعول عليه الحكومة الالمانية كثيراً رغم اعتراض حزب الخضر الألماني، وهذا يعني ان ألمانيا وربما أوروبا ممكن أن تشهد انقسام في موقفها أكثر حول أزمة أوكرانيا بسبب “أزمة الطاقة” تحديدا الغاز الروسي الذي لايمكن تعويضه عبر السفن، ويذكر أن ألمانيا لحد الأن لايوجد لديها أي محطة للغاز الطبيعي المسال على سواحلها، وهنا تبرز أهمية الغاز المنقول عبر الانابيب.

من المتوقع أن  توغل القوات الروسية في الداخل الأوكراني سيقتصرعلى إقليمي لوغانسك ودونيتسك المنفصلين، مع استبعاد مواجهة عسكرية شاملة  حتى الآن، فالأطراف الإقليمية والدولية الداخلة في الصراع غير مستعدة لحرب مفتوحة، إلا أنّ السيناريوهات كافة تبقى مطروحة. ويبقى هناك عوامل أخرى قد تؤدي إلى الحرب، منها عوامل الاستفزاز الغربي، كما أن هناك عوامل قد تؤكد الذهاب نحو الخيار الدبلوماسي، ومنها أن أوروبا مضطرة إلى فتح قنوات دبلوماسية مع روسيا، لأن الأخيرة تمسك ورقة الطاقة التي تحتاجها أوروبا.

**

من المبكر الحديث عن التوقعات المستقبلية الخاصة بالأزمة الأوكرانية بسبب سرعة التطورات، لكن التقديرات جميعها تشير إلى أنها تسير نحو مزيدِ من التعقييد، في ضوء الاشتباكات على أرض الواقع. وتظل السنايورهات الخاصة بالأزمة الأوكرنية محكومة بمدي تفاعل المجتمع الدولي مع الأزمة، وخصوصاً الموقف الأمريكي الذي يبدو حتي اللحظة رغم التصريحات التى صدرت عن المسئولين الأمريكين في مقدماتهم الرئيس الأمريكي جو بايدن، ويبدو الموقف غامضاً وغير واضح بالنسبة إلى رد الفعل الذى سوف تتخذه الادارة الأمريكية بشأن الهجوم الخاص بروسيا على أوكرانيا، ولذلك فأن التعامل الأمريكي والأروبي أيضاً مع الأزمة سيحكم مسارات هذه الأزمة وأين ستصل هل ستنحصر في الهجوم الذى شنته القوات الروسية عل أوكرانيا أم أن هناك رد فعل عسكري سيحدث من الجانب الأمريكي او الأوروبي يؤثر بشكل كبير على تمديد عمر الأزمة ويحكم مسارات أكثر خطورة علي المجتمع الدولي والمنطقة سواء أقليماً أو دوليا.

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post بلجيكا والتخوف من كارثة تحل بها بسبب النزاع القائم بين روسيا وأوكرانيا
Next post محور “اتفاقيات إبراهيم”: التطبيع العربي الإسرائيلي قد يعيد تشكيل الشرق الأوسط
%d مدونون معجبون بهذه: