تداعيات الأزمة الأوكرانية على سياسات أوروبا الدفاعية

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_حشدت روسيا عشرات الآلاف من القوات على طول الحدود الأوكرانية، في عمل يمكن أن يتحول إلى أكبر صراع عسكري على أراضي أوروبا منذ عقود. فمن ناحية تُمثل الأزمة  الأوكرانية  مسرحاً أكبر لروسيا لمحاولة إعادة تأكيد نفوذها في أوروبا والعالم. ومن ناحية أخرى تتصاعد المخاوف داخل الاتحاد الأوروبي المتعلقة بأمن أوروبا واقتصادها، كذلك توافقها الجغرافي والسياسي إذا استمرت الأزمة الأوكرانية لفترة أطول.

التحول الأوروبي الألماني في السياسة الخارجية والدفاعية

زودت عدة دول أوروبية  أوكرانيا بالأسلحة، حتى ولو لم يكن ذلك كافياً بالنسبة للحكومة في كييف. وأرسلت تركيا طائرات بدون طيار (طائرات بيرقدار) تم استخدامها ضد الانفصاليين في الشرق. أما بريطانيا العظمى فقد مدت أوكرانيا بمدافع مضادة للدبابات ومتخصصين لتدريب القوات الأوكرانية، إضافة إلى عربات مدرعة. علاوة على ذلك هناك أيضاً مساعدات عسكرية قدمتها دول البلطيق وجمهورية التشيك.

وفي إطارتوفير المعدات والمنصات العسكرية وتعزيز إمكانات ومرونة القوات المسلحة الأوكرانية تم تخصيص مبلغ  (450) مليون يورو للجيش الأوكراني من قبل الاتحاد الأوروبي في 28 فبراير 2022.

تخلت ألمانيا عن نهج “التريّث في تعزيز قدراتها العسكرية” رداً على الغزو الروسي لأوكرانيا. ويعكس هذا النهج مدى التحوّل الكبير في السياسة الألمانية الخارجية والدفاعية. وبالرغم من الحظر الذي تفرضه ألمانيا على تصدير الأسلحة الفتاكة إلى مناطق النزاع،  أعلنت الحكومة الألمانية في 27 فبراير 2022 أنها بصدد تسليم أوكرانيا (1000) صاروخ مضاد للدبابات و(500) صاروخ أرض – جو من نوع “ستينغر” من مخزون الجيش الألماني، كذلك تعزيز قواتها المنتشرة شرقاً في إطار حلف شمال الأطلسي، لا سيّما في سلوفاكيا.

خصصت الحكومة الألمانية (100) مليار يورو لقواتها المسلحة فيما تتطلع إلى زيادة الإنفاق الدفاعي في ضوء الغزو الروسي لأوكرانيا عبراستثمار أكثر من (2%) من ناتجها المحلي الإجمالي على الجانب الدفاعي كل عام.  لا يزال حلف الناتو يدعم أوكرانيا عبر تقديمه المزيد من أنظمة الدفاع الجوي، والمزيد من الأنظمة المضادة للدبابات والمضادة للطائرات والذخيرة في 27 فبراير 2021 بالإضافة إلى تأييده لانضمام كييف إلى الحلف.

ولأول مرة في تاريخه تم تفعيل قوة الرد التابعة له في 25 فبراير 2022 وذلك عبرتنشيط القوة متعددة الجنسيات المكونة من قوات برية وجوية وبحرية وقوات العمليات الخاصة من الحلفاء والتي تتكون من (40) ألف جندي دون ذكر عدد القوات المقرر تنشيطها كإجراء دفاعي رداً على روسيا.

أسباب التحول الأوروبي الألماني

هناك العديد من النقاشات الأوروبية حول كيفية إدارة التحديات الأمنية التي تفرضها الصراعات على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي ومدي تأثيرها على أمن الاتحاد الأوروبي. فعلى سبيل المثال، تشير التقديرات الصادرة عن الاتحاد الأوروبي في 27 فبراير 2021  إلى أنّ (7) ملايين أوكراني سوف ينزحون من بلادهم على خلفية الغزو الروسي.

كذلك تقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تشير إلى أنّ أكثر من (368) ألف لاجئ فرّوا من أوكرانيا في اتّجاه الدول المجاورة. ما قد يتحوّل إلى الأزمة أمنية وأنسانية في أوروبا. فهناك تفكير في مؤيّدة لفكرة تفعيل “آلية الحماية المؤقتة” في الاتحاد لتأمين المأوى للذين سوف يصلون إلى الدول الأروبية المجاورة.

يري “بريندان سيمز” مدير مركز الجغرافيا السياسية في جامعة كامبريدج في المملكة المتحدة في 15 يناير 2022 أن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى التحول لأن يكون دولة واحدة برئيس واحد وبرلمان واحد حتى يصبح لاعباً جيوسياسياً قوياً، فعن طريق الوحدة تمكنت الولايات المتحدة التي كانت تتألف من خمسين ولاية في تشكيل دولة واحدة وتجميع قوتها. بيد أن سيمز أقر بأن تحقيق بلدان الاتحاد الأوروبي هذه الوحدة الكاملة يعد أمراً غير مرجح حدوثه حالياً، مضيفاً “للأسف مع استمرار هذا الوضع ، لن يكون الاتحاد الأوروبي قادراً على فعل ما يريد إذ ستظل قوته مشتتة”.

لماذا لن تتدخل واشنطن عسكرياً ؟

قدمت الولايات المتحدة أكثر من (2.5) مليار دولار من المساعدات العسكرية لأ وكرانيا منذ عام 2014 وقدمت لكييف زوارق دورية ومدرعات، وبنادق، وطائرات مسيرة وأنظمة رادار أو أجهزة للرؤية الليلية، ولكن كل المؤشرات والبيانات الرسمية تؤكد عدم تدخل واشنطن عسكرياً في الأزمة الأوكرانية ورجع ذلك لعدة أسباب منها.

  • أولاً ـ لا توجد معاهدة ملزمة تحمل إلتزامات تجبر الولايات المتحدة على الإقدام على هذه المخاطرة في أوكرانيا.
  • ثانياً ـ لا توجد مصالح أمريكية ترتبط بالأمن القومي الأمريكي في أوكرانيا. فأوكرانيا ليست جارة للولايات المتحدة، وليس بها قاعدة عسكرية أمريكية، ولا يوجد بها احتياطات استراتيجية من البترول كما أنها ليست شريكاً تجارياً رئيسياً.
  • ثالثا ـ سياسة الرئيس الأمريكي جو بايدن لاتتبنى سياسة التدخل العسكري، وذلك يعود إلى غريزة الرئيس بايدن القائمة على “عدم التدخل عسكريا”. لاسيما أن حرباً بين أكبر قوتين نوويتين في العالم لن تكون أمراً سهلاً على المستوى الإقليمي والدولي.

رابعا ـ أظهر استطلاع للرأي – أجراه مركز AP-NORC في 25 فبراير 2022- أن (72%) من الأمريكيين قالوا إن بلادهم يجب أن تلعب دورا “محدودا” في الصراع الروسي – الأوكراني، أو لا تتدخل مطلقا. 

استنزف بايدن لروسيا وأوروبا

تكمن المعضلة الألمانية والأوروبية في كون الارتدادات العكسية الناتجة عن فرض العقوبات على روسيا كبيرة، وذلك بالمقارنة مع ارتدادتها على واشنطن لاختلاف مدى الارتباط الاقتصادي مع روسيا. لاسيما أن روسيا لا تزال تحتل المركز الخامس بين كبريات الأسواق التي يصدر لها الاتحاد الأوروبي، كما تعتبر روسيا ثالث الموردين للتكتل بعد الصين والولايات المتحدة. بالتالي فإن أي عقوبات جدية جديدة من شأنها أن تضر بأوروبا وتضع الاقتصاد الروسي تحت ضغط العقوبات الأوروبية.

الأزمة الأوكرانية قد تحقق لواشنطن العديد من الأهداف منها تأزم العلاقات بين موسكو ودول التكتل الأوروبي ، وإعادة تقييم العلاقات مع موسكو. وقد تتخذ أوروبا مواقف متشددة تجاه موسكو. بالإضافة إلى وضع حد لطموحات الرئيس الروسي  فلاديمير بوتين لتمدد الخارجي والهيمنة على أوروبا عبر استراتيجية دبلوماسية الغاز التي تضر بالمصالح الأمريكية في أوروبا. والمكسب الأكبر لواشنطن هو التفرغ لمواجهة نفوذ الصين المتصاعد.

التقييم

يمكن أن تشكل الأزمة الأوكرانية منعطفًا فاصلاً للأمن الأوروبي، و تغيير الطريقة التي يفكر بها الأوروبيون بشكل كبير بشأن أمنهم. تشير التقديرات إلى أن الحرب في أوروبا لم تعد مستحيلة وأن أكبر مخاوف الأوروبيين فيما يتعلق بالأزمة تختلف من بلد إلى آخر وسط الانقسامات الأوروبية بشأن الأزمة؛ وأن الحكومات الأوروبية بحاجة إلى التخطيط لحالات طوارئ.

استنزف بايدن موسكو والدول الأوروبية في أوكرانيا لاسيما في مجال الإنفاق الدفاعي ناهيك عن الاستنزاف الاقتصادي. بايدن الأن في وضع مستريح، وأوروبا تعيش حالة انذار وتاهب وويدفع موسكو لحرب ممكن ان تقع في مستنقعها بأوكرانيا.

الأزمة الأوكرانية ما زالت في مراحلها الأولى، فما هو مؤكد أنه إذا استمرت الأزمة لوقت أطول سيكون هناك العديد من السيناريوهات الغيرمتوقعة، وتدفق العديد من اللاجئين إلى دول الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى استنزاف موارد وقدرات الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية لمعالجة العواقب الناتجة عن الأزمة. خاصة أن أوروبا ليست مستعدة لعواقب الحرب على مجالي الطاقة والاقتصاد ، كما أنها غير مستعدة للترحيب باللاجئين بعد أزمة الهجرة في عام 2014.

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post توقعات بتمديد عمل أحد المفاعلات النووية في بلجيكا
Next post فيلم أسوء شخص ومنطق التفكير
%d مدونون معجبون بهذه: