ثقافة المربوعة

علي العسيلي

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_المربوعة هي تلك الغرفة التي تقع عادة بالقرب من مدخل المنزل، والتي يُستقبل ويودع فيها الضيوف، حيث لا يكاد يخلو بيت في ليبيا من المربوعة، في ثقافتنا يظنون أنه كلما كبرت مساحتها، وازداد فخامة أثاثها، وثخانة فرشها، دلت على أن صاحبها يستقبل أعدادًا أكبر من الزوار، ويقيم الكثير من الولائم، وربما الاجتماعات، القبلية منها، والسياسية، أو ما يسميه الليبيون شعبيًا بـ«الكولسة»! وبالتالي فهو شخصية مهمة، ذو سلطة ونفوذ، ومقام أعلى، أو هكذا يخيل لهم! وهو أهم من ذاك الذي لديه مربوعة صغيره لا تكاد تطلق رجليك في جنباتها، مهجورة لا تستعمل إلا لنوم أبنائه الذين يعانون الفراغ والبطالة، والذين تقوست ظهورهم من أثر متابعة «التيك توك» على هواتفهم المحمولة!

المربوعة تعدت كونها مجرد غرفة من غرف البيت، إنما أصبحت ذات دلالات أخرى أعمق، إلى جانب أنها تمثل المكانة الاجتماعية لصاحبها، فهي وعلى الأقل منذ عهد «النظام الجماهيري البديع» كانت ولم تزل إحدى السلطات العليا في اختيار المسؤولين، وتنصيب الوزراء والسفراء والمديرين.

فبمجرد سماع أهزوجة «أربعة، أربعة» التي اشتق منها اسم المربوعة حسب اعتقادي، وتراصف الحضور في دوائر، وقدوم طوابير قصاعي الأرز المزينة بقطع اللحم الكبيرة الى جانب «المصيَر» وعلب البيبسي، وسماع دوي الملاعق يتردد في الأرجاء، وما هي إلا دقائق حتى يبدأ المنظمين بتوزيع فناجين الشاي الأخضر، وهذا إشارة غالبًا ما تعني أن المفاوضات قد انتهت، وأن كل شي سار كما يريد الحضور، وجرى تقاسم الغنيمة بالتراضي، وليذهب الشعب «راقد الريح» إلى الجحيم، المهم هو ملأ البطن، وملأ الجيب قبلها.

ما استفزني لأكتب عن هذا الموضوع، هو إنه وقع على مسامعي منذ أيام أحد نواب الشعب المنكوب في البرلمان الليبي، وهو يقول بكل صحة وجه في مداخلة له على احدى القنوات التلفزيونية المقززة، أن النواب الذي هو منهم تقاسموا نصيبهم في مربوعة رئيس مجلس النواب، وكل منهم أخذ وزارة، أو وكالة، أو هيئة، وخرج الجميع راضين! وهو يعني هنا أن الحكومة الجديدة ستنال القبول وستمنح الثقة! وهذا ما حصل فعلًا بعدها. هذا الكلام سبب استياء كبير، وغضب من قبل رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وكأنهم الآن فقط اكتشفوا كيف يجري اختيار حكومتهم!

لا أعتقد أن هناك عاقلًا لم يزل يظن أن الحكومات في بلدنا البائس يجري اختيارها حسب الكفاءة، أو الخبرة، أو الشهادات العلمية، أو القدرة على تحمل المسؤولية، كما يحصل في الدول المحترمة، بل حتى تلك غير المحترمة، كل ذلك موجود فقط في الخيال، المعايير لدينا هي المصلحة الشخصية أولًا، ومن ثم الجشع والمحاصصة القبلية والعائلية والمناطقية، وكلها تحت غلاف الشعارات الوطنية البراقة، ومصطلحات، مثل الخوف على الوطن، والمواطن، والحرص على مصلحته. كم تعطيني في المربوعة؟ لكي أصوت لك وأمنحك الثقة في البرلمان!

وللأمانة لم يحصل هذا الشيء فقط في تشكيل الحكومة الجديدة أو التي قبلها، إنما هي آلية متبعة عندنا منذ القدم، لا أدري منذ متى بالتحديد، ولكنني أجزم أنها منذ زمن ما قبل المرابيع، منذ زمن الخيمة أو الكهف ربما! ولو اجتهد المهتمون بالآثار لدينا لوجدوا نقوشًا في كهوف ما قبل التاريخ تدل على ذلك.

وربما يكون ما أطلقت عليه اصطلاحًا «ثقافة المربوعة» في هذا المقال القصير، هو السبب الرئيس في وصول العاهات، وتصدر حثالة المجتمع سدة الحكم والحكومات، ولعل المربوعة هي من تحمل الإجابة عن السؤال الأزلي الذي يطرحه الكثير من الليبيين، لماذا كل الحكومات التي تعاقبت على ليبيا كان سجلها مليئًا بالفساد، ومصيرها المشترك هو الفشل الذريع؟

ساسا بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post فيلم أسوء شخص ومنطق التفكير
women sitting on the couch Next post المرأة والإسلام بين العبودية والحرية
%d مدونون معجبون بهذه: