الكذب خطيئة والبعض يحتاجه لاستمرار الحياة

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_تخيل معي أن تقابل صديقًا عزيزًا عليك، فيقابلك والسعادة تملأ وجهه لأنه تمكن من شراء جهاز حاسوب محمول جديد، ثم يحدثك عن كيف أن هذا الجهاز يناسب عمله كثيرًا وسيسهل عليه إتمام بعض الأعمال التي كانت تأخذ منه وقتًا أطول على جهازه القديم الذي كان بطيئًا بسبب إمكانياته المحدودة.

بعد ذلك، يتوجه لك بالسؤال عن رأيك في إمكانيات الجهاز الجديد وما إذا كان سيفيده بالفعل؟ عند هذه النقطة، تجد نفسك في موقف صعب، فأنت تعلم بخبرتك أن إمكانيات الحاسوب الجديد تزيد قليلًا عن الحاسوب القديم، وأنه لن يكون كما يتخيله صديقك، لكنك لا تستطيع أن تواجهه بذلك خشيةً إفساد سعادته، ستضطر وقتها للكذب على سبيل المجاملة، أليس كذلك؟

الأمر نفسه يكون أكثر وضوحًا مع النساء، دائمًا ما تأتي الزوجة أو الخطيبة لتخبر شريكها عن رأيه في هذا الفستان أو في تسريحة شعرها الجديدة. وبالطبع، يضطر معظم الرجال إلى الكذب عندما يكون رأيهم سلبيًا تجاه ما يُعرض عليهم، إذ إن الكذب في هذه الحالة يكون أأمن طريق لتجنب أي مشكلات لا داعي لها.

هذا الأمر يضعنا أمام معضلة أخلاقية، إذ ربما لا يحب البعض الكذب حتى ولو على سبيل المجاملة، لأنه في رأيهم يظل كذبًا. لكننا في بعض الأحيان نكذب فقط لنكون مهذبين، بينما يفضل البعض قول الحقيقة بكل صراحة. عند هذه النقطة، ما قد يتسبب في بعض الضرر للطرف الآخر سواء كان زميلًا في العمل أو صديقًا مقربًا أو زوجة، وربما يتسبب قول الحقيقة في ضرر لا يمكن إصلاحه، ما يعني هدم بعض العلاقات الاجتماعية والإنسانية.

يبدو مما سبق أن البشر يحتاجون إلى بعض الكذب حتى تسير الحياة بشكل أكثر سلاسة، وهذا ما ستركز عليه السطور التالية.

لا تكذب!

بالنسبة إلى بعض الفلاسفة، فإن الالتزام بعدم الكذب يتفوق على جميع الحتميات الأخلاقية الأخرى، بما في ذلك عدم الإضرار بمشاعر شخص ما، هذه هي النظرة المثالية لهؤلاء، بل وهو ما تدعمه الأديان السماوية أيضًا، بل حتى الحكماء وأصحاب بعض الديانات الأخرى.

ومع ذلك، فإن قلة من الناس يلتزمون في الواقع بهذه الوصفة الصارمة للصدق، فإذا نظرت إلى التطبيق العملي للبشر، ستجد الأمر مختلفًا عن تلك المثالية، بل يعد الكذب جزءًا مقبولًا من الحياة اليومية، بدءًا من ردنا التلقائي على سؤال «كيف حالك؟» والرد بـ«أنا على ما يرام»، وحتى الثناء الذي نعطيه عندما يسأل أحد الأصدقاء عما إذا كنا نحب قصيدة قام بتأليفها رغم رداءتها.

بدأ منذ اختراع اللغة! تاريخ الكذب مع البشر

يعتقد العديد من الباحثين أن البشر بدؤوا يكذبون بعضهم على بعض بمجرد اختراع اللغة، طريقةً للمضي قدمًا في الحياة، فالكذب سهل للغاية مقارنة بالطرق الأخرى لاكتساب السلطة والوصول للغايات التي تريد الحصول عليها، إذ إنه من الأسهل بكثير الكذب من أجل الحصول على أموال أو ثروة شخص ما بدلًا من قتله أو سرقة أحد البنوك.

تاريخ البشرية مليء بالكاذبين المخضرمين والمحنكين الذين ينسجون الأكاذيب والخداع للحصول على مكافآت غير عادلة ولا يستحقونها. فنحن نرى كيف أن بعض السياسيين يكذبون للوصول إلى السلطة أو للتمسك بها، كما فعل الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون عندما نفى أي دور له في «فضيحة ووترجيت، على سبيل المثال.

وفي بعض الأحيان يكذب الناس لتضخيم صورتهم، وهو الدافع الذي قد يفسر على أفضل وجه التأكيد الكاذب للرئيس دونالد ترامب بأن الحشد الذي تولى تنصيبه كان أكبر من الحشد الأول للرئيس باراك أوباما، عندما فاز ترامب بالانتخابات، يكذب الناس كذلك للتستر على السلوك السيئ، كما يفعل بعض الرياضيين الذي يتناولون المنشطات.

الجانب «الإيجابي» للكذب

ربما نظن أن تاريخ التطور يشمل جانبًا سلبيًّا فقط، لكن هناك أيضًا جانبًا إيجابيًّا، فعبر التاريخ البشري، كان الكذب أيضًا يشبه «ضرورة تطورية لحماية أنفسنا من الأذى، تخيل أن التميز في البشر الأوائل الذين يعتمدون على الصيد وجمع الطعام يتعلق بالقوة الجسدية، فما الذي يجب أن يفعله أصحاب القوة البدنية الضعيفة؟ من المحتمل أن تكون القدرة على التلاعب بالآخرين دون استخدام القوة الجسدية منحت هؤلاء ميزة في التنافس على الموارد والأصدقاء، على غرار تطور الإستراتيجيات الخادعة في المملكة الحيوانية، مثل التمويه.

يفيدنا الكذب أيضًا عندما تكون المخاطر أقل، بما في ذلك في العمل؛ إذا أخبرنا رئيسنا بما نفكر فيه حقًّا، أو لماذا لم نحدد الموعد النهائي للعمل المطلوب، فقد نطرد أو تخفض رواتبنا، نحن نكذب أيضًا لنجعل أنفسنا نبدو أفضل ونحافظ على جو من الاحتراف، فإذا تأخرت في الاجتماع، ستجد أنك تقول تلقائيًّا إن هناك ازدحامًا مروريًّا، لكن الحقيقة أنه لا يوجد ازدحام، وإذا قلت إنك أخطأت فستعتقد أن هذا الأمر لن يبدو احترافيًّا ومفيدًا لك وسط زملائك.

دعوني أنخدع!

البشر بطبيعتهم يكذبون بسهولة، حتى الأطفال الصغار يكذبون دائمًا كما لو أن الكذب جزء من جيناتهم، فالأطفال يتعلمون الكذب المهذب من والديهم تلقائيًّا، ونحن كراشدين نكذب على الغرباء وزملاء العمل والأصدقاء والأحباء. على الرغم من انتشار الأكاذيب في كل مكان في حياتنا، فإن معظمنا لا يجيد اكتشافه.

تعد قدرتنا على الكذب أمرًا أساسيًّا بالنسبة لنا مثل حاجتنا إلى الثقة بالآخرين، مما يجعلنا، وللمفارقة، غير ماهرين في اكتشاف الأكاذيب، بكلمات أبسط، الإنسان يريد أن يُخدع لأنه يحتاج إلى الثقة بالآخرين وعدم الشك في كل من حوله، وإذا تمكنا من اكتشاف كل الأكاذيب فجأة، فقد تتعرض حياة البشر ووجودهم إلى خطر حقيقي.

هل تعتقد أننا نبالغ؟ حسنًا، تخيل معي هذا السيناريو: ماذا لو كان بمقدرة الطغاة والديكتاتوريين اكتشاف الكذب خلال الثورات، هذا يعني فشل كل محاولة للتغيير عبر التاريخ، ولم تكن لتوجد أي مقاومة ضد المحتل في مصر والجزائر، ولن يتمكن الفرنسيون من الثورة على طغاتهم، ولم تكن لتظهر حركات التحرر في أمريكا الجنوبية.

سيقول البعض في المقابل إنه لو كان بإمكاننا اكتشاف الكذب لما ظهر الديكتاتوريين من الأساس؛ ربما هذا صحيح جزئيًّا، إذ لم يكن ليظهر هؤلاء المتسلقين الذين وصلوا لمناصبهم بالخداع، لكن بالتأكيد كان سيظل هناك الديكتاتوريون والطغاة الذين لا يعرفون إلا طريقة القوة الغاشمة في التعامل مع الناس.

الصدق.. ومشاعر البشر

إذا تمكن البشر من معرفة الكذب، سيكون لدينا المزيد من المشاعر المؤذية، بالنسبة لمعظمنا، فإن العالم الخالي من الأكاذيب سيوجه ضربة فورية لصورتنا الذاتية وعلاقاتنا الاجتماعية. فالعيش مع الحقيقة، ولا شيء سوى الحقيقة، يعني أنك ستحصل على تعليقات أكثر صدقًا وقسوة حول عملك، وملابسك، وطريقة تعاملك مع زوجتك، وكل الأشياء من هذا القبيل.

في الواقع، فيما يتعلق بالعلاقات الشخصية، ستكون كارثة كاملة إذا تمكنا من اكتشاف الكذب والخداع. الكذب يعد ضرورة تامة وكاملة في ثقافة يكون فيها الفهم الأخلاقي هو أنك لا تريد إيذاء مشاعر الآخرين، هذا ما يجعلنا جميعًا مشتركين في انتشار ما يسمى بالأكاذيب البيضاء الصغيرة حتى لا تؤذي مشاعر الآخرين.

عند انتشار الصدق فقط، ستدرك أن الناس لا يهتمون بك كثيرًا وأنك لست مهمًّا ومؤهلاً تأهيلًا عاليًا كما تعتقد، ستبدأ الضربات المتتالية فيما يتعلق بصورتنا الذاتية (نظرتنا إلى أنفسنا وصورتنا في أعين الآخرين) ونحن أطفال بمجرد أن نتعلم الكلام، وهو ما يسبب تشويهًا في عملية النمو منذ الصغر، تخيل أن يأتي الطفل ويسأل والديه عن رأيهما في الصورة التي رسمها، فيردا عليه بالقول إنها سيئة وغير جميلة.

ستبدأ الآثار السلبية بشكل فوري على الطفل، وسيفقد براءة الطفولة المرتبطة بالخيال السحري مثل جنية الأسنان، وبابا نويل، وسندريلا. بدلًا من ذلك، سيتعرض الأطفال في وقت مبكر لحقائق الحياة القاسية، والتي لن تكون بالضرورة شيئًا جيدًا، فكذب الوالدين على أطفالهما ليس سيئًا، لأن هناك أشياء لا يمكن قول الحقيقة فيها للطفل لأنه لن يستوعبها.

اكتشاف الكذب مفيد أحيانًا

من ناحية أخرى، هناك أوقات من المفيد فيها معرفة متى يكذب الناس علينا، فإذا كان بإمكان المدير معرفة كذب موظفيه، فإنه سيختار الصادقين والمجتهدين فقط لنيل المناصب المتاحة في الشركة، فالعالم الذي يمكن للناس فيه معرفة الحقيقة التي تهمهم سيكون عالمًا عظيمًا، وسيكون لدينا تمييز أقل ومزيد من العدالة.

ذا كنت ممن ينظرون إلى الأمور بإيجابية، وتنظر دائمًا إلى نصف الكوب المملوء، فستستفيد بالتأكيد من بعض الآراء الناقدة لك، وستمنحنك التعليقات الصادقة من الآخرين فرصة لتحسين الذات والتعلم والتطور.

Sasapost

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post الناتو والدفاع على أوروبا
Next post فرنسا تنتقد بريطانيا لطردها اللاجئون الأوكران
%d مدونون معجبون بهذه: