طلاب الشرق الأوسط العالقين في أوكرانيا

كارول سيلبر وكالفين وايلدر 

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_تسعى الحكومات في المنطقة جاهدة لإعادة الآلاف من مواطنيها المحاصرين إلى أوطانهم؛ بإمكان الولايات المتحدة لعب دور رئيسي في تسهيل عودتهم الآمنة.

بينما كان المسؤولون في دول الشرق الأوسط يدرسون ردودهم الدبلوماسية في الأيام التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا، كانت هناك مشكلة ملحة أخرى في قيد الحدوث: الكيفية التي يمكن بموجبها إجلاء طلاب هذه البلدان الذين ما زالوا في أوكرانيا، بصورة آمنة. فمع مغادرة عدد قليل منهم في وقت مبكر، تقطعت السبل بنحو 10000 طالب في جميع أنحاء أوكرانيا، وأُجبروا على الاختيار ما بين الاحتماء في أماكنهم أو إيجاد طريق آمنة للعودة إلى بلدانهم.

قبل الغزو

كانت أوكرانيا وجهة جذابة للطلاب من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا منذ الحقبة السوفيتية، عندما استثمر الكرملين في التعليم العالي وقام بتسويقه لبناء علاقات مع البلدان المستقلة حديثاً. ويتميز حالياً نظام التعليم في أوكرانيا برسوم دراسة أقل تكلفة ودورات دراسية أعلى مستوى من الدورات المتبعة في العديد من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لا سيما في المجالات المتعلقة بالعلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. بالإضافة إلى ذلك، إن تكلفة المعيشة في أوكرانيا أقل من معظم دول أوروبا. وفي عام 2020، كان أكثر من 76000 طالب أجنبي يدرسون في أوكرانيا، من بينهم ما يقرب من 8000 من المغرب، و 4000 من تركيا، و 3000 من مصر، وغيرهم الكثيرون من العراق وإسرائيل ولبنان ودول أخرى في المنطقة.

ووفقاً للحكومة الأوكرانية, تقع الجامعتان اللتان تضمّان العدد الأكبر من الطلاب الأجانب في خاركيف، التي تعرضت لقصف روسي مكثف. وحتى 7 آذار/مارس، أفادت الشرطة الوطنية” عن مقتل 133 مدنياً في المدينة وإصابة 319 آخرين بجروح. وعلى غرار معظم المدن الكبرى الأخرى التي يدرس فيها الطلاب الأجانب، تقع خاركيف على بُعد مئات الأميال من الحدود الغربية للبلاد، مما يُعقّد جهود المغادرة.

في 12 شباط/فبراير، مع تصاعد التكهنات بشأن الغزو، أصدرت المغرب بياناً يوصي بمغادرة رعاياها أوكرانيا. وفعل لبنان الشئ نفسه في اليوم التالي. لكن في ذلك الوقت، أفادت بعض التقارير أن الجامعات الأوكرانية هددت الطلاب بفصلهم مؤقتاً إذا لم يحضروا الدروس بأنفسهم. ورداً على ذلك، نشر الطلاب المصريون مقاطع فيديو يطلبون فيها المساعدة من سفارة بلادهم، وانتشر هاشتاغ “طلاب_مصر_في_أوكرانيا” بشكل كبير على تويتر. وفي 14 شباط/فبراير، احتج آباء الطلاب اللبنانيين في بيروت، مطالبين وزارة الخارجية اللبنانية بوضع خطة لعودتهم إلى البلاد.

بعد الغزو

استخدمت حكومات دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مجموعة متنوعة من الإجراءات للحفاظ على سلامة مواطنيها منذ بدء القتال. فالجزائر لم تأمر طلابها بالمغادرة لكنها أوصتهم بتوخي الحذر والامتثال للتوجيهات الأمنية. ونصحت مصر مواطنيها بالتوجه إلى مناطق أقرب إلى المجر، وبولندا، ورومانيا، وسلوفاكيا إن أمكن، أو الاحتماء في أماكنهم إذا كانوا في مناطق تتعرض للقصف. وعقدت وزيرة الهجرة المصرية نبيلة مكرم لقاء بواسطة منصة “زوم” مع الطلاب في أوكرانيا، في حين التقى مسؤولون في وزارة الخارجية المغربية مع أولياء أمور طلاب البلاد لإطلاعهم على الوضع. بالإضافة إلى ذلك، أشارت معظم السفارات علناً إلى أنها تتواصل مع مواطني بلدانها بشأن سلامتهم وإجلائهم.

ومع ذلك، فوفقاً للتقارير الإخبارية ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي، واجه الكثير من طلاب دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في أوكرانيا صعوبةً في الحصول على المعلومات أو التواصل مع المسؤولين الحكوميين. ونقلت عدة وسائل إعلامية أن الطلاب العراقيين واللبنانيين والفلسطينيين اتصلوا بسفارات بلدانهم مراراً وتكراراً ولكن دون جدوى. وأشار تقرير صدر في 28 شباط/فبراير إلى أن 2000 فلسطيني من مواطني إسرائيل ما زالوا عالقين في أوكرانيا.

وأثارت مثل هذه القضايا موجة من الانتقادات في أوطان الطلاب. ففي تركيا على سبيل المثال، صرّح أحد الطلاب عبر برنامج إخباري وطني أن 800 من زملائه الأتراك بحاجة إلى الإجلاء من خاركيف؛ وقُطع عنه البث بعد ذلك بوقت قصير. وفي غضون ذلك، انتقد عضو في “حزب الشعب الجمهوري” [حكومة] أنقرة لكونها واحدة من آخر الحكومات التي أصدرت تحذيراً بإخلاء [الرعايا الأتراك من أوكرانيا]. وفي مصر، دعا نائب في البرلمان إلى تشكيل لجنة وزارية لمساعدة الطلاب المصريين العالقين في أوكرانيا. وفي المغرب، احتج أهالي الطلاب أمام وزارة الخارجية في 28 شباط/فبراير، مطالبين الحكومة ببذل المزيد من الجهد للإسراع بعمليات الإجلاء. وتعاظم السخط في المنطقة بعد أن أكدت وزارة الخارجية الجزائرية خبر مقتل طالب متخرج حديثاً أثناء محاولته الفرار من أوكرانيا.

ووسط الفوضى، فرّ العديد من طلاب دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى المعابر الحدودية الشمالية والغربية لأوكرانيا. لكن بمجرد وصولهم إلى هناك، أشار البعض إلى أنهم اضطروا إلى الانتظار ساعات لعبور الحدود، وواجهوا التمييز والمضايقات من حرس الحدود الأوكرانيين. ومن الأمثلة على ذلك الطلاب الذين تعرضوا للضرب وفقاً لبعض التقارير، أو مُنعوا من ركوب القطارات أو العبور، أو تم إخبارهم بضرورة عبور الأوكرانيين أولاً. وأفادت قناة “الجزيرة” أن مجموعة من الطلاب العرب تم إنزالها من حافلة على بعد ثمانية عشر ميلاً من الحدود البولندية وطُلب من الطلاب الاستمرار بعد ذلك سيراً على الأقدام؛ ومن ثم أعطى الجنود مقاعدهم للأوكرانيين.

وردّت كييف على مثل هذه الخلافات من خلال تأكيدها على أهمية المساواة في التعامل مع الرعايا الأجانب المحاصرين، حيث صرّح وزير الخارجية دميترو كوليبا في تغريدة بتاريخ 5 آذار/مارس أن “الأفريقيين الذين يلتمسون الإجلاء … يجب أن يحظوا بفرص متساوية للعودة إلى بلدانهم بأمان”. وفي بيان صدر في 7 آذار/مارس، أشارت وزارة الخارجية الأوكرانية إلى أن الحكومة ساعدت 146 ألف أجنبي على مغادرة البلاد، ثم دعت موسكو إلى التعاون في إقامة ممرات إنسانية للقيام بالمزيد من عمليات الإجلاء. ومع ذلك، استمرت روسيا حتى الآن في قصف طرق هروب المدنيين.

وقد نظّمت بعض حكومات دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا رحلات إجلاء من البلدان المجاورة لأوكرانيا. ففي 1 آذار/مارس، قامت “الخطوط الملكية المغربية” بنقل [الرعايا المغربيين] في ثلاث طائرات من بوخارست وبودابست ووارسو إلى الدار البيضاء. وفي البداية، كانت الرحلات مخصصة حصرياً للمغاربة الذين فروا من أوكرانيا، حيث بيعت كل تذكرة بـ 750 درهماً (حوالي 75 دولاراً). لكن بناء على طلب من الحكومة الموريتانية، وافقت الرباط على حجز بعض المقاعد للطلاب الموريتانيين. وإجمالاً، أفادت التقارير أنه تم إجلاء 1534 مغربياً اعتباراً من 1 آذار/مارس. وفي اليوم نفسه، نقلت طائرة تابعة لـ “شركة مصر للطيران” طلاباً مصريين هاربين من الحرب من بوخارست إلى القاهرة، بينما أفادت وزارة الخارجية التركية أنها نسّقت إجلاء أكثر من 7000 مواطن تركي، من بينهم نحو 150 طالباً. وفي العراق، صرّح متحدث باسم الحكومة أنه تم إجلاء ثلاثة من طلاب بلاده إلى مولدوفا اعتباراً من 1 آذار/مارس، بينما وصل 157 مواطناً عراقياً إلى بولندا. وفي تونس، صّرحت الحكومة بأنها سترسل طائرات إلى بولندا ورومانيا لإعادة ما يقرب من 1700 مواطن تونسي يعيشون في أوكرانيا، حوالي 80 بالمائة منهم طلاب. وفي الجزائر، أعلنت الحكومة في 3 آذار/مارس أنها أجْلت 76 مواطناً، معظمهم من الطلاب.

التداعيات السياسية

تأتي محنة طلاب دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في أوكرانيا في الوقت الذي تقف فيه حكوماتهم أمام قرار دبلوماسي صعب. إذ يتوجب عليها التوفيق بين علاقاتها مع روسيا وأوكرانيا، والحرص في الوقت نفسه على عدم اتخاذ أي خطوات تعرّض وارداتها الزراعية الحيوية وأولوياتها الأخرى للخطر. وتثير مثل هذه الاعتبارات تساؤلات حول ما قد تسمعه هذه الدول من موسكو. ففي 2 آذار/مارس، على سبيل المثال، أوعزت السفارة الهندية في كييف إلى الطلاب الهنود بالذهاب إلى “مناطق آمنة” محددة بناءً على التوجيهات التي تلقتها من روسيا. [والسؤال الذي يطرح نفسه هنا]، هل قدّم الكرملين توجيهات مماثلة لسفارات دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؟

علاوة على ذلك، من شأن الطريقة التي تساعد بها الحكومات – أو لا تساعد – الطلاب المحاصرين أن تؤثر أيضاً على العلاقات السياسية داخل بلدانها، لا سيما مع بدء التداعيات الاقتصادية المتوقعة للحرب في المنطقة. وتعتمد العديد من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل كبير على واردات القمح من روسيا وأوكرانيا، وبالتالي من المرجح أن تؤدي عراقيل الإمدادات إلى ارتفاع حاد في الأسعار.

من جانبها، لدى الولايات المتحدة فرصةٌ لمساعدة شركائها في جميع أنحاء المنطقة على إعادة مواطنيهم بأمان. وإحدى الخطوات الحيوية في هذا الإطار هي التواصل معهم بهذا الشأن والتنسيق مع دول الاتحاد الأوروبي الواقعة على طول حدود أوكرانيا. ومن المهم بشكل خاص تزويد المسؤولين في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمعلومات محدّثة عن طرق الإجلاء الآمنة – فهذه الحكومات تتوق إلى إعادة مواطنيها إلى أوطانهم، ولكنّ تواصلها مع الطلاب العالقين يفتقر في غالب الأحيان إلى الدقة ويأتي في وقت متأخر. لذلك، فمن شأن العمل معها للتخفيف من حدة هذه المشكلة أن ينقذ الأرواح، كما سيثبت أنه حتى مع تركيز واشنطن اهتمامها المتجدد بأوروبا، لم تنسَ شركاءها في المنطقة – وهذه رسالة جوهرية في ظل الانطباعات المحلية المتزايدة بأن الولايات المتحدة لم تعد مهتمة بالمنطقة.

بالإضافة إلى ذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تسلط الضوء في تواصلها على أهمية المساواة في معاملة المدنيين الفارّين من الحرب. وحيث كانت “الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية” قد أعلنت عن تقديم مساعدات جديدة بقيمة 50 مليون دولار لمعالجة الأزمة، فلواشنطن الحق والالتزام في التأكيد على ما تتوقعه بشأن كيفية تنفيذ الاستجابة الإنسانية، باعتبارها مساهماً رئيسياً في “الوكالة”. يجب أن تكون المعاملة العادلة للأجانب الهاربين من الحرب أساس هذه التوقعات، وإلا فإن التقارير المتزايدة عن التمييز ستثير عداء دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ومواطنيها، الذين يراقبون عن كثب أخبار العنصرية بينما يكوّنون آراءهم حول هذه الحرب.

معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post تطوع البلجيكيين للدفاع عن أوكرانيا
Next post التعاون الاقتصادي بين إسرائيل والإمارات: جذور عميقة ومكاسب كبيرة
%d مدونون معجبون بهذه: