مقارنات في غير محلها

أحمد مصطفى

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_حين ارتفعت أسعار النفط لتحوم حول حاجز 130 دولار للبرميل، انهالت التحليلات والتعليقات التي تقارن بين الوضع الحالي ومنتصف سبعينيات القرن الماضي. حتى أن وزير الاقتصاد الفرنسي قال علنا إن العالم مقبل على فترة “ركود تضخمي” كالتي أدت إليها “صدمة النفط” عام 1973.

في ذلك العام، قبل نحو نصف قرن، أعلنت الدول العربية الست الأعضاء في منظمة أوبك وقف تصدير النفط إلى الدول الغربية التي تساند اسرائيل في حربها مع العرب، حرب أكتوبر 1973. وتضاعفت أسعار النفط ما يقرب من أربع مرات وأدى ذلك إلى ركود اقتصادي في الغرب مع ارتفاع الأسعار – وهو الركود التضخمي، أي دائرة مستمرة من ارتفاع الأسعار ورفع البنوك المركزية سعر الفائدة لكبح جماح التضخم ما يؤدي بدوره إلى تدهور النمو الاقتصادي.

لكن تلك المقارنة لا تبدو صحيحة تماما، رغم المؤشرات القوية على التشابه بين الوضع وقتها والوضع الآن من حيث معدلات التضخم وارتفاع أسعار النفط. أولا، في 1973 كانت دول منتجة ومصدرة هي التي عطلت “سلاسل التوريد” بوقف التصدير لدول مستهلكة. أما الآن، وبعد قرار أميركا وبريطانيا وقف استيراد النفط والغاز الطبيعي الروسي بسبب الحرب في أوكرانيا، فإن الدول المستهلكة هي التي تعطل تجارة الطاقة وليس المنتجين والمصدرين. وليس أكيدا بعد إن كانت دول أوروبية ستحذو حذو أميركا وبريطانيا.

ثانيا، في السبعينيات تضاعفت أسعار النفط بعد فترة استقرار طويلة لسوق الطاقة العالمية. أما الآن، فالنفط أسعاره تتذبذب منذ 2014 وما قد يصل إليه سعر البرميل ليس غير مسبوق قبل فترة التذبذب تلك. ثم إنه قبل نصف قرن حين حدثت صدمة النفط استمرت الأسعار في الارتفاع حتى مطلع الثمانينيات حين هوت الأسعار بسبب زيادة المعروض من المنتجين. أما الآن، فمن الصعب توقع استمرار ارتفاع الأسعار إلى المستويات الهائلة التي يروج لها البعض في السوق تهويلا وذعرا من قبيل 200 دولار أو 300 دولار للبرميل.

ثم إن الاقتصاد العالمي، وإن كان ما زال يعاني من العلل والاختلالات الجذرية، إلا أنه ليس كما كان قبل نصف قرن. على الأقل هناك الآن ما بين 15 و20 في المئة من استهلاك الطاقة العالمي يأتي من مصادر متجددة مستدامة غير النفط والغاز. صحيح أن الزيادة في الطلب العالمي على الطاقة على مدى العقود الخمسة الماضية ربما لم تلبها تلك الزيادة في مصادر الطاقة الأخرى، وما زال الاعتماد على النفط والغاز أساسيا لتغذية محركات النمو الاقتصادي حول العالم لكن على الأقل هناك بدائل يمكن الاستثمار فيها لزيادة نسبتها في توريد الطاقة للعالم.

ليس معنى أن المقارنة بين صدمة النفط لعام 1973 وارتفاع الأسعار حاليا في ظل معدلات تضخم عالية ونمو هش ليست دقيقة تماما أن الركود التضخمي مستبعد. لكن سببه لن يكون أزمة الطاقة فحسب، ولا حتى حرب أوكرانيا وحدها. إنما هناك أسباب وعوامل تختمر في النظام العالمي كله منذ حتى ما قبل أزمة وباء كورونا مطلع عام 2020. وبمناسبة أزمة وباء كورونا، والركود الاقتصادي العالمي الذي سببته، هناك في الغرب الآن من يرى أن حرب أوكرانيا ستكون أشد وطأة على الاقتصاد العالمي من وباء كورونا. وتلك أيضا مقارنة ليست دقيقة تماما وتتسم بالمبالغة. فالوباء كان “أزمة طبيعية” (Force Majeure) إلى حد ما لا تملك البشرية أمامه سوى الاجراءات التي اتخذتها وأضرت بالاقتصاد، أما حرب أوكرانيا والعقوبات الاقتصادية التي صاحبتها فهي من فعل البشر.

ربما يعتمد احتمال الركود التضخمي أكثر على سياسات الدول ذات الاقتصادات الأكبر، خاصة ما يتعلق بسياساتها النقدية في مواجهة التضخم وأيضا فيما يتعلق بالعقوبات الاقتصادية التي يمكن أن تخنق سلاسل التوريد أكثر مما هي مضطربة بالفعل بسبب أزمة وباء كورونا خلال العامين الماضيين. فمن الممكن أن تنتهي الحرب في أوكرانيا، أو تخفت حدتها بمفاوضات وترتيبات، لكن العقوبات الاقتصادية لن تنتهي بسرعة. وعلى العالم الاستعداد لآثارها التي قد لا تظهر بالكامل قبل نهاية هذا العام. حتى احتمال الإسراع بالتوصل لاتفاق بين إيران والقوى الكبرى بشأن برنامجها النووي في مفاوضات فيينا لن يعني إزالة قدر كبير من العقوبات الواسعة على تلك الدولة المنتجة للنفط والغاز بسرعة.

بالتالي، يظل العالم أمام احتمال تراجع اقتصادي كبير وربما يدخل في فترة ركود تضخمي تمتد لسنوات. لكن ذلك أيضا ليس بالأمر الكارثي تماما كما يصوره البعض في تحليلاتهم وتعليقاتهم، خاصة في الغرب. بل ربما يكون مفيدا لتخليص النظام العالمي من إحدى عوامل الخلل التي تتراكم منذ بداية هذا القرن، وربما من نهاية القرن الماضي. فهناك عدة تريليونات من الدولارات في النظام العالمي عبارة عن “أرقام على الورق” لا تعكس أي قيمة حقيقية في الأصول أو الناتج الاقتصادي الحقيقي. واستمرار زيادة حجم تلك الفقاعة الوهمية كفيل بأن يؤدي إلى انهيار كارثي بالفعل إذا لم تشهد تصحيحا قويا “يبخر” أغلبها. ولعل حرب أوكرانيا بعد أزمة كورونا كفيلة بعملية “تنفيس” لهذا الغليان في تلك الفقاعة ومحو بضع تريليونات من الاقتصاد العالمي كعلاج قسري لخلل مزمن.

سكاي نيوز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post المقاتلون الأجانب في أوكرانيا ـ النشأة، القيادات، الأيدلوجيا والمخاطر الأمنية
Next post لماذ توقفت مباحثات فيينا حول الاتفاق النووي؟؟؟
%d مدونون معجبون بهذه: