هل يوجد نظام سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي في الإسلام؟

حسام عمر طرشة

شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_قال لي فاضل ممن أحب وأحترم: “ليس في الإسلام نظام، لا سياسيّ ولا اقتصاديّ ولا عسكريّ، هي قيمٌ عليا، وأيّ منظومة تحقق هذه القيم يمكن اعتبارها إسلامية”. وقد كتب في التنظير لذلك عدّة باحثين مرموقين من المهتمين بالتراث الإسلاميّ، وتفاوتت آراؤهم في ذلك. وحتى نختبر صحة هذا الكلام، لا بد أن نجلّيَ ماذا نقصد بالمنظومة أو النظام؟

فعندما نتحدث عن نظام أو منظومة شاملة فهذا يعني استنادها إلى أربعة مستويات تشكل بمجموعها معالم المنظومة المتكاملة. هذه المستويات هي:

المستوى الفلسفيّ أو المرجعيّ والاعتقاديّ الكليّ: وهو في منظومة الإسلام وجود الحق المطلق، وهو الخالق القادر الإله المدبّر (التوحيد ووحدانية الله). ويقابله عند الغرب الفلسفة النسبية الدهريّة التي تنكر وجود الحقيقة المطلقة؛ فكل شيء عندها نسبيّ يحتمل البطلان والتغيّر.

المستوى النظريّ: وفيه تتجلى معالم الفلسفة على هيئة قيم وقواعد وكليات وأحكام، في السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ…إلخ. وهنا تتجلّى معالم القيم في المنظومة الإسلامية في الحكم والسياسة، وترتبط في تفسيرها ونظرتها وترتيبها لمنظومات العلاقات والحقوق في الفرد والمجتمع والدولة والجغرافيا والتفاعل والتلاقح الحضاريّ والإنسانيّ. ويقابلها في التصوّر الغربيّ الليبرالية والرأسمالية، وهي وليدة الفلسفة النسبية الدهريّة.

المستوى النموذجيّ: وهنا تنطلق تجلّيات التعامل البشريّ استناداً إلى المستويين التأسيسيين أعلاه. ففي الإسلام نموذجٌ لكلّ مجال من المجالات؛ الاجتماعيّ والاقتصاديّ والسياسيّ والأخلاقيّ، التي تتجلى فيها أصول الإسلام وقواعده وتشريعاته بوصفها معالم واستراتيجيات وأحكاماً عامّة وتفصيلية يفهمها ويتفاعل معها المُتّبِع- مجتمعاً أو فرداً- في محيطه وواقعه وتحدياته، ليهتدي بها عند التطبيق وصولاً إلى مصالحه ومتطلباته وأحلامه وتطلعاته؛ كالنموذج الإسلاميّ في شرعية الحكم وسياسة الناس والدولة، وفيه تتحقق معالم المرجعيّة.

وفي هذا المستوى مسائل قطعيّة مجمعٌ عليها وأخرى اجتهاديّة، يُعمل فيها الاجتهاد في فهم النصوص المرجعيّة وما تحويه من دلالات على أصول وكليات وقواعد وأحكام وتشريعات وتوجيهات عامة وخاصة، مجملة ومفصلة. فنموذج الحكم في الإسلام- مثلاً – واحد، وهو نظام الاستخلاف بالشورى، والاختلاف في الاجتهاد فيه بين المتبعين للإسلام يكون في تضاعيف النموذج الداخلية، وبعض تفاصيله. فالنموذج يسبق التطبيق، ويشرح معالمه وكيفيته ومستوياته ومراحله، ولوائح السياسات العامة والتفصيلية في الإدارة والتنفيذ.

ويقابله في المنظومة الغربيّة النموذج الديمقراطيّ الغربيّ بكل مكوّناته، فكلمة الديمقراطيّة أصبحت اليوم ذات تجلّيات مختلفة ومتباينة، بعضهم يقصرها على الآليات، وبعضهم الآخر يعدها نموذجاً متكاملاً مرتبطاً بنظرية وفلسفة غربيّة. ومن ذلك البحث الذي صدر عام 2020 للباحث ماكس روز، ونشره في أحد أهم المواقع على الإنترنت التي تهتم بالبيانات والإحصاءات المحدّثة التي تشرف عليها جامعة أوكسفورد مع جهات أخرى. وفيه يقرر أن الديمقراطية هي أيديولوجية سياسية، تطبيقاتها تمتد لتشمل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية[1].

المستوى التطبيقيّ: وهنا تتجلى التجارب البشرية وتطبيقات المجتمعات والأفراد لهذا النموذج أو ذاك، ابتداء من العهد الراشديّ في صدر الإسلام، وتتفاضل وتختلف التطبيقات فيه كتطبيق الخلافة والشورى في عهد الخلفاء، وفي عهد الأمويين …إلخ. ويدخل فيه أيضاً اجتهاد المسلمين في بقعة جغرافية اليوم في تطبيق النموذج لدولة ذات مرجعية إسلامية وفق معطيات وأدوات الحاضر، وما قد يعتري ذلك التطبيق من نقص أو خطأ أو انحراف أو عجز وضعف وإكراه. ويقابله في المنظومة الغربية تطبيقات مختلفة للديمقراطيات. ومن طريف دراسة ماكس روز أن الهند مثلاً مصنفة على أنها دولة ديمقراطية (وهي التي تمارس التطهير العرقي في حق المسلمين)، في حين أن تركيا مصنفة على أنها ليست بلداً ديمقراطياً، بل (أنوقراطية)؛ وهو أسلوب حكم ليس استبدادياً ولا ديمقراطياً! ولكنه مفتوح؛ أي أقرب إلى الديمقراطية، وكذلك المغرب صنف (أنوقراطياً) مفتوحاً رغم أن النظام فيه ملكيّ، والملك يتدخل حتى في تأليف الحكومة. ومثلها الأردن هي مملكة ومصنفة (أنوقراطية)! وهو ما يدلك على أن قضية الانتخابات واختيار السلطة ليست هي المسألة الجوهرية في تحديد هل الدولة ديمقراطية أو غير ديمقراطية، فالانتخابات هي شيء ثانوي جداً في التصنيف.

إن النموذج الكامن في مبدأ الشورى في الإسلام أمر عظيم ومحطّ إعجاب ومصدر يقين بعظم هذه المنظومة الأصيلة؛ فالشورى تختلف تماماً عن الديمقراطية عند التحقيق حتى على صعيد النمذجة. وقد اعترف بذلك دهاقنة العقول الغربية، وفي طليعتهم مهندس السياسات الغربية برنارد لويس، الذي أنقل كلامه كما هو بطوله لأهميته في تجلية هذا النموذج وتطبيقاته كما مرّ معنا في المستوى الرابع والأخير. يقول برنارد لويس: “القول بأن الإسلام التقليدي ديمقراطي هو قول إما فاقد المعنى أو سخيف يعتمد على كيفية استخدامك لكلمة الديمقراطية. في كل زمن وفي كل جيل وفي كل مجتمع هناك من يعيد تعريف كلمة الديمقراطية لتتوافق مع مآربه الخاصة. تذكروا أنه حين قسّمت ألمانيا كانت الدكتاتورية الشيوعية الألمانية تدعو نفسها بـ(جمهورية ألمانيا الديمقراطية)، لذا لا تهتموا كثيراً لاستخدام كلمة “ديمقراطية”، الكلمة المهمة هي “الشورى”. الإسلام التقليدي يشدد بقوة على الحاجة إلى الشورى، وكانت هذه هي الحقيقة فعلاً، وكانت هناك قوى نافذة داخل المجتمع المسلم، وهي قوى تقليدية ومعتبرة توجب على السلطة العليا التعامل معها. الشورى مبدأ أساسي في الإسلام منذ نشأته الأولى ﴿وشاورهم في الأمر﴾. المأساة التي تسبب بها التحديث أنه وضع نهاية لهذا، كان أثر التحديث أنه قوّى بشكل هائل من سلطة الحكومة المركزية في حين أنه أضعف أو أزال هذه القوى الوسيطة التي عملت في المجتمع الإسلامي التقليدي قيوداً وكوابحَ لقوة الحكومة. نعم لقد أُضعفت وأُزيلت تدريجياً. قضى ضابط البحرية البريطاني، أدولفوس سلايد، بعض الوقت في تركيا، في القرن التاسع عشر، وقد ذكر هذه النقطة بجلاء تام؛ فتحدث كيف أن طبقة النبلاء القديمة، كتجار السوق القدماء وملاك الأراضي القدماء وآخرين، مارسوا سلطاتهم بطرق متعددة، ثم تحدث عما أسماه طبقة النبلاء الجديدة التي ظهرت بعملية التحديث فقال: الدولة هي عقار طبقة النبلاء الجدد، أنتج “التحديث” طبقة جديدة من الناس أصبحت الدولة ملكاً لهم. هذا ليس الإسلام التقليدي، هذا إسلام ما بعد التحديث، وأعتقد أن هذا نقطة مهمة جداً يجب وضعها في الحسبان” انتهى كلامه[2].

بيّن أحمد داوود أوغلو في كتابه “النموذج البديل”، عند حديثه عن شرعنة السلطة السياسية، عدم إمكانية ملاءمة الفلسفة الديمقراطية الغربية للمجتمعات المسلمة. ويؤكد أحمد داوود أوغلو أن هذا لا يعني معارضة البنى السياسية الهادفة لترسيخ المشاركة السياسية، بل نقدها ومعارضتها للفلسفة الديمقراطية الغربية المتوجهة إلى عدم الاهتمام بالأبعاد الوجودية والمعرفية والقيمية لها عند حديثهم عن الديمقراطية. وعند حديثه عن نظريات السلطة والتعددية يعزّز البروفيسور أحمد داوود أوغلو من حقيقة اختلاف النموذج الغربي والنموذج الإسلامي من خلال تفعيل البحث عن تأثير “التصور السياسي الغربي” في التحديث داخل المجتمعات المسلمة، وكذلك تفسير الممارسات التاريخية في الهياكل الاجتماعية السياسية المسلمة. فهو يرى أن التعددية طبيعية جداً في سياق الحياة الاجتماعية والاقتصادية الغربية، في حين أن التصور الإسلامي يرى أن كل ما سوى القوة الإلهية هو محدود ونسبيّ، سواء كانت اقتصادية أو سياسية، وتكون الدولة أداة لمهمة صاغها ابن تيمية ونقلها عنه البروفيسور أحمد داوود أوغلو: “حفظ حدود الله من خلال تهيئة الأحوال لدفع الإنسان لعبادة ربه حق العبادة”، بحيث تتأسس علاقة تلازم بين الغائية الكونية والنظام السياسي.

ويؤكد داوود أوغلو أن النظام السياسي الإسلامي يعتمد على حفظ القاعدة القيمية في المجتمع (حراسة الدّين) لا على التحكم في الحياة الجماعية والخاصة لتعزيز سلطة الدولة كمنظومة معيارية. وبهذه السلطة السياسية المحددة تأتي تعددية الجماعات الاجتماعية والثقافية داخل أقاليم الدولة المسلمة وتظهر في تقسيم أفقي للرعية. ويختم البروفيسور أحمد داوود أوغلو كتابه بأن العالم يشهد:

  • إعادة إحياء للتراث الإسلامي
  • حضور الخطاب السياسي بكثافة وفعالية في النظرية السياسية الإسلامية
  • تبلور جوهر نظام الحكم الإسلامي واكتمال كيفية تقديمه بوصفه بديلاً عالميّاً
  • الدولة القومية إلى زوال

وخلاصة ما سبق تقطع بعدم صحة ما يحاول البعض تقريره، دون تروّ ولا إنعام نظر، أنّ الإسلام مجرد قيم عليا! ومما يدلّ على ما قرّرناه أن هذه القيم شرط لحسن المقصد والنية والدافع المحرك والغاية، لكنها تبقى بحاجة إلى النموذج القرآنيّ، كما سبق أن بينته أعلاه، لتجتهد في التطبيق والاستباق في الخيرات، فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات. والحمد لله على منّه وفضله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post جرعات اللقاح في بلجيكا بعد انتهاء الإجراءات
Next post هل بدأت الحرب الاقتصادية؟ …….
%d مدونون معجبون بهذه: