الشكولاتة البلجيكية وشارون

بقلم: حسان البلعاوي

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_يحب البلجيكيون القول ان بلادهم هي عاصمة الشوكولاتة وان ما يجمعهم مع هذه الحلوى هو قصة حب تعود الى زمن بعيد، وهي إحدى علامات فخر بلجيكا على مستوى العالم جنبا الى جنب مع البطاطا المقلية، مشروب البيرة، وجبة المحار وحلوى الوافل ويستطيع اي زائر لبلجيكا ان يلمح هذه العلامات الشعبية سريعا والمنتشرة في كل مكان، والتي أصبحت تشكل احدى مقومات “القوة الناعمة” للمملكة البلجيكية.

close up photo of assorted chocolates
Photo by Polina Tankilevitch on Pexels.com

إذ لا تمر أي مناسبة شعبية أو رسمية بلجيكية إلا وتكون الشوكولاتة حاضرة. وخير دليل على ذلك انه عندما توجه ملك البلجيكين (اللقب الرسمي للملك) فيليب وعقيلته ماتيلد الى الامم المتحدة في نيسان 2018 لدعم عضوية بلجيكا غير الدائمة في مجلس الأمن (كانت المانيا وإسرائيل هما الدولتان المنافستان على المقعد) ويرافقه اركان الدبلوماسية البلجيكية كانت الشوكولاتة البلجيكية حاضرة بشكل لافت في القاعة التي تحدث فيه العاهل البلجيكي الى تجمع دبلوماسيي العالم في نيويورك.

وعندما تحتضن بروكسيل المعرض الدولي للشوكولاتة، حالها بذلك حال العديد من العواصم الأوروبية وتحديدا باريس والتي أطلقت بها الأكاديمية الفرنسية للشوكولاتة والكاكاو في اكتوبر 2011، اليوم العالمي للشوكولاتة، فان هذا الحدث الكبير والذي يجذب قطاعات واسعة من الجمهور البلجيكي وضيوفه من كل مكان، يتم بالدرجة الاولى تحت رعاية وزارة الخارجية البلجيكية الى جانب المؤسسات الرسمية الإقليمية البلحيكية.

وفي اليوم العالمي للشوكولاتة تنظم العديد من سفارات بلجيكا وبعثاتها الدبلوماسية في العالم حفل استقبال تعرض فيه فخر الصناعات البلجيكية.. الشوكولاتة، في محاولة منها ادارة التنافس على هذه الحلوى الشهيرة مع عدد من الدول الأوروبية وتحديدا سويسرا والتي تضع ايضا الشوكولاتة في مقدمة صادراتها.

وإذا عدنا الى تاريخ ظهور الشوكولاتة لأول مرة في العالم، فان متحف الشوكولاتة في بروكسيل والذي يبعد بضعة أمتار عن الساحة الكبرى، وهي أهم معلم سياحي في بلجيكا، يخبرنا ان حوالي 90 في المئة من تاريخ الشوكولاتة الطويل كانت عبارة عن مجرد مشروب، ولم يكن للسكر أي علاقة بها، والذي كان يتم تحضيره من حبوب الكاكاو، لشجرة الكاكاو الموجودة منذ آلاف السنين في أميركا الوسطى والجنوبية، وقد نقلها المكتشفون الاسبان الى اسبانيا في عام 1528 وزرعوها واستمتع الأرستقراطيون الإسبان بها، وسرعان ما انتشر هذا المشروب بين الأغنياء والأثرياء في اسبانيا وتدريجيا في أوروبا.

في عام 1615م، تزوج الملك الفرنسي لويس الثالث عشر من انفانتا آن من النمسا، ابنة الملك الإسباني فيليب الثالث وللاحتفال بهذه المناسبة أحضرت عينات من الشوكولاتة إلى البلاط الملكي في فرنسا.

بعد فرنسا ظهرت الشوكولاتة في بريطانيا، في عام 1657م، تم افتتاح أول محل للشوكولاتة في لندن من قبل فرنسي. وأقامت العديد من الدول الأوروبية مزارع الكاكاو الخاصة بها في البلدان الواقعة تحت سيطرتها على طول خط الاستواء وتحديدا في افريقيا. وكانت الشوكولاتة تحظى بشعبية كبيرة بين افراد العائلات المالكة والأرستقراطيين في أوروبا، واستهلك أفراد العائلة المالكة والطبقات العليا الشوكولاتة لفوائدها الصحية، وكان يتم إنتاجها يدويا، وهي عملية بطيئة وشاقة، ولكن مع الثورة الصناعية، اخذت الأمور تتغير وأصبحت تدريجيا في متناول العامة وانتشرت متاجر الشوكلاتة في العديد من المدن الاوروبية.

وتم في بلجيكا افتتاح اول متجر للشوكلاته في عام 1857 حين وصل الصيدلي السويسري جان نيوهاوس إلى بروكسل حيث افتتح أول متجر له بالصيدلية في معرض ملكي مرموق. ولتحسين طعم العلاجات، قام بتغطيتها بطبقة من الشوكولاتة.

ورث حفيده جان نيوهاوس الابن شغفه بالشوكولاتة، فكانت لديه فكرة لاستبدال الحشوات اللذيذة بالعلاج الموجود داخل الشوكولاتة. وفي عام 1912 اخترع أول “حلوى” أو شوكولاته. بعد سنوات قليلة، ابتكرت زوجة جان نيوهاوس (الابن) رزمة “بالوتان”، وهي حزمة أنيقة رفعت الشوكولاتة إلى مرتبة الهدايا الفاخرة. حتى اليوم؛ ولكل “برالينيه” (حلوى) شكلها وعطرها الخاصان اللذان يرافقان اسمها.

وتقول وزارة الخارجية البلجيكية ان بلجيكا هي واحدة من أكبر مستوردي حبوب الكاكاو، بعد هولندا وألمانيا. وفي كل عام يتم استيراد أكثر من 300000 طن من حبوب الكاكاو إلى بلجيكا عبر ميناء اتويرب.

وتضيف ان قطاع الشوكولاتة البلجيكي يمثل حجم مبيعات سنوي يقارب 5 مليارات يورو. هناك حوالي خمسمئة شركة نشطة في صناعة معالجة الشوكولاتة، بدءا من الشركات متعددة الجنسيات الكبيرة إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة وصانعي الشوكولاتة الحرفيين.

في كل عام، يتم تصدير ما يقرب من 600000 طن من قبل صانعي الشوكولاتة البلجيكيين، إلى كل من دول الاتحاد الأوروبي المجاورة والولايات المتحدة واليابان. وبالتالي تعد بلجيكا ثاني أكبر مصدر للشوكولاتة في العالم.

وتنتج بلجيكا نحو 650 ألف طن من الشوكولاته في العام الواحد. ومع 500 صانع شوكولاتة، و2000 متجر تتوزع في البلاد، يستهلك المواطن البلجيكي الواحد 8 كيلوغرامات من الشوكولاتة في السنة.

ويذكر انه يتم إنتاج ما يقرب من ثلثي الكاكاو في العالم بغرب أفريقيا، حيث تشكل ساحل العاج أكبر مصدر، بإنتاج إجمالي يبلغ 1,448,992 طنا. وتعد غانا ونيجيريا والكاميرون الواقعة أيضا في غرب أفريقيا ضمن أكبر 5 منتجين للكاكاو عالميا.

فلسطينيا ارتبطت الشكولاتة البلجيكية في اذهان الكثيرين بالقائد الفلسطيني في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الدكتور وديع حداد والذي عرف عنه حبه الشديد للشوكولاتة وقيل ان إسرائيل عرفت بهذا الامر، فقامت عبر جهاز الموساد، الذي قام عبر أحد عملائه بإدخال سُم بيولوجي قاتل في الشوكولاتة والذي أدى بعد أسابيع لتدهور الحالة الطبية للقائد الفلسطيني واستشهاده في احد مشافي ألمانيا الشرقية عام 1978 .

في عام 2002 كانت بلجيكا على موعد قضية ساخنة أثارت تفاعلا على مستوى عربي ودولي وهي القضية التي رفعها عدد من ضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا ضد رئيس وزراء اسرائيل السابق ارئيل شارون وذلك امام المحاكم البلجيكية بموجب قانون بلجيكي سابق كان يسمح بتطبيق الولاية القضائية الدولية. وطبقا لهذا القانون كان ممكنا للمتضررين من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية رفع دعاوى ضد مرتكبي هذه الجرائم بغض النظر عن جنسية الضحية أو المعتدي أو المكان الذي يُرتكب فيه هذا النوع من الجرائم.

وكان قبول المحاكم البلجيكية لهذه الدعوى يعتبر في حد ذاته انتصارا معنويا للضحايا الفلسطينيين ويمثل هذا القرار سابقة إيجابية وخطيرة إذ إنه لم يسبق للمؤسسات القضائية الغربية أن تجرأت على اتهام أي مسؤول إسرائيلي بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية منذ قيام اسرائيل.

وقد نتج عن هذه القضية، ليس فقط ازمة مع إسرائيل والتي كادت تصل الى قطع العلاقات ولكن ايضا مع الولايات المتحدة الاميركية التي هددت بلجيكا مباشرة بسحب مقر الحلف الاطلسي من اراضيها.

وتحت هذا الضغط غير القضاء البلجيكي من طبيعة القرار لتفادي محاكمة شارون، وكان على نائب رئيس الوزراء، ووزير الخارجية الليبرالي لوي ميشيل والذي كان معروفا بتعاطفه مع حقوق الشعب الفلسطيني، ان يتراجع وان يدخل في مفاوضات مع اسرائيل لإنقاذ العلاقة معها.

المثير في الخصوص وكما يذكر كاتب بلجيكي، ان من بين وسائل الضغط على بلجيكا التي استخدمتها إسرائيل هو فخر بلجيكا أي الشكولاتة، ففي فبراير من عام 2003، طالب القنصل الاسرائيلي في ولاية فلوريدا الاميركية بمقاطعة الشوكولاتة البلجيكية لأنها تشكل بالنسبة لبلجيكا ليس فقط دخلا اقتصاديا هاما ولكن تعد احدى علامات القوة الناعمة لبلجيكا، وذلك على خلفية الدعوى القضائية المرفوعة على شارون لتورطه في مجازر صبرا وشاتيلا، كما يقول الكتاب البلجيكي

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post فيلسوف الروح ((الأحياء البعد يهلكها))
Next post استدعاء سفير الجزائر من اسبانيا على ضوؤ خلاف بين البلدين
%d مدونون معجبون بهذه: