الكريبي باستا والرعب الرقمي

جمال النشار

شبكةالمدارالإعلامية الأوروبية…_ربما يكون مصطح «الكريبي باستا» مألوفًا لك إذا كنت مُلمًّا بالإنجليزية، أو ربما صادفك أثناء تصفحك مواقع التواصل الاجتماعي منشور أو مقطع فيديو يحكي عن «السر الغامض» للتجارب الروسية المخيفة التي حولت البشر إلى مسوخ بلا عقول في الحرب العالمية الثانية، أو «القصة الصادمة» وراء الظهور الغامض لصور «أطفال موتى» في «حلقة مفقودة» لمسلسل كارتوني شهير، أو فيديو بعنوان على غرار: شاهد «الكائن الغريب» المرعب الذي ظهر في فيديو «مسرب» وروَّع ضواحي الولايات الأمريكية المتطرفة، فتسارع بالانهماك في القراءة أو مشاهدة المقطع بحماسة شديدة بدون تفكير إلا في الاسترسال حتى نهاية الحبكة المثيرة.

إذا مررت على الأقل بتجربة واحدة شبيهة بما سبق، فأنت قد طرقت أبواب أشهر الجوانب في عالم الإنترنت وأكثرها شعبية منذ ما يقرب من 20 عامًا: عالم «الكريبي باستا» (CreepyPasta) أو ما يعرف بـ«خرافة الرعب الشعبية الرقمية»، فما هي الكريبي باستا؟ وكيف بدأت؟ ولماذا سميت بهذا الاسم؟ وما هي أكثر قصصها انتشارًا؟ هذا ما سوف يستكشفه تقريرنا التالي.

البداية: من النسخ واللصق!

ربما يدرك متحدثو الإنجليزية أن التسمية «كريبي باستا»  Copyaste ليست مصطلحًا أصيلًا في اللغة الإنجليزية، وإنما مصطلح مبتكر جرى تداوله بسبب انتشاره عبر المنتديات ومنصات التواصل الاجتماعي، وجاءت التسمية من دمج مصطلحات «النسخ» و«اللصق» Copy+paste، وأدخل على هذا الدمج لاحقًا مصطلح Creepy أي مرعب أو مثير للخوف، فظهر مصطلح (CreepyPasta).

يعود الظهور الأول لهذا النوع من القصص -تقريبًا- بحسب أغلب المصادر إلى ما بعد عام 2000 إلى 2005، وتحديدًا من المنتدى الأكثر شهرة في الماضي: «فورتشان» (4Chan) والذي له باع طويل بين مستخدمي الإنترنت في الغرب في عالم ما قبل ظهور السوشيال ميديا؛ إذ كان يغلب طابع «التفاعل» عبر السرد على هذا المنتدى الذي اشتهر برواده من المؤمنين بنظريات المؤامرة ومحبي الغموض والغرائب – وحتى الأمور الشاذة – والرعب.

بدأت الكريبي باستا في الانتشار على هيئة منشورات قصص وتجارب (حقيقية) خارقة للطبيعة يشاركها أصحابها من أعضاء المنتدى بهدف التفاعل معها أو إيجاد تفسير يفك لغز غموضها، أو حتى بهدف إثارة دهشة الآخرين وإعجابهم، ومع الحبكات المرعبة والقصص الغرائبية بدأ الأعضاء في مشاركة هذه الأقاصيص الخيالية مع أصدقائهم وأسرهم عبر النسخ السريع واللصق في الرسائل الإلكترونية وخاصة رسائل السبام (Spam) – في عصر ما قبل تطبيقات الدردشة والهواتف الذكية- ومن ثم اكتسبت نوعًا من الشعبية بحسب درجة براعتها وابتكارها والتي كان يقوم عليها غالبًا مؤلفون مغمورون أو أشخاص يمتلكون موهبة التأليف بدرجة جيدة.

واتسمت الأساطير الرقمية القديمة – ما قبل السوشيال ميديا- بعنصر مهم افتقدته لاحقًا مع الوقت؛ ألا وهو درجة «الواقعية» أو «القابلية للتصديق» في مضمونها؛ فمثلًا عندما يحكي أحدهم عن سجلات تحكي عن تجربة سوفيتية غير أخلاقية في الحرب العالمية الثانية على بعض الجنود، فإن هذا يتجه تلقائيًّا في ذهن المتلقى إلى حوادث التعذيب والتجارب النازية التي جرى توثيقها تاريخيًّا، مما يعطي للقصة لمحة قد تربطها بالواقع.

لكن في الوقت ذاته لا بد لأغلب قصص الكريبي باستا أن تحتوي على ظواهر غير مُفسرة (Unexplained Phenomenon)، وفي إحصائية قام بها موقع «venngage»، جاء أن نسبة 71% تقريبًا من قصص الكريبي باستا يحتوي على ظواهر غير مفسرة، كما جاءت نسبة  61% من قصص كريبي باستا الشائعة تحتوى على كائن خارق أو «supernatural Being»، ونسبة 51% تقريبًا منها يحتوى على نهايات مبتورة أو ما يعرف في عالم السرد باسم «Cliff-Hanger Ending».

أشهر قصص الكريبي باستا

بالطبع حصر أعداد الأساطير الرقمية أو الكريبي باستا يُعد من المستحيلات، ولكنها مثلها مثل أي قصص أو أعمال خيالية فهناك منها دائمًا ما يبرز على السطح، وينتشر بشكل كبير بحسب حبكتها، أو جودة فكرتها، ومن بين تلك الأساطير البارزة جاء في إحصائية موقع «venngage» قائمة كان على رأسها أبرز قصتين:

1- تجربة النوم الروسية

في ملخصها تحكي عن تجربة أجراها الروس السوفيت أثناء الحرب العالمية الثانية على مجموعة من المساجين المتهمين في قضايا أمن الدولة السوفيتية، إذ جمعوهم في غرفة معزولة مزودة بطعام وشراب يكفي لشهر، وجرى تعريضهم لغاز ما – هو موضع التجربة – لمدة عدة أيام مع التواصل معهم صوتيًّا عبر ميكروفونات فقط – إذ لم تكن المراقبة التلفزيونية متاحة آنذاك- وهنا تبدأ أعراض مروِّعة في الظهور عليهم.

يبدأ المساجين الهلوسة والصراخ وإصدار أصوات مرعبة غير بشرية، وبرغم ذلك يستمر المسؤولون في التجربة حتى بدأ المساجين في الدخول في حالة غريبة من اليقظة المستمرة لعدة أيام، لتنتهي التجربة الغامضة بتحول آخرهم إلى كائن وحشي غامض يهجم على المساجين ويأكل لحومهم، وبعد تنقية الغرفة لتفقد التجربة يقتل هذا الكائن كل القائمين على التجربة، إلى أن يقتله آخر باحث نجا من التجربة المرعبة!

2- انتحار سكويدوارد «صديق سبونج بوب»

ربما لا تنتمى هذه الأسطورة الشهيرة إلى عالم الرعب الخارق للطبيعة، ولكنها تحمل الكثير من السوداوية والقتامة والشر الدموي، وهي قصة تبدأ بصاحبها «فنان تحريك رسوم كارتونية»، والذي يروي أنه أثناء عمله في منتصف التسعينيات متدربًا في قناة الأطفال الأمريكية الشهيرة «نيكلوديون»، والتي اشتهرت بعرض حلقات الكارتون الشهير «سبونج بوب سكوير بانتس»، تعرض إلى أكبر فزع قد يتعرض له فنان يتعامل مع رسوم الأطفال المتحركة على الإطلاق، فأثناء استلام فريق عمله حلقة جديدة من كارتون «سبونج بوب» تمهيدًا لتحريرها وتجهيزها للعرض، لاحظ الجميع أن موضوع الحلقة هو انتحار شخصية   سكويدوارد  -« صديق سبونج بوب وشريكه في المغامرات – إثر حالة اكتئاب غريبة تصيبه من جرَّاء فشل محاولته لكي يكون عازفًا شهيرًا على الكلارينت.

وربما ليس الأكثر رعبًا هو انتحار شخصية كارتون؛ لكن الحلقة نفسها هي ما أثارت رعبه ورعب الجميع؛ فبحسب سرده ظهرت مشاهد خاطفة ومدمجة بعناية داخل كادرات الحلقة تحتوى على صور فوتوغرافية حقيقية لأطفال مقتولين ومضرجين في دمائهم، مع مشاهد للشخصية الكارتونية وهي تصرخ في يأس وتضع مسدسًا في فمها لتنهي حياتها، مع عدة مقاطع ومؤثرات صوتية بشعة وعبثية بدرجة لا تتناسب حتى مع أفلام الرعب الدموي! وتنتهي القصة بأن القائمين على القناة يفتحون تحقيقًا مع فريق إعداد هذه الحلقة ليكتشفوا أن مُعدِّي الحلقة لم يفعلوا هذا، وأنه جرى تعديلها بشكل غامض قبل تجربة مشاهدتها بعدة ثوان! أي أثناء ما كان الجميع يشاهد هذه المشاهد البشعة.

وهوليوود تقتبس من قصص الكريبي باستا

بمرور السنوات، وخروج أغلب مستخدمى الإنترنت إلى مواقع أكثر ازدحامًا ومنصات أكثر شعبية مثل «يوتيوب» و«فيسبوك» و«ريديت» وغيرهم، اتسعت قاعدة الكريبي باستا واتجه العديد من المستخدمين إلى ابتكار قصصهم المرعبة الخاصة بهم رغبة منهم في الوصول إلى مزيد من الشهرة أو حتى التفاعل الكبير، وفي آخر 10 سنوات بدأت قصص كريبي باستا في اتخاذ أشكال أكثر غرائبية، وأكثر التواءً في أحداثها، وبالطبع لم يفوت منتجو هوليوود هذا التفاعل الكبير بدون محاولة التربح منه.

وبدأت الأعمال السينمائية المقتبسة من الأساطير الشعبية الرقمية في الظهور على استحياء، ومن ثم ازدادت بدرجة كبيرة بداية من 2015 وحتى اليوم، ومن بين أبرز هذه الأفلام «Slender Man» و«Momo» و«Siren Head» و«The Smiling Man»، وبخلاف العديد من القصص الغارقة في قيعان المنتديات والمواقع المغمورة والتي ربما اقتبس منها كُتاب هوليوود قصص كريبي باستا لم تنل أي حظوظ من الانتشار حتى وإن كانت جيدة الحبكة أو تحمل أفكارًا مبتكرة في عالم الخيال.

ساسا بوست

One thought on “الكريبي باستا والرعب الرقمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post أين المسؤولية الأخلاقية في تجنيد الأجانب؟
cheerful plus size multiethnic women with tablet Next post  تحسين الصحة النفسية والجسدية بعمل الخير
%d مدونون معجبون بهذه: