cheerful plus size multiethnic women with tablet

 تحسين الصحة النفسية والجسدية بعمل الخير

رحاب لؤي

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_ «أعطيت الرجل صدقة وبكيت بشدة، نظر لي بعطف وسألني عن الدعوة التي أرغب في أن يدعو الله بها، فطلبت منه أن يدعو الله أن يجبر خاطري المكسور، في الواقع هو من تصدق علي وليس أنا».

بهذه الطريقة قررت رقية عبد العظيم أن تتعافى من حزنها الشديد، الشابة التي تعاني من «كرب ما بعد الصدمة (PTSD)» منذ ما يزيد على ثلاثة أشهر، خاضت طريق العلاج النفسي، لكنها على التوازي قررت أن تجرب طريقًا مختلفًا للتعافي هذه المرة بعمل الخير، وهو ما لمست أثره بوضوح خلال فترة قصيرة.

«بدأت القصة بنصيحة صديقة لي أخبرتني كيف تعافت من أزمة نفسية طاحنة كانت تمر بها، وكيف كانت أعمال الخير، على اختلافها تترك أثرًا طيبًا بقلبها جعلها تدمن عليه. وبالفعل بدأت في انتهاج الطريقة نفسها، وتعجبت من حالة الارتياح والطمأنينة التي كانت تسيطر على بدني ونفسي عقب كل مرة أقدم خلالها على عمل طيب، وألمح نظرة امتنان على وجه شخص ساعدته، مع الوقت صرت أدرك أنهم في الواقع من يساعدونني، وليس أنا».

هل يساعد عمل الخير حقًا؟

حسنا ماذا يحدث حقًا حين نقوم بأعمال طيبة؟ هل للأمر علاقة بتغيرات جسدية وعقلية، أم أن المسألة كلها خاضعة للإيحاء بأننا قمنا بعمل جيد، وبالتالي علينا أن نشعر بمشاعر جيدة؟ بحسب الدراسات ثمة تغييرات جذرية ترتبط بأفعال الخير في بدن، وعقل، ونفس فاعلها مثل:

1- تخفيف الألم

ففي دراسة  نشرت عام 2017 توصل مجموعة من الباحثين أن العطاء وإيثار الآخرين، والتي عرفوها بـ«تقديم رفاهية الآخرين على النفس، دون توقع شيء في المقابل»، يساعد في التغلب على الألم؛ ففي الدراسة المذكورة وجد الباحثون أن الأشخاص الذين يعانون من الألم المزمن تحسنت أعراضهم، وشعروا بألم أقل عقب قيامهم بالتطوع في أعمال خيرية.

2- تقليل مخاطر ارتفاع ضغط الدم

التطوع لمدة أربع ساعات فقط في الأسبوع يقلل من ارتفاع ضغط الدم بنسبة 40% خلال أربع سنوات، هذا ما كشفته دراسة علمية أجريت 2013على مجموعة من المتطوعين الذين تزيد أعمارهم عن 50 عامًا.

3- خفض الإجهاد والشعور بالخزي

أجرت أستاذة علم النفس ليز دن، الباحثة التي تثير اهتمامها تلك العلاقة بين المال والسعادة، تجربة علمية بسيطة، فوجدت رابطًا محتملًا بين الكرم والسخاء والصحة الجسدية. التجربة باختصار عبارة عن 10 دولارات جرى منحها لبعض الناس مع منحهم الاختيار إما الاحتفاظ بها لأنفسهم، أو التبرع منها بالقدر الذي يريدون.

أما النتيجة فقد جاءت متوافقة مع كل الأبحاث السابقة، والتي تؤكد أنه كلما تبرع الناس بالمال شعروا بسعادة أكبر، والعكس صحيح، كلما احتفظوا لانفسهم بالمال زاد شعورهم بالخزي وهو ما يرتبط بارتفاه مستويات الكورتيزول في الدم، والذي يرتبط بارتفاع مستويات الإجهاد والمرض، ومع مرور الوقت تتسبب المستويات المرتفعة من الكورتيزول في تلف الجسم، تقول ليز دن «السلوكيات الشخصية مرتبطة بالعواقب الصحية، والانخراط في العمل التطوعي مفيد لطول العمر. الكورتيزول هو كلمة السر».

4- زيادة الشعور بالسعادة والراحة

ارتباط عمل الخير بالسعادة، معلومة شائعة، لكن سونجا ليوبو ميرسكي، أستاذة علم النفس في جامعة كاليفورنيا، والتي درست السعادة لأكثر من 20 عامًا، سعت إلى تأصيلها بشكل علمي، فتوصلت عبر دراسة لها، إلى أن آداء الأعمال الإيجابية مرة واحدة في الأسبوع يساهم في شعور الفرد بسعادة أكبر.

5- تخفيف الاكتئاب

«شعوري العميق بالاكتئاب والحزن يتبدد في كل مرة أنفق فيها من أموالي، لا أنسى تلك المرة حين اشتريت كيلو من اللحم كي أطهوه في منزلي، ولكنني لمحت سيدة فقيرة جدًا وإلى جوارها ابنها من ذوي الاحتياجات العقلية في حالة يرثى لها، فتوجهت بطريقة تلقائية كي أمنحهما اللحم الذي اشتريته بآخر أموال كانت متبقية من مصروف الشهر، قدرت أننا أكلنا ما يكفي من اللحم هذا الشهر، لا بأس بقليل من العدس الأصفر، أو البيض المقلي»، هذا ما قالته آمنة عبد الواحد، التي جرى تشخيصها بالاكتئاب من قبل طبيب نفسي، لـ«ساسة بوست».

وتضيف آمنة: «لا شيء أعظم من ذلك الشعور العميق بالسعادة والراحة الذي شعرت به، حتى أنني استيقظت في اليوم التالي وقد كففت عن البكاء المتواصل الذي اعتدته لأسابيع. في الواقع كانت تلك هي الليلة الأولى لي التي لم يتخللها استيقاظ متكرر، نمت جيدًا واستيقظت دون رغبة في البكاء». ما تحدثت عنه آمنة تدعمه دراسة حول الأثر الإيجابي للتطوع والأعمال الخيرية على الاكتئاب، ورفع مستوى الرضا عن الحياة والرفاهية.

woman assisting elderly man
Photo by Kampus Production on Pexels.com

لكن.. كيف تساعدنا الأعمال الطيبة؟

«حين نقوم بأعمال الخير والتطوع تتعطل المناطق المسئولة عن الألم في الدماغ»

صحيح أن الكثير من الدراسات العلمية سبق وأشارت إلى الأثر طويل وقصير المدى لعمل الخير، إلا أن تلك المعلومة التي وردت في دراسة نشرت ديسمبر (كانون الأول) 2019 حاولت أن تعثر على الآلية التي يحدث بها الأمر. خلال الدراسة التي شارك فيها 278 شخص وجد الباحثون أن هؤلاء الذين قاموا بالتبرع بالدم عقب وقوع زلازل قد شعروا بألم أقل من هؤلاء الذين قاموا بعمل اختبار دم روتيني، على الرغم من استخدام حقنة أكبر مع المتطوعين!

ليس هذا فحسب، بل حين تعرضت مجموعتان للبرد الشديد، الأولى لمتطوعين تبرعوا بوقتهم في مساعدة أطفال، والثانية لأشخاص لم يتطوعوا، شعر المتطوعون بالبرد بشكل أقل!

الشعور الطيب لا يحدث بسبب تعطل مراكز الألم فحسب، ولكنه يحدث أيضًا بسبب تلك التفاعلات الكيميائية الداخلية التي أشارت إليها دراسة رصدت أثر العمل الطيب في انتشاء صاحبه، وشعوره بـ«السعادة»، حيث تتحفز مراكز المكافأة في الدماغ مقابل مساعدة الآخرين دون انتظار مقابل.

دائرة الخير «الجهنمية»!

لا يعود الشخص الذي يبدأ في أعمال الخير التطوعية، هو ذاته الشخص السابق؛ إذ يشبه الأمر الدخول إلى دائرة جهنمية لا يعود المرء قادرًا على الخروج منها مرة أخرى، هذا بحسب ما أشارت إليه دراسة منشورة في مجلة «سيكولوجيكال ساينس»، إذ أراد الباحثان آدم جرانت وجين داتون أن يفهما كيف يؤثر التفكير في الأعمال الخيرية التي قام بها المرء على سلوكه الاجتماعي بشكل إيجابي، فلاحظا أن المساعدة والعطاء والتطوع وغيرها من الأفعال التي يهدف بها المرء لمساعدة الآخرين تلعب دورًا حاسمًا في حماية الصحة، وتعزيز التعليم، ومكافحة الفقر، والجوع، وتوفير الإغاثة في حالات الكوارث، لكن الأهم أن التفكير الذاتي في العطاء يمكن أن يكون أداة قوية لتحفيز سلوكيات المساعدة والتطوع، فمجرد التفكير في التجارب الإيجابية يدفع إلى فعل المزيد.

ساسابوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post الكريبي باستا والرعب الرقمي
Next post استمرار ارتفاع أسعار الوقود في هولندا
%d مدونون معجبون بهذه: