كيف استغل الأوروبيون العلم لتبرير جرائمهم؟

علي الرباح

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_في كتابه “الجمهورية” يشرح أفلاطون على لسان سقراط كيف أن التوسع خارج الحدود هو في النهاية حتمي بالنسبة لأي جمهورية ناشئة، فمع ارتفاع عدد السكان تزيد الاحتياجات، ولأن أراضي الجمهورية لا تكفي فلا ضرر في التوسع على حساب أراضي الغير.

غير أن الفكر اليوناني وملاحمه قدمت المبرر الدائم لمعضلة تفوق الرجل الأبيض، إلا أنها لم تكن كافية لتغذية الحلم الأوروبي في اقتحام المجهول والسيطرة على الأمم الأخرى، فلكل عمل عظيم مبرر عظيم- مع التحفظ على كلمة عظيم.

سيشهد القرن السابع عشر أوج الازدهار الفكري، بينما كان  القرن الثامن عشر قرن الازدهار الاقتصادي؛ فمع بروز الفكر الاشتراكي الفرنسي والتأثيث للرأسمالية مع سميث، ولكن التغيير الحقيقي والذي سيقلب مفهوم الإنتاج والعمل كان اختراع “الآلة البخارية” التي ستتحول فيما بعد إلى المحرك البخاري، بإمكاننا الجزم بأن مساهمة الاسكتلندي “جيمس واط” كانت ولا شك أهم إنجاز في القرن الثامن عشر وإحدى أهم ركائز الاقتصاد الرأسمالي.

knight armor
Photo by Maria Pop on Pexels.com

سرعان ما وصلت أوروبا إلى خلاصة سقراط، فرغم أن احتلال الهند وجزر إندونيسيا سبق القرن التاسع عشر، فإن هذا الأخير سيصبح مرادفاً للإمبريالية، أي السياسة التوسعية التي قادتها دول أوروبا الغربية، والتي نتج عنها في نهاية الأمر احتلال فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وغيرها لدول شتى في أرجاء المعمورة، ومن هذه الدول بلداننا الإسلامية.

امتزجت كل المعارف والعلوم في نهاية الأمر لتفرز لنا “الإمبريالية” كأفضل تجلٍّ للحداثة، لقد بنت أوروبا نموذجها الاقتصادي على استعمال القوة من أجل السيطرة، في هذا الصدد يورد الدكتور “وائل حلاق” في كتابه “الدولة المستحيلة”، ص 152-153، ما نصه:

“إذا كان شيلر -إلى جانب بيكون (Bacon) وفيكو (Vico) ونيتشه (Nietzsche) وفوكو وفكري مدرسة فرانكفورت وآخرين- محقاً في أن نظام المعرفادة الغربي موجه بصورة مبرمجة لخدمة القوة والضبط والسيطرة وتغيير العالم… وكان هذا الارتباط قد تشكل في مرحلة باكرة من عصر التنوير”.

لكن كل هذا لم يكن كافياً ليبرر سيطرة أوروبا على شعوب العالم، ولم يكن ليشفع للمستكشفين الذين عملوا بكل قوة على استعباد الأقوام الضعيفة وتحويل أرضها إلى ضيعة رأسمالية غايتها ضمان أمن أوروبا الغربية الغذائي على حساب بطون أبناء البلد الذين فقدوا أرواحهم جوعاً أو ألماً أو اجتاحتهم أمراض لم يكن لهم بها أدنى اتصال قبل الغزو الأوروبي.

لقد احتاجت أوروبا لمبرر أقوى من كلام سقراط أو عبارات كانط وفلسفة القوة عند نيتشه؛ وهذا بالضبط ما قدمته الأبحاث الأنتروبولوجية.

العلم في خدمة الإمبريالية

يورد يوسف أكرم في كتابه “تاريخ الفلسفة الحديثة” ص363:

 “فلا يبقى إلا من يقوى على النضال، ويظهر من خلال الانتخاب الطبيعي أنه جدير بالحياة”.

من السهل الحديث عن كون العلم أهم سلاح في يد الإنسان الحديث، ومن اليسير القول أن الاكتشافات العلمية غيرت حياة الإنسان نحو الأفضل، ولكن من نافلة القول أن العلم ساهم في استعباد الناس وسهل عمليات الإبادة الجماعية وتغيير الثقافات المحلية وإحلال أخرى هجينة.

 وليس ساهم فقط بل الأدهى أنه برر وشفع لمرتكبي المجازر أمام الرأي العام، وجعل منهم عظماء أجلاء صنعت لهم التماثيل كما هو الشأن بالنسبة لمجيلان، وكما هو الشأن لتجار الرقيق الذين تمتلئ مدينة ليفربول بتماثيلهم.

لعل أبرز ما أسهمت به العلوم في مجال التبرير ما قدمته دراسات الإنجليزي داروين.

لا يمكن الجزم بمدى إدراك أن العلماء بأن أبحاثهم تستعمل لأغراض غير علمية وغير أخلاقية، بل  وتساهم في طفوح أفكار متطرفة، ولا ظن أحد أن نظرية الانتقاء الطبيعي أو ما يسمى “نظرية التطور”، ستتحول من حقل البيولوجية إلى حقل الاجتماع، لكن بالنسبة لداروين فإن كلامه يدل على أن الرجل لم يكن مغايراً لبني جنسه؛ فهو في النهاية أوروبي، وهذا يعني أن أبحاثه اتسمت بالعنصرية والنزعة الأوروبية.

بالنسبة لداروين، كان التفوق العرقي يعني “بقاء الأنسب” survival of the fittest في حدود شروط التوسع القومي وحتى التقدم البشري. علاوة على ذلك،  أطَّر هذا التقدم بعبارات عنصرية صريحة. داروين يعتقد أن هذا مدعوم بـ”العلم” القائم على حجّة القِحْف craniotomy، أي الفكرة التي ترى أن الأجناس يمكن تصنيفها بحسب سعة القحف في جماجمهم. لئن كان كوب عنصرياً بسبب نزعته “العاطفية”، فيمكن لداروين أن يؤكد عنصريته في “الحقائق” البحتة الثابتة لعلمه العنصري”.

 ولم يكن  داروين سوى تلميذ نجيب لمن سبوقه

كالطبيب وعالم الأحياء السويدي كارل لينيوس (1707-1778) وعالم الأحياء الفرنسي جان لامارك (1744-1829)، هذا الأخير يعتبر السباق لوضع نظرية التطور مع اختلاف داروين معه في معطيات كثيرة.

كما شهدت أوروبا قبل داروين مولد علم أطلق عليه “الفرينولوجيا”، هو “فرع من فروع علم الفراسة وضعه رجل جرماني اسمه فرنس جوزف كول في أواخر القرن الثامن عشر، وقد استخرج قضاياه باختباره الشخصي في تلامذة المدارس وأهل المهن وغيرهم، وموضوعه استخراج مواهب الناس وأخلاقهم من النظر إلى أشكال رؤوسهم وملاحظة ما فيها من البروز والتسطيح والسعة والضيق ونحو ذلك”. (جورجي زيدان، علم الفراسة الحديث، ص 143)

وما يجب الإشارة بخصوص هذا العلم أن الكثيرين اعتبروه علماً زائفاً، إلا أن هذا لا ينفي أنه من بين أحد المبررات القوية التي ترافع بها الأوروبيون لوقت طويل عن أعمال الإمبرياليين.

هكذا بات الأوروبي الوسيم أقدر على التفكر والإنتاج، بينما أمسى الإفريقي الأسود  والهندي أقل مقدرة على التفكير وبالتالي أدنى منزلة من الأوروبي؛ ولهذا أصبحت الإمبريالية لا حركة سياسة توسعية هدفها النهب، بل حركة تنويرية ورسالة سامية تكمل رسالة المسيح، هدفها إخراج الناس من البدائية والتخلف إلى المدنية!

لكن السؤال الذي طرح: ماذا لو رفض هؤلاء مدنية أوروبا؟

لقد كان الجواب واضحاً: “ندخلهم فيها بالغصب”، ففي النهاية هم قوم أقل عقلاً وإدراكهم لمنافع المدنية عمل صعب، ولهذا لا حرج في استعمال العنف، هذا العنف الذي تحول في نهاية الأمر إلى إبادة جماعية وتهجير قسري واسترقاق للناس.

كانت العلوم مرادفة للسيطرة، وبالتالي ممهدة للإمبريالية، فكانت طابورها الخامس دون شك، وحتى بعد انقضاء زمن طويل على ظهور مفهوم الإمبريالية ونظرية التطور، بقيت العلوم تلعب دورها الطلائعي واضعة كل خلاصات خدمة للغرب.

هل توقف الأمر؟

في سنة 1929 تأسس “المعهد الإفريقي العالمي”؛  ورغم أن الباحثين كان لهم رأي مغاير باعتبار المعهد لن يخدم السياسة ولن يتدخل بها، فقد “جاء بيان المعهد التأسيسي أن أحد أهدافه القيام بتقريب كامل بين المعرفة والبحث العلمي من جهة، وبين الأمور التطبيقية وفي الوقت ذاته سيبقى المعهد بعيداً عن المشاكل السياسية”(جيرارد لكلرك، الأنثروبولوجيا والاستعمار، ص 95).

 إلا أن المعهد تحمس كثيراً لنداءات الحكومات الأوروبية.

 بدأت الحكومات الأوروبية تطالب الباحثين بإعداد كتب حول المناطق المستعمرة وهكذا، وبرعاية هذا المعهد وبمساهمة أسماء كبيرة المهتمة بالأبحاث الإفريقية تم إصدار كتابين كلاسيكيين عالجا الموضوعات التي تهم القارة، هما African politic systems  – African systems of kinship and Marriage” (السابق، ص 96).

واليوم ما زال هناك دور للفكر بدراسة المجتمعات الإنسانية وتقدم التقارير الواحد تلو الآخر للساسة الغربيين مرشدة إياهم إلى المسالك الأسهل لإحكام السيطرة على العالم، وخاصة على الثقافات التي تهدد الغرب، من هذه الثقافات الإسلام، ولهذا توجد “مؤسسة راند” مثلاً.

عربي بوست

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post مقدونيا الشمالية التي حرمت إيطاليا من المونديال
soldier man with black rifle sliding on cliff Next post الحوار بالنار
%d مدونون معجبون بهذه: