white book page on black and white textile

قدوم رمضان وعادات الاحتفال به

ينتظر العالم بأسره، بكثير من الشوق والحنين، قدوم شهر رمضان، ليحل عليهم ضيفاً عزيزاً، ويُدخل البهجة والسكينة إلى قلوبهم، وخصوصاً انه يكتسب مذاقاً خاصاً، حيث تمتزج فيه الروحانيات والنورانيات مع عبق وقبس العادات والتقاليد والذكريات الرمضانية ذات الطابع التراثي.

لذلك يُستقبل شهر رمضان في كل البلدان والمدن العربية والإسلامية بحلة زاهية، وتُقام له الاحتفالات ابتهاجاً، وتنطلق المواكب ترحيباً، وتُضاء المصابيح والأنوار والأضواء، مما يُدهش الناظر ويسر الخاطر، وتُصبح لياليه بالضياء باهرة وبالعطور ساحرة، مثل النجوم الساطعة والقمر المكتمل ليلة التمام في السماء الصافية.

قدم الاحتفال برمضان

وللدلالة إلى قدم الاحتفاء والاحتفال بهذا بالشهر يفيدنا الرحالة ابن جُبير عن احتفالات المكييّن بقدوم شهر الصوم في وصف رحلته كيف كان أهل مكة يستقبلون رمضان بقوله: “استهلّ هلاله ليلة الاثنين التاسع عشر لدجنبر (أي، كانون الأول)، عرّفنا الله فضله وحقه ورزقنا القبول فيه… ووقع الاحتفال في المسجد الحرام لهذا الشهر المبارك، وحق ذلك من تجديد الحصر وتكثير الشمع والمشاعل وغير ذلك من الآلات حتى تلألأ الحرم نوراً وسطع ضياء، وتفرقت الأئمة لإقامة التراويح فرقاً… وكاد لا يبقى في المسجد زاوية ولا ناحية إلا وفيها قارئ يصلّي بجماعة خلفه، فيرتج المسجد لأصوات القراءة من كل ناحية، فتعاين الأبصار، وتشاهد الأسماع من ذلك مرأى ومستمعاً تخلع له النفوس خشية ورقة”…

photo of brown metal cage with lighted candle
Photo by Craig Adderley on Pexels.com


من جهته ابن بطوطة وصف في رحلته استقبال أهل مكة لشهر رمضان بقوله: “وإذا أهلّ هلال رمضان تُضرب الطبول والدباب عند أمير مكة، ويقع الاحتفال بالمسجد الحرام من تجديد الحصر وتكثير الشمع والمشاعل حتى يتلألأ الحرم نوراً، ويسطع بهجة وإشراقاً، وتتفرق الأئمة فرقاً، وهم الشافعية والحنبلية والحنفية والزيدية، وأما المالكية فيجتمعون على أربعة من القراء يتناوبون القراءة ويوقدون الشمع ولا تبقى في الحرم زاوية ولا ناحية إلا وفيها قارىء يصلّي بجماعته، فيرتجّ المسجد لأصوات القرّاء، وترّق القلوب وتهمل الأعين”…

الاحتفالات في بيروت

وبالعودة إلى مدينة بيروت، فإنها كانت تستقبل قدوم شهر رمضان بحلّة زاهية، فتزدان شوارعها وزواياها وتضاء فيها المصابيح وتطلق الأسهم النارية ابتهاجاً وتشعّ أنوار مساجدها ترحيباً واحتفالاً بقدوم شهر الصوم والعبادة.

فما أن يعلن ثبوت شهر رمضان حتى كانت تنطلق الفرق والأفواج الكشفية بمسيرات استقبال لهذا الشهر، وكانت تطوف أحياء العاصمة تتقدمهم حملة الأعلام والمشاعل المضيئة ويرتدي أفرادها الزيّ الكشفي الموحّد على وقع الخطوات المنتظمة. وكان الأهالي ينثرون عليهم الزهور والأرزّ وماء الزهر والورد. وفي ما بعد أصبحت المسيرات الكشفية أكثر رونقاً وبهجة في نفوس الأهالي، بعدما صارت تصاحبها الفرق الموسيقية، فتمتزج مشاعر الغبطة بقدوم شهر رمضان بين مختلف شرائح الناس، في واحدة من أبرز المظاهر الاحتفالية التي كانت تتكرر كل سنة مع إطلالة شهر الخير والبركة.
وكانت تزيّن الساحات العامة والأحياء بالأعلام والأضواء الملوّنة والمصابيح وسعف النخيل الأخضر، وتنصبّ على مدخل دار الإفتاء وأبواب المساجد في العاصمة أقواس النصر، وعليها لافتات الترحيب برمضان، وبعض الآيات القرآنية ومن وحي المناسبة. وتزدان أيضاً في الحقبة العثمانية دار الولاية والسرايا والمؤسسات الرسمية بالزينة، فيغلب الطابع الرمضاني على أجواء بيروت ويخيّم على أرجائها.
إلا أنه، ومع مرور الزمن، اندثرت الاحتفالات الكشفية لتحل مكانها خلال الأعوام الماضية المواكب الرمضانية السيارة التي تجوب الشوارع والمناطق، على متنها مجسمات تمثل معالم تاريخية وتراثية، مُطلقة العنان للأغاني الخاصة بالشهر، وتقلُّ الأطفال الذين يرتدون ثياباً تراثية جميلة كثياب المسحراتي والعروس المكللة بتاج من الورود والأزهار، ويحملون الأعلام ملوحين بها ويوزعون ابتساماتهم البريئة على المواطنين المنتشرين على الأرصفة وشرفات المنازل، فيضيفون أجواء البهجة والفرح والتفاؤل بقدوم شهر الخير والمبرات. ويعود الفضل في هذه الظاهرة الرمضانية في أرجاء العاصمة بيروت لمؤسسة الرعاية الاجتماعية دار الأيتام الإسلامية، مما يضفي على المدينة طابعاً رمضانياً زاهياً، يعود بذاكرة أهلها إلى الماضي الجميل، ويحفظ هويتها التراثية الخلابة.

women sitting on the couch
Photo by Thirdman on Pexels.com

يذكر أنه في العهد العثماني كانت الصبية قبل الكبار تتجمع في الحارات والأزقة لانتظار رصد نور تولد هلال رمضان. وما أن يعلن القاضي الشرعي ثبوت الرؤية حتى يهتف الجميع: “صيام صيام. بذا حكم قاضي الإسلام”… عندئذ تنطلق المواكب الاحتفالية تتقدمها حملة المشاعل والأعلام الحريرية الملونة وضاربو الطبول ونافخو النقاقير، ويسير في هذه الإحتفلات التجار صانعو المعادن والصاغة، وغيرهم من الذين كانوا يتبارون في إقامة مختلف أنواع الزينة فتبدو الشوارع والطرق متلألئة بأنوار الفوانيس والمصابيح والألوان المزركشة.

تاريخ المواكب الاحتفالية

والمواكب الاحتفالية بقدوم رمضان التي تُعرف “بمواكب الرؤية” أو “مواكب الركبة” والتي غدت من العادات الرمضانية، ترجع إلى عهد الخلفاء الفاطميين في مصر، وتحديداً السنة (362 هـ – العام 972 م) مع قدوم الخليفة المعز لدين الله.
وكان موكب الخليفة يبدأ من بين القصرين (شارع المعز بالصاغة الآن) ويسير في منطقة الجمالية حتى يخرج من باب الفتوح (أحد أبواب سور القاهرة الشمالية) ثم يدخل من باب النصر عائداً إلى باب الذهب (بالقصر)، وفي أثناء العودة توزع الصدقات على الفقراء والمحتاجين.
وكانت تُصاحب الموسيقى المواكب وتصدح بأنغام قوية وتحوي بين آلاتها أبواقاً خاصة لا تعزف إلا بمصاحبة الخليفة، كما انتشرت في كل مكان الأعلام التي تحمل عبارات النصر على أسنة الرماح، وكان الناس يحتشدون على جانبي الطريق لمشاهدة موكب الخليفة وإلقاء التحية عليه وتهنئته بشهر الصوم.

تبقى الإشارة أخيراً إلى أن ومن المظاهر المحببة أنه وفور الإعلان عن وقوع شهر الصيام يُقبل الناس على تهنئة بعضهم بعضاً ويتبادلون التبريكات.
حتى أن الأدباء والشعراء كانوا يهنئون الأمراء والولاة بنظم الأبيات الشعرية والقطع النثرية…

ومن هذه الأبيات نختار ما نظمه الصقيلي لأحد الأمراء:

صُمتَ للهِ صَومَ خَرْقِ هُمَامٍ مُفطّر الكَفايا بالعَطايا الجِسًامِ
أطلعَ اللهُ للصـيامِ هِـلالاً ولنا منْ عُلاكَ بـدرَ تَـمَـامِ
كذلك نختار من ينابيع الأدب العربي هذه الأبيات التي بعث بها أحد الشعراء مهنئاً صديقه:
شهرُ الصيام جرى باليُمْنِ طائرُهُ ودامَ قصرُكَ مرفوعاً مجالسُهُ
عليكَ ماجـدً باديهِ وحاضـرهِ لزائـريهِ ومنصوباً موائـدهُ

النهار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Previous post العقوبات الغربية المفروضة على روسيا لاتهم الصين
Next post تهنئة رئيس الوزراء الكندي لمسلمي كندا
%d مدونون معجبون بهذه: